قال كريس مانجابرا في مقال له في صحيفة الجارديان إن الإمبراطورية البريطانية أصدرت في عام 1833 ميلاديًا قانونًا يحظر الاستعباد في معظم أركان الإمبراطورية. مما دفعها إلى اقتراض 15 مليون جنيه إسترليني وأضافت فوقها 5 مليون أخرى من ميزانية الحكومة – وكان المجموع يمثل 40% من ميزانية الحكومة آنذاك بما يكافئ 300 مليار جنيه إسترليني اليوم – لتقديمها باعتبارها تعويضات.

لكن بدلًا من منح التعويضات للعبيد المحررين لإعادة تأهيلهم – يستدرك مانجابرا – ذهبت الأموال إلى جيوب ملاك العبيد تعويضًا لهم عن خسارتهم «ملكيتهم». وتجاهلت الحكومة العبيد تمامًا، ولم تكلف نفسها حتى عناء الاعتذار لهم عن معاناتهم.

امتدت تبعات هذا القانون حتى عصرنا هذا – يكشف مانجابرا – إذ ظل دافعو الضرائب الإنجليز يتحملون سداد هذه التعويضات حتى عام 2015. فانخرط البريطانيون جيلًا بعد جيل في دفع ثمن إحدى أبشع الجرائم في تاريخ البشرية.

الغريب في الأمر هو أنه لم يُكشف النقاب عن هذا الأمر إلا في فبراير (شباط) 2018. وكان ذلك عبر تغريدة لوزير الخزانة جاء فيها «هل تعرفون أن الملايين منكم ساعدوا في القضاء على العبودية عبر سداد الضرائب؟ استخدمت بريطانيا 20 مليون جنيه إسترليني لسداد تعويضات عن حقبة العبودية بموجب قانون حظر العبودية الصادر عام 1833. واستمر سداد المدفوعات حتى 2015».

انفجرت عاصفة من الغضب في صفوف البريطانيين بسبب خطأ المعلومات التي ذكرها الوزير – يشير مانجابرا – إذ إن حظر تجارة العبيد كان في عام 1807 وليس 1833، كما أن القرار اقتصر على الجزر البريطانية في الكاريبي وموريشيوس ومستعمرة في جنوب أفريقيا. وجرى استثناء العبيد المزارعين حتى عام 1838. الأهم من كل هذا هو أن التغريدة لم تبين أن التعويضات صُرفت لصالح ملاك العبيد وليس العبيد أنفسهم.

تفوح من التغريدة رائحة النسيان التاريخي البريطاني والعنصرية المؤسسية – يؤكد مانجابرا. فهي تمثل رمزًا للطريقة التي يستمر بها إرث العبودية في تشكيل الحياة لأحفاد المستعبدين سابقًا، ولجميع الذين يعيشون في بريطانيا، بغض النظر عن أصلهم. لم تنته العبودية في بريطانيا، بل هي أمام أعين الجميع كل يوم.

لمحة تاريخية

إذا أردنا فهم تأثير العبودية على بريطانيا لنعد بالتاريخ 500 سنة إلى الوراء. ففي أواخر القرن الرابع عشر الميلادي، اختطف الأفارقة من بيوتهم، وجمعوا في أحشاء السفن. وحقق البحارة والتجار، مثل جون هوكينز في الستينيات من القرن السادس عشر، ثروات هائلة من بيع العبيد الأفارقة. وبحلول أواخر القرن السابع عشر – يضيف مانجابرا – سيطر البريطانيون على تجارة الرقيق في العالم. وكانت هناك عشرات الآلاف من السفن التجارية التي تصنع «الممر الأوسط»، حيث يُنقل العبيد عبر المحيط الأطلسي من أفريقيا إلى أمريكا. ونصف الأفارقة المستعبدون خلال القرن الثامن عشر تم حملهم على متن سفن بريطانية.

في الفترة الممتدة بين القرنين الخامس عشر والتاسع عشر، نُقل أكثر من 11 مليون عبد إلى أمريكا، ومات الكثير منهم غرقًا في البحر. إذ غالبًا ما يتم إلقاؤهم في البحر عندما يكونون مرضى جدًا، أو عنيدين، أو مكلفين. أما من يصل بسلام فيُباع أكثر من مرة مثل الأصول المالية، حيث يجري فصل الأمهات عن الأطفال، والأزواج عن الزوجات. وبطبيعة الحال تم اغتصاب العبيد وإعدامهم. وطُبعت علامات تجارية بالكيّ على أجسادهم. وتفاخر العديد من ملاك العبيد بالعقوبات والانتهاكات التي فرضوها على السود في حقول القصب وفي بيوتهم. لنأخذ على سبيل المثال مذكرات توماس ثيستيلوود، وهو مالك عبيد بريطاني في جامايكا في منتصف القرن الثامن عشر. سجل ثيسلوود 3.852 عملية جماع جنسية مع 136 من النساء المستعبدات خلال 37 سنة. ووصف عقابًا أنزله على أحد العبيد بالقول «قمت بجلده، وجعلتُ هكتور يتغوط في فمه، وتُرك الغائط في فمه ما بين 4 أو 5 ساعات».

أنشأ البريطانيون أحد أولى مجتمعات الرقيق الحديثة في باربادوس، بحيث اعتمد اقتصاد الإقليم بكامله على تجارة العبيد. وخلال القرن السابع عشر، عمل العبيد في زراعة قصب السكر المكثفة في ورديات على مدار 24 ساعة. وقد توسع هذا النظام على مر القرون التالية عبر الكاريبي وأمريكا الجنوبية وجنوب الولايات المتحدة. استُخدم الخوف والتعذيب لدفع العمال السود إلى قطع وطحن وغلي السكر لشحنه إلى بريطانيا باعتبار ذلك جزءًا من «مثلث التجارة» المربح بين الساحل الغربي لأفريقيا والأمريكتين وبريطانيا. إن تجارة العبيد خلقت أول أمراء للرأسمالية الحديثة.

ساهم استعباد بريطانيا لأكثر من 800 ألف شخص في مزارع العبيد حول العالم في أن تصبح قوة عظمى – يشدد مانجابرا – ولا تزال بصمة هذا واضحة في بريطانيا اليوم، بما في ذلك المباني التي سميت بأسماء مالكي العبيد مثل كولستون هول في بريستول. وأجزاء كاملة من المدن التي بنيت لملاك العبيد، مثل أحواض غرب الهند في لندن. كما أن التراث الثقافي للرق يملأ الأذواق البريطانية، من الشاي المُحلى، إلى الخدمة الفضية، إلى الملابس القطنية، إلى العرق المتوطن والفوارق الطبقية التي تميز الحياة اليومية.

سفن أسطول شركة الهند الغربية

لكن التاريخ ما عاد يتذكر لبريطانيا إلا جهود القضاء على العبودية – يستطرد مانجابرا – التي بدأت في مقام كنيسة الثالوث المقدس في كلافام، حيث تعبد وليام ويلبرفورس. واليوم، تُعلق له صورة فوق مذبح الكنيسة وهو يبشر امرأة سوداء تجلس أمامه بأنباء إلغاء الاستعباد عام 1807. تجمع حوله مجموعة من الإصلاحيين الاجتماعيين في كنيسة إنجلترا، وعُرفوا باسم «قديسي كلافام»، وقادوا الحملة ضد تجارة الرقيق، ثم ضغطوا من أجل إلغاء عبودية المزارع في عام 1833. وشدد العلماء على أن حركة مناهضة العبودية عملت على توسيع المشاركة الديمقراطية في الحياة المدنية، حيث لعبت المرأة البريطانية والطبقات العاملة دورًا حاسمًا في إلغاء العبودية. وقد تلقى البرلمانيون البريطانيون آلاف الالتماسات من أشخاص عاديين لإصدار قوانين وضعت حدًا للعبودية.

استندت الحركة في حملتها على أن العبودية مخالفة لإرادة الله. فكل إنسان يمتلك روحًا لا يمكن أن يكون رهينة لشخص آخر. وحتى يشعروا الشعب بأن العبيد بشر مثلهم، قامت الحركة بتوزيع سير ذاتية لأشخاص عانوا من العبودية، مثل أعمال إغناطيوس سانشو وأولودا إيكانو وماري برنس. فلن يشعر البريطانيون بمعاناة السود إلا عبر كتاباتهم هم. ومن ثم يصبح من الممكن النظر في عيون المستعبدين ورؤية شخص يبادلك النظرات.

تمرد السود على العبودية

بيد أنه لا يمكن اختزال القصة لتتمحور حول محسنين بيض يعتقون السود. فقد تجاهل هذا السرد حقيقة أنه لولا العديد من الثورات وأحداث التمرد التي قام بها السود، لما أُلغيت العبودية. ففي أوائل القرن التاسع عشر، أججت العديد من مجتمعات الرقيق في منطقة البحر الكاريبي البريطانية حركات تمرد. إذ تمرد العبيد في بربادوس عام 1816، وديمرارا «جويانا اليوم» في عام 1823. وبعد عيد الميلاد مباشرة عام 1831، اندلع تمرد عنيف في جامايكا. حيث أحرق حوالي 60 ألف عبد مزارع قصب السكر واستخدموا أدواتهم لتحطيم مصانع السكر. كما أظهر المتمردون انضباطًا ملحوظًا، حيث قاموا بسجن مالكي العبيد في عقاراتهم دون إلحاق الأذى الجسدي بهم.

ردت الحكومة البريطانية في جامايكا بعنف – يكشف مانجابرا – مما أسفر عن مقتل أكثر من 540 من السود، إما بالرصاص أو على المشنقة. كان لهذه الانتفاضة أثر بالغ في الدفع من أجل إلغاء العبودية. وقد علق هنري تايلور، ممثل غرب الهند في مكتب المستعمرات البريطانية، بالقول «إن هذا الحدث الرهيب شكل ضربة قاضية للرق».

لم يقف السود عند حد السعي إلى الحرية. ولكن بحلول العشرينيات من القرن التاسع عشر، تصدوا لمبدأ اقتصادي أصبح مقدسًا لدى الرأسماليين البريطانيين: التجارة الحرة. جادل إيريك وليامز، مؤرخ لحقبة العبودية ورئيس وزراء سابق لترينيداد، بأن الإمبراطورية البريطانية لم تلغ العبودية إلا بعدما أصبحت غير مفيدة اقتصاديًا. أراد العديد من التجار البريطانيين المتورطين في بيع السكر الكوبي والبرازيلي والهندي في بريطانيا أن يروا نهاية لجميع الواجبات والحماية التي تحافظ على احتكار السكر الهندي الغربي. كما رأى الرأسماليون البريطانيون احتمالات جديدة للربح في جميع أنحاء العالم، من أمريكا الجنوبية إلى أستراليا، بعد أن أتاحت وسائل النقل الجديدة والتقنيات العسكرية – البواخر والزوارق والسكك الحديدية – للمستوطنين الأوروبيين اختراق الحدود الجديدة. كان نظام الرق يحتضر بحلول عام 1833، لكنه كان لا يزال بحاجة إلى القتل الرسمي.

اشتعل الجدل في بريطانيا حول إلغاء العبودية بحلول عام 1830 – يؤكد مانجابرا. لكن الأمر قوبل بمعارضة شرسة من شركة الهند الغربية. فتشكل تكتل من 90 نائبًا برلمانيًا يعارضون أي اقتراح بالتلاعب بحق أصحاب العبيد في الملكية. واقترحوا ما يسمى «تعويضًا عن التحرر»، أو دفع المال إلى مالكي العبيد عند إلغاء الرق، باعتبارها طريقة لدعم حقوق الملكية. وحظيت الفكرة بدعم آلاف من البريطانيين من أصحاب العبيد وتجار غرب الهند ومصافي السكر والوسطاء التجاريين وأصحاب السفن والمصرفيين والعسكريين وأعضاء طبقة النبلاء ورجال الدين، وقد عبروا عن ذلك في مظاهرات عارمة.

كان مفهوم «التعويض عن التحرر» جديدًا نسبيًا. ففي أمريكا مثلًا، لم يتم دفع أي أموال لملاك العبيد عند إلغاء الرق في الولايات الشمالية عام 1804. ولكن في عام 1810 اتخذت الحكومة البريطانية خطوة غير مسبوقة بدفع تعويضات إلى إسبانيا والبرتغال وبعض دول غرب أفريقيا لطلب التعاون في قمع تجارة الرقيق. غير أن المحاولة باءت بالفشل، حيث استغلت إسبانيا والبرتغال أموال البريطانيين واستمرتا في تجارة الرقيق حتى أواخر القرن التاسع عشر. ومع ذلك طالب مالكو العبيد البريطانيون، في الثلاثينيات من القرن التاسع عشر، بتطبيق هذه السابقة الدولية عليهم.

اعتمد المروجون للتعويض على منطق معيب – يؤكد مانجابرا. فبموجب القانون الإنجليزي، كان من الصعب المطالبة بالتعويض عن خسارة الممتلكات، نظرًا للطبيعة الغامضة للمواد المنقولة. لذا، فإن شركة الهند الغربية بقيادة أمثال باتريك ماكسويل ستيوارت، وهو تاجر غني في لندن كان يمتلك العبيد في توباغو، قدمت حججًا خيالية لمساواة العبيد مع الأرض أو المباني. ووفقًا لجانب من الحجة، فإن الحكومة دفعت المال لملاك الأراضي عندما استولت على حقولهم لبناء الطرق والجسور والسكك الحديدية، لذا فعليها أن تدفع لأصحاب العبيد مقابل إلغاء الرق. ووفقًا لحجة أخرى، دفعت الحكومة للجنود مقابل إصابتهم في الحروب وفقدان أطرافهم، لذا عليها أن تعوض مالكي العبيد عن حرمانهم من عبيدهم.

منح ما لا يملك لمن لا يستحق

شعر العديد من المطالبين بإلغاء الرق بعدم الارتياح من تعويض مالكي العبيد، لكنهم رضخوا للفكرة وإن كانت غير مثالية، لتحقيق هدف أسمى. بيد أن آخرين، وخاصة مجموعة الطليعة داخل جمعية مكافحة الرق، عارضوا الفكرة. إذ كتب أحد المساهمين في التقرير الشهري لمكافحة الرق في عام 1829: «سيدفعنا ذلك إلى الجريمة»، وكتب آخر: «سيكون ذلك بمثابة صفعة على وجه الفضيلة العامة». وطالب بعض النشطاء بدفع تعويضات للمستعبدين. وقد عارض العديد من أعضاء البرلمان المناهضين للعبودية بشدة صرف تعويضات لمالكي العبيد.

متجر للعبيد في الولايات المتحدة

كان تعويض ملاك العبيد تعبيرًا عن الأفكار السائدة في تلك الأوقات – يوضح مانجابرا. أدى قانون الإصلاح لعام 1832 إلى إحداث تغيير جذري في النظام الانتخابي البريطاني ومدد الامتياز، مما أضر بمصلحة شركة الهند الغربية. ولكن حتى بعد تعديل لوائح مجلس العموم، ظل هناك عدد كبير من أعضاء البرلمان الذين تربطهم روابط مالية أو عائلية وثيقة بملكية العبيد. من ناحية أخرى، لم يتم انتخاب البريطانيين السود في مجلس العموم حتى نهاية القرن التالي، أي بعد أكثر من 150 سنة.

سارت الدول الأخرى التي تنشط فيها تجارة العبيد، بما في ذلك فرنسا والدنمارك وهولندا والبرازيل، على خطى بريطانيا في العقود التالية وقامت بصرف تعويضات. لكن التعويض الذي دفعته بريطانيا لمالكي العبيد كان الأكثر سخاء.

أظهر بحث حديث قام به مؤرخون في جامعة كوليدج لندن التنوع المذهل للأشخاص الذين حصلوا على تعويضات – يكشف مانجابرا – بدءًا من الأرامل في يورك إلى رجال الدين في ميدلاندز، والمحامين في دورهام إلى مصنعي الزجاج في بريستول. ومع ذلك، فإن معظم الأموال انتهى بها المطاف في جيوب أغنى المواطنين الذين امتلكوا أكبر عدد من العبيد. ذهبت أكثر من 50٪ من إجمالي مبالغ التعويضات إلى 6٪ فقط من المطالبين بها. وقد توارثت الأجيال البريطانية المختلفة تلك التعويضات. وكان من بين المستفيدين رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون.

لم يكن قرار صرف التعويضات يمثل نهاية معاناة العبيد، بل كانت عملية التحرر بمثابة مرحلة جديدة من الفظائع البريطانية وترهيب السود.

تولى البيروقراطيون الحكوميون عملية صرف التعويضات بعد أقل من شهر من استلام الحكومة للقرض، وحصل ملاك العبيد على شيكات التعويضات من مكتب الدين القومي. كان يجري تحديد قيمة التعويض بناء على نماذج الطلب التي يقدمها ملاك العبيد وتحوي عدد العبيد لديهم، وتقديم شهادات لسجل الرقيق. وكان عدد متلقي التعويضات حوالي 47 ألف شخص.

لم يقتصر الأمر على التعويضات المالية – يؤكد مانجابرا – بل امتد إلى إجبار السود على العمل في المزارع لمدة سنوات بعد تحررهم. وهكذا أجبروا على دفع تعويضات عكسية إلى مضطهديهم. في أغسطس (آب) 1834، تم تحرير العبيد رسميًا، لكنهم وقعوا في فخ جديد على الفور يسمى «التلمذة الصناعية»، وكان يستمر لمدة 12 سنة، ولكن تم تقليص المدة في النهاية إلى أربع سنوات. زعمت بريطانيا أنها تهدف من ذلك إلى تعليم السود كيفية استخدام حريتهم بطريقة مسؤولة، وبتدريبهم على الانخراط في الحياة الطبيعية. لكن هذا التدريب تضمن استمرار العمل غير المأجور في نفس المزارع التي كانوا يعملون فيها سابقًا.

بيد أن سنوات «التلمذة الصناعية» كانت أكثر قساوة من سابقاتها – يستطرد مانجابرا. فمع إصدار قانون إلغاء الرق، انتقلت عملية معاقبة العبيد السابقين من مالكي العبيد إلى الدولة. إذ تم توظيف 100 شخص من الشرطة والسجانين والقائمين على تنفيذ القانون وأرسلوا إلى مستعمرات المزارع. وإذا تلكأ المتدربون في سحب المياه، أو في قص العشب، أو إذا أخذوا أيام السبت إجازة، يتعرضون للعقاب من قبل هؤلاء الموظفين.

كانت أساليب العقاب غالبًا ما تتضمن أكثر أجهزة العقاب الحديثة في تلك الأوقات: جهاز الجري، الذي كان من المفترض أن يغرس أخلاقيات العمل، وكان عبارة عن عجلة ضخمة ذات شرائح خشبية سميكة ومتفرقة. وكان المتدربون الكسالى يعلقون من أيديهم من اللوح الخشبي ويجبرون على «الرقص» على آلة الجري حفاة القدمين لساعات. وإذا سقطوا، فسوف يتعرضون للضرب على صدورهم وأرجلهم وسيقانهم بواسطة الألواح الخشبية. وغالبًا ما يقترن العقاب مع الجَلد. طُبق هذا العقاب خلال فترة التلمذة الصناعية أكثر من أي وقت مضى أثناء العبودية، وذلك بزعم أنه شكل علمي وقابل للقياس لإعادة التأهيل التأديبي، ويتماشى مع الرقابة البيروقراطية. وقد ذكر أحد المتدربين، جيمس وليامز، في مذكراته عام 1837، أنه عوقب بعد إصدار قانون إلغاء الرق أكثر من ذي قبل. في الواقع، لقد استنزف أصحاب العبيد المستعبدين بحجة التدريب المهني، وذلك من أجل تحقيق أكبر استفادة من العمالة غير المدفوعة الأجر قبل أن يتحقق التحرر الكامل في عام 1838.

مجموعة من العبيد في ترينداد

فشلت بريطانيا في الاعتراف بآدمية السود، فلجأ الأخيرون إلى خلق مجتمعات خاصة بهم. وصف المستعبدون تجربة العبودية بأنها «حقبة بربرية». وقاموا بتطوير أنظمتهم المصرفية الداخلية والقانونية. ودشنوا علاقات تجارية واسعة بين المدن والقرى والمزارع. كان لديهم الممارسات الروحية الخاصة مثل العرافة، والتواصل الاجتماعي فضلًا عن الممارسات الدينية. وكان لدى العبيد تقاليدهم الموسيقية الغنية وأسلوب في رواية القصص. وكان منهم المهندسون والكيميائيون والمساعدون في حقول الزراعة التي كانوا يسكنونها. وقد ابتكروا العديد من الأشياء للتخفيف من قسوة حياتهم. وحتى مع تجاهل البيض لـ800 ألف شخص يعيشون في مستعمرات المزارع، ظل السود متمسكين بالحياة.

وقد وصف بنجامين دزرائيلي، رئيس وزراء حزب المحافظين في أواخر القرن التاسع عشر، جزر الكاريبي الخاضعة لبريطانيا بأنها عبء ثقيل. وهنا تظهر العادة البريطانية في التهرب من مسألة تركة العبيد البريطانيين وتصديرها إلى الخارج، وكتابة أشعار في قانون إلغاء الرق مع تجاهل كامل لكافة الفظائع المرتكبة، وتحويل الموضوع إلى «عبودية حديثة» كلما ثار الحديث عن تاريخ العبودية في بريطانيا.

في عام 1997 – يكشف مانجبار – تم العثور على رفات بشرية مهجورة على شاطئ في ديفون. سرعان ما تم تحديد أن الرفات يخص عبيدًا كانوا على متن سفينة غرقت في عام 1796. كان من المفترض أن يباعوا في سوق العبيد البريطاني. استغل النائب العمالي بيرني جرانت، وهو من دعاة التعويضات وأحد أول أعضاء البرلمان السود، الفرصة للقيام برحلة إلى ديفون، وتجديد الدعوة إلى صرف تعويضات إلى أحفاد المستعبدين.

طالب جرانت بريطانيا بالاعتذار عن تلك الحقبة، وفي خطاب ألقاه في بيرمنجهام عام 1993: «سأكتب إلى الملكة. أعرف أنها امرأة عاقلة للغاية». لكنه توفي في عام 2000 دون أن يتلقى أي اعتذار.

في عام 2013، طالب ممثلو دول الكاريبي بالتعويضات، حفز ذلك نشر كتاب «ديون بريطانيا السوداء»، الذي ألقى مؤلفه، هيلاري بيكلز، نائب رئيس جامعة جزر الهند الغربية ورئيس لجنة التعويضات في منطقة الكاريبي، كلمة أمام مجموعة من النواب البريطانيين والكاريبيين. وضج صوته عبر غرفة الاجتماعات 14 وهو يقول إن «لدى بريطانيا قضية للإجابة عنها فيما يتعلق بالعدالة التعويضية».

وطالب بضرورة أن تعترف الدولة البريطانية بدورها في نهب الثروة من منطقة الكاريبي، مما أعاق التصنيع وسبب الفقر المزمن. أصبحت منطقة الكاريبي في أواخر القرن العشرين واحدة من أكبر مراكز الإقراض التي نظمها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وكذلك البنوك الأوروبية والأمريكية. وحتى اليوم، فإن اقتصادات جامايكا وبربادوس تعاني من أزمات خانقة.

واليوم تستمر مظاهر العبودية في بريطانيا – يشدد مانجابرا – حيث يبلغ العمال السود ضعفي العمال البيض في الوظائف المؤقتة أو غير الآمنة. وفي حين أن 3٪ من عامة السكان في بريطانيا هم من السود، فإنهم يشكلون 12٪ من السجناء. ولا يزال الأشخاص الملونون ممثلين تمثيلًا ناقصًا بشكل كبير في مواقع السلطة في بريطانيا.

بعد ستة أشهر من خطاب بيكلز، أنهت وزارة الخزانة أخيرًا سداد الدين الخاص بقرض قانون إلغاء العبودية. وبعد ستة أشهر أخرى، سافر رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون إلى جامايكا في زيارة رسمية. هناك، ونيابة عن الأمة البريطانية، أخذ قفزة كبيرة إلى الوراء. لقد حان الوقت «لنسيان هذا الإرث المؤلم والاستمرار في البناء من أجل المستقبل»، كما قال.

ولكن كيف يمكنك نسيان شيء لم يتوقف بعد؟ يتساءل مانجابرا. إن حقبة العبودية في بريطانيا وما شهدته من تعذيب واغتصاب وفظائع تشيب لها الرؤوس لم تكن كافية لإجبار ممثلي الأمة على الاعتراف بجرائم بلادهم ضد الإنسانية وتقديم التعويض.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد