سلافوي جيجك هو واحد من أشهر الفلاسفة في عالمنا المعاصر. ولد جيجك في لوبليانا بسولوفينيا ويبلغ من العمر 66 عامًا. كان لهيجل وماركس ولاكان تأثيرًا كبيرًا على أعماله. يصف جيجك نفسه بأنه ماركسي ذو مرجعية مركزية أوروبية. شارك جيجك في تنظيم الفاعلية التي حظيت بشهرة واسعة بسبب إشارة وزير المالية اليوناني السابق يانيس فارفاكيس فيها يإصبعه الأوسط. هنا يشرح جيجك موقفه من الاستفتاء اليوناني وحركة سيريزا.

شبيجيل أونلاين: سيد جيجك، رئيس الوزراء اليوناني الكسيس تسيبراس يدعم حملة التصويت بـ”لا” في الاستفتاء اليوناني على خطة الإصلاح. كيف تقيم تلك الإستراتيجية؟

جيجك: العديد من النقاد المعارضين لاستفتاء اليونان يعتقدون أن الأمر محض إثارة للجماهير. لكن هذا لأن الدوافع وراء الاستفتاء ما زالت غير واضحة بالنسبة لهم. هم يقولون إن الاستفتاء متعلق بالاختيار بين اليورو والدراخما.. التصويت على البقاء في الاتحاد الأوروبي من عدمه، ولكن كلا السببين خاطئان كما هو واضح.

شبيجيل أونلاين: كيف تقرأ الاستفتاء إذًا؟

جيجك: الحكومة اليونانية وضحت نواياها فيما يتعلق بالاستفتاء. إنهم يحاولون إبقاء اليونان في الاتحاد الأوروبي وداخل منطقة اليورو. هذه المقاربة واضحة للغاية في سياسات سيريزا سواء قاموا باستفتاء أم لا. النقاش المطروح اليوم هو إن كانت حزم التقشف ستستمر أو سيتم اختيار طرق أخرى جديدة. معارضو  تسيبراس يحاولون إعادة تأويل الاستفتاء كسؤال مصيري.

شبيجيل أونلاين: أليس من انعدام المسئولية طرح الاستفتاء، والمخاطرة بخروج محتمل من منطقة اليورو؟

جيجك: وزير المالية وقت الاستفتاء فاروفاكيس وضح المخاطر الحقيقة للاستفتاء. الاختيار كان بين استمرار سياسات الاتحاد الأوروبي المتبعة منذ  أعوام والتي قادت اليونان إلى شفا الإفلاس، أو اختيار بداية جديدة وواقعية. لو اتيحت فرصة للبدء من جديد يمكن توفير خطة صلبة لتعافي الاقتصاد اليوناني. بدون خطة كتلك، فإن الأزمة ستعيد إنتاج نفسها بشكل مستمر.

شبيجيل أونلاين: كيف تبدو ملامح تلك الخطة إذن؟

جيجك: صندوق النقد الدولي اعترف بحاجة اليونان إلى خطة طويلة المدى لتسديد الديون، حتى يمكن خلق “مساحة للتنفس” وإعادة الاقتصاد إلى العمل مرة أخرى. هم يقترحون تأجيلًا لمدة عشرين عامًا حتى يمكن لليونانيين تسديد الدين. هذا يدعم بشدة ما يقوله فاروفاكيس عن ضرورة توفير مقاربة جديدة تمامًا لحل أزمة الدين.

شبيجيل أونلاين: عندما يفاوض تسيبراس فإنه يستعدي الممولين ضده. وهو ما يقلل من أسهم زعيم حركة سيريزا عند الجماهير.

جيجك: أعتقد أن الموقف أكثر تعقيدًا من هذا. الصعوبات التي أعادت اكتشافها حكومة سيريزا تتعرض لانتقادات ومقترحات شديدة الغباء في بعض الأحيان، من كل الأطراف ومن اليسار نفسه. هذا يتضمن على سبيل المثال، فكرة أن تخاطر حكومة سيريزا بإخراج اليونان من الاتحاد الأوروبي. وماذا بعد ذلك؟ هذا سيؤدي إلى انخفاض أكثر في معدل النمو اليوناني يصل إلى نسبة ثلاثين بالمائة، وهو ما يعني أن البؤس في اليونان سيصل إلى مستوى جديد وغير محتمل. وهذا بدوره يجر مخاطر الفوضى العامة، وحتى قيام ديكتاتورية عسكرية. مثل تلك المقترحات يجب مقاومتها قدر الإمكان.

شبيجيل أونلاين: ماذا كنت تقصد أيضًا عندما ذكرت الانتقادات شديدة الغباء؟

جيجك: هناك مطالبات بأن يعود سيريزا إلى جذوره. أن يتفادى كونه حزبًا برلمانيًّا حاكمًا آخر يدعو إلى بعض الإصلاحات. مقولات بأن التغيير الحقيقي يأتي فقط من القاعدة الشعبية، من الناس، ومن التنظيم الذاتي وليس من خلال أجهزة الدولة. هذا مثال آخر على الضجة الفارغة، لأن المشكلة الحقيقية هي في كيفية التعامل مع الضغط الدولي حول التخلف عن تسديد الديون. أو بشكل أكثر عمومية، كيف تمارس السلطة وتحكم دولة. الحركات الشعبية والمؤسسات ذاتية التنظيم لا يمكن أن تستبدل الدولة. السؤال هو، كيف تعييد تنظيم أجهزة الدولة لتتصرف بشكل مختلف.

شبيجيل أونلاين: هل تعتبر سيريزا، مع الوضع في الاعتبار سياساته الحالية، حركة يسارية على الإطلاق؟

البعض يعتبر سيريزا مثالًا حيًّا على أن الانفصال التقليدي بين اليمين واليسار قد عفا عليه الزمن. على سبيل المثال، هناك نقاط التماس كثيرة بين سيريزا والجبهة الوطنية التي تنتمي إلى أقصى اليمين في فرنسا. بالطبع الحزبان لديهما نقاط مشتركة كثيرة، فكلاهما يحارب من أجل السيادة الوطنية وضد الشركات متعددة الجنسيات. نعم، من هذه الزاوية يبدو من المنطقي تشكيل الائتلاف بين سيريزا والحزب اليميني كما حدث. ولكن هذه الترهات المبنية على فرضية التقارب مع الأحزاب اليمنية من السهل تفكيكها. في الوقت الحالي، يكفي طرح قضايا اللاجئين والعمال المهاجرين في النقاش لكي تنهار تلك المماثلة تمامًا.

شبيجيل أونلاين: كتابك الحالي يروج لفكرة وجود ثقافة أوروبية مهيمنة تتضمن قيمًا إجبارية للجميع. هل من الممكن أن تُفهم الإصلاحات الجارية في عدد من دول الاتحاد الأوروبي على أنها مؤشر على وجود ثقافة مهيمنة؟

جيجك: الصراع السائد هو صراع من أجل ثقافة الهيمنة الاقتصادية والسياسية في أوروبا. قوى الاتحاد الأوروبي تدعم الوضع الحالي الذي يتسيده التكنوقراط، والذي سيستمر في أوروبا لعقود بفعل القصور الذاتي. المحافظ العظيم تي. إس. إليوت قال في ملاحظاته حول تعريف الثقافة إن هناك لحظات يكون فيها الاختيار محصورًا بين الهرطقة والكفر. على سبيل المثال، فإن الطريقة الوحيدة لإبقاء الدين حيًّا هو الحفاظ على الانقسام الطائفي في جسد الدين نفسه. هذا هو وضعنا الحالي بالنسبة لأوروبا. هرطقة جديدة، تتمثل حاليًا في سيريزا، هي من تستطيع فقط أن تنقذ ما يستحق الإنقاذ في التراث الأوروبي: الديموقراطية، والثقة في الناس، والتضامن والمساواة. أوروبا التي ستنتصر في حالة التخلص من سيريزا هي أوروبا بقيم آسيوية. الرأسمالية المعاصرة تقيد الديموقراطية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد