سلَّطت شذى حمد، صحافية فلسطينية مستقلة، الضوء على المعاناة التي يعيشها الأسرى الفلسطينيون داخل السجون الإسرائيلية، موضحةً أن الأسرى المصابين بالأمراض الخطيرة مثل السرطان يُواجهون «الموت البطيء» بسبب تعمُّد السلطات الإسرائيلية تأخير تقديم العلاج الطبي لهم، وذلك في تقريرٍ نشره موقع «ميدل إيست آي» الإخباري البريطاني.

وفي بداية تقريرها، تُصوِّر الكاتبة كيف كانت لطيفة أبو حميد، والدة الأسير الفلسطيني ناصر أبو حميد، تنتظر بلهفة وبفارغ الصبر سماع أي أخبار جديدة عن ولدها المسجون المصاب بمرض السرطان منذ دخوله في غيبوبة في يوم 4 يناير (كانون الثاني) بعد تردي حالته الصحية في سجون الاحتلال الإسرائيلي. تقول لطيفة لموقع «ميدل إيست آي» إنني: «لا أعلم شيئًا عن ولدي ناصر، وكل ما أطلبه اليوم هو أن أطمئن على صحته وأن أكون بجواره».

الاحتلال الإسرائيلي لا يعترف بأي حقوق إنسانية!

تقول كاتبة التقرير إن الأسير الفلسطيني ناصر أبو حميد، البالغ من العمر 49 عامًا، نُقل إلى المستشفى الأسبوع الماضي بعدما تسبب خطأ طبي في تدهور حالته الصحية ودخوله في غيبوبة، وقد طرأت على حالة ناصر الصحية تغيرات بعد خمسة أشهر من تشخيص إصابته بورم سرطاني في الرئة. ووفقًا لما ذكره «نادي الأسير الفلسطيني» أن ناصر تعرَّض لـ«إهمال طبي» من جانب سلطات سجون الاحتلال الإسرائيلي منذ اكتشاف إصابته بالورم السرطاني؛ مما أدَّى إلى تدهور حالته الصحية سريعًا.

وفي بيانه الذي صدر يوم الخميس الماضي، أكدَّ «نادي الأسير الفلسطيني» أن «ما يجري مع أبي حميد يأتي نتيجة للسياسات المنهجية التي تعرَّض لها على مدار سنوات اعتقاله في السجون الإسرائيلية، ومن أبرزها سياسة الإهمال الطبي أو الموت البطيء».

ويُوضِّح التقرير أن التدهور الأخير في حالة ناصر الصحية كان يعد صدمة لوالدته لطيفة، البالغة من العمر 73 عامًا، والتي عبَّرت عن صدمتها بالقول: «فوجئنا بخبر فقدان ناصر للوعي ودخوله في غيبوبة وتدهور حالته الصحية». وكانت لطيفة، التي تُنظِّم أنشطة يومية في مخيم الأمعري بمدينة رام الله المحتلة للمطالبة بعلاج ابنها، قد تمكنت من زيارة ناصر في السجن بعد إجرائه عملية جراحية لاستئصال جزء من الورم السرطاني، وخلال هذه الزيارة، أخبرها ناصر أنه قد حُدِّدت له 12 جلسة علاج كيماوي. وكشفت لطيفة عن أن «إسرائيل تفرض تعتيمًا إعلاميًّا على وضع ناصر، وهذا الأمر يزيد من حدة قلقنا عليه».

الأسير الفلسطيني ناصر أبو حميد – نادي الأسير الفلسطيني – مواقع التواصل الاجتماعي

ولفت التقرير إلى أن هناك أربعة أبناء آخرين للسيدة لطيفة في سجون الاحتلال الإسرائيلي وهم: نصر (البالغ من العمر 47 عامًا)، وشريف (البالغ من العمر 45 عامًا) ومحمد (البالغ من العمر 38 عامًا)، وإسلام (البالغ من العمر 35 عامًا)، وجميعهم يقضون عقوبة السجن مدى الحياة، وعلى الرغم من أن لطيفة لا تعتقد بالمرة أن إسرائيل ستُطلق سراحهم قريبًا، فإنها ما زالت تأمل أن تراهم يومًا ما.

وفي هذا الصدد، ذكرت لطيفة: «ناشدنا منظمات حقوق الإنسان بصورة منتظمة بأن يتخذوا أي إجراء لإطلاق سراح أولادي، لكن إسرائيل لا تستجيب لأي مطالبات قانونية لحقوق الإنسان، لقد تعودنا على أن يُؤخذ منَّا ولا نأخذ، أما اليوم، فإنني أتمنى من المقاومة الفلسطينية أن تُعيد إليَّ أبنائي قبل أن أفقد أحدهم أو قبل أن أموت دون أن أراهم».

الأسرى الفلسطينيون: تعمد تأخير العلاج الطبي!

يُنوِّه التقرير إلى أن ناصر، الذي كان يعيش في مخيم الأمعري للاجئين، معتقلٌ في السجون الإسرائيلية منذ عام 2002، وحُكِم عليه بسبعة أحكام بالسجن مدى الحياة بالإضافة إلى السجن لمدة 50 عامًا، وكان ناصر قد وُجِّهت إليه تُهمة المشاركة في تأسيس «كتائب شهداء الأقصى»، الجناح العسكري لحركة فتح، والتخطيط لتنفيذ هجمات ضد أهداف إسرائيلية.

وأشار «نادي الأسير الفلسطيني» إلى أن إصابة ناصر بالورم السرطاني في الرئة اكتُشفت في أغسطس (آب) 2021، إلا أن إدارة السجون الإسرائيلية منعت علاجه، مما أدَّى إلى تدهور حالته الصحية، موضحًا أن ناصر نُقل إلى مستشفى «برزيلاي» الإسرائيلي، حيث خضع لعملية جراحية لاستئصال الورم السرطاني المصاب به، بعد سلسلة من الاحتجاجات التي نظمها أسرى فلسطينيون في سجن عسقلان، حيث كان يُحتجز ناصر، لكن إدارة السجن أعَادته إلى السجن قبل تماثله للشفاء حتى تدهورت حالته الصحية وبلغت هذه المرحلة الحرجة.

بدورها، أوضحت أماني سراحنة، الناطقة الإعلامية باسم «نادي الأسير الفلسطيني»، لموقع «ميدل إيست آي»، أن: «أبا حميد كان ضحية خطأ طبي حدث له أثناء تركيب أنبوب لتفريغ الهواء من رئتيه، مما تسبب في المضاعفات الصحية الأخيرة، ومنها ارتفاع حاد في درجة حرارته».

السيدة لطيفة أبوحميد وأربعة أبناء جميعهم معتقلون في سجون الاحتلال – مواقع التواصل الاجتماعي

وعلى الرغم من قرب موقع سجن عسقلان من مستشفى «برزيلاي»، تباطأت إدارة السجون الإسرائيلية في نقل أبي حميد مرةً أخرى إلى المستشفى حتى ساءت حالته الصحية بدرجة كبيرة، وأبرز «نادي الأسير الفلسطيني» أن السلطات الإسرائيلية رفضت أيضًا الكشف عن تفاصيل حالته الصحية، وتشير المعلومات المحدودة المتاحة إلى أن أبا حميد لا يزال غائبًا عن الوعي، ووُضع على جهاز تنفس اصطناعي، فضلًا عن أن مناعته ضعيفة جدًّا.

حينما يُصبح الحق في العلاج وسيلة للتعذيب

وأفاد التقرير أن الأسرى الفلسطينيين المصابين بالأورام السرطانية في السجون الإسرائيلية بلغ عددهم 18 أسيرًا، صُنِّف أربعة منهم بأنهم مصابون في مرحلة متقدمة من الإصابة بالسرطان، ومنهم أبو حميد. وتقول أماني سراحنة إن الـ18 أسيرًا المرضى بالأورام من بين 550 سجينًا مريضًا داخل عدة سجون إسرائيلية، خاصة في سجن الرملة وعسقلان وبئر السبع، وأعدادهم في تزايد.

وتابعت المتحدثة باسم «نادي الأسير الفلسطيني» موضحةً أن إدارة السجون الإسرائيلية تستغل حق السجناء في العلاج بوصفه وسيلة من وسائل إساءة المعاملة والإيذاء، وتأخير إمدادات الأدوية أو نقل المرضى إلى المستشفى كما شاهدنا في حالة أبي حميد. وذكرت أماني لموقع «ميدل إيست آي» أن: «عشرات الأسرى الفلسطينيين ينتظرون منذ سنوات إجراء فحوصات طبية أو عمليات جراحية»، مضيفةً أن السجناء يتلقون العلاج على نفقتهم الخاصة، وتحديدًا علاج الأسنان، وهو أحد أكثر المشكلات الصحية انتشارًا في السجون الإسرائيلية ويعاني منها الأسرى الفلسطينيون.

وألمحت أماني إلى أنه في الوقت الذي بذلت فيه جماعات حقوق الإنسان جهودًا مستمرة لإدخال أطباء إلى السجون الإسرائيلية، فإن تلك الجهود نادرًا ما كانت تؤتي ثمارها، وأكدَّت أن السلطات الإسرائيلية لم تسمح، على مر التاريخ، لأي لجنة بالتحقيق في سياستها القائمة على الإهمال الطبي وعدم تقديم العلاج للأسرى.

إعادة اعتقال مرضى السرطان

يؤكد التقرير أن السجناء الفلسطينيين المصابين بالسرطان أو بغيره من الأمراض الخطيرة لم يَسْلموا من سياسة الاعتقال الإداري الإسرائيلية، وهو نظام يسمح باحتجاز أي شخص إلى أجل غير مسمى من دون محاكمة أو تهمة استنادًا إلى «أدلة سرية» تقدِّمتها المخابرات الإسرائيلية إلى المحاكم العسكرية في الضفة الغربية المحتلة.

وكان جيش الاحتلال الإسرائيلي قد اعتقل عبد الباسط معطان، الأسير الفلسطيني السابق والبالغ من العمر 48 عامًا وأحد سكان قرية برقة قرب مدينة رام الله، في يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021 وفقًا لنظام الاعتقال الإداري لمدة ستة أشهر، وكان معطان قد أمضى تسع سنوات في السجون الإسرائيلية، معظمها رهن الاعتقال الإداري.

Embed from Getty Images

وفي السياق ذاته، تقول زبيدة معطان، زوجة عبد الباسط، لموقع «ميدل إيست آي» إن زوجها كان مريضًا بالسرطان وخضع للعلاج لمدة طويلة منذ عام 2018، بدءًا من استئصال الورم السرطاني من القولون، ووصولًا إلى خضوعه لجلسات العلاج الكيميائي لمدة عام، وكان معطان يحضر الفحوصات الطبية بصورة دورية، ويتناول عديدًا من الأدوية ويتبع نظامًا غذائيًّا خاصًّا.

وشدَّدت زبيدة على أنه تلقى نتائج فحص طبي غير جيدة قبل شهر من اعتقاله، والتي كشفت عن وجود نشاط سرطاني جديد، بالإضافة إلى تضخم الكبد وزيادة إنزيمات الكبد، موضحة أن عبد الباسط كان يستعد لإجراء مزيد من الفحوصات والأشعة الكيميائية، لكن اعتقاله حال دون ذلك.

وتضيف زبيدة، خلال حديثها إلى موقع «ميدل إيست آي»، قائلة إنه: «على الرغم من تعرض زوجي للاعتقال مرات عديدة، فإن هذه المرة تعد الأصعب عليه وعلينا؛ لأنه مريض وبحاجة إلى العلاج، كما أنه بحاجة إلى بيئة صحية نفسيًّا وبدنيًّا»، مشيرة إلى أن إدارة السجون الإسرائيلية رفضت فحصه طبيًّا أو تزويده بأي شيء آخر غير المسكنات، مع أنه أخذ معه أدويته عند إلقاء القبض عليه.

ويعاني عبد الباسط من مضاعفات خطيرة تشير إلى انتشار السرطان في جسمه، ومن هذه المضاعفات شعوره بآلام في الصدر ونزيف أثناء الإخراج، لكن المحاكم الإسرائيلية ترفض مراجعة الملف الصحي لعبد الباسط بحجة أنه صادر عن مستشفيات فلسطينية وتركية، وهي لا تعترف بقانونية الملف.

وتؤكد زبيدة أن «السلطات الإسرائيلية تتعمد تأخير تقديم العلاج لزوجها المسجون على اعتبار أن ذلك وسيلة من وسائل قتله، وهذه تجربة تعرض لها أسرى فلسطينيون عدة مرات، ونحن نطالب بالإفراج عن عبد الباسط على الفور حتى يتمكن من الحصول على العلاج الطبي اللازم قبل فوات الأوان»، بحسب ما تختم الكاتبة تقريرها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد