ماذا تتوقع أن تقرأ حينما يؤلف ضابط سابق في الجيش الأمريكي رواية يعارض فيها سياسة الولايات المتحدة في الحرب؟ هذا هو بالضبط ما حدث في حالة رواية «البوابة المسحورة» (Smitten Gate)، والتي ألفها ستان جوف، وهو كاتب ومدوِّن أمريكي وناشط مناهض للحروب، كان قد خدم في الجيش الأمريكي لمدة 26 عامًا. صدرت الرواية عبر موقع «كيندل» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

إن هذه الرواية التي تعارض الحروب الأمريكية هي الأولى التي تصدر منذ عقود، إنها رواية عن الجريمة والحب والتشويق النفسي. ولهذا السبب أعد ديمتري أورلوف، وهو مهندس وكاتب روسي-أمريكي، مقالًا نشر بالفرنسية عبر مدونة «Le Saker Francophoone»، يتناول فيه هذه الرواية، ووقائع جمعته بالمؤلف ستان جوف.

يقول أورلوف في بداية مقاله: «منذ عدة أسابيع وقع بين يدي مشروع مدهش: اتصل بي كاتب ليخبرني بأنه نشر روايته الأولى عبر متجر «كيندل» الإلكتروني، حيث قرر عدم البحث عن دار للنشر. ألقيت نظرة على المسودة واكتشفت أنها كالألماس الخام. لقد كان النص مثيرًا، مع وجود أخطاء قاعدية في اللغة الإنجليزية، بعضها كبير، وبعضها صغير، لم يلتزم الكاتب أسلوبًا خاصًا، ولكنه كان يملك الكثير من الإمكانات! وهكذا شرعت في تحويل هذا المشروع إلى جوهرة أدبية مصقولة لطباعتها».

إنها رواية مناهضة للحرب الأمريكية، ولقد كتبت من قبل شخص لديه حياة مهنية طويلة في الجيش الأمريكي، فهو يعرفه جيدًا ولديه القدرة بشكل واضح على تمثيل الوقائع، وعلى رسم الشخصيات.

غلاف الرواية

من المدهش بالنسبة لشخص – إلى الآن – لم يكتب إلا في فرع الواقعية ألا يعاني من الأمراض التي تصيب الكتّاب الواقعيين عندما يدخلون في الخيال، إنه لا يشرح أو يصف، إنه يصور فقط ويوجه. ليست فقط حواراته صحيحة – هناك أخطاء طفيفة فقط – إنه يقرأ ما في العقول، وهو يجيب القارئ عن طريق التخاطر، ومن خلال الشخصيات.

ستدخل الشخصيات إلى عقولكم دون استئذان، كما ستجدون أنفسكم قد دخلتم عقولهم، لن يكون أمامكم خيار آخر، سوى التعاطف مع القاتل المحترف أو مع ابنته المراهقة – واسعة الاطلاع – التي تعاني من صعوبة التصالح مع عقلها المليء بالأفكار السوداء، وروحها التي تتألم. وتبقى الرسوم الكاريكاتورية المصغرة لكبار الضباط، وكذلك تذمرهم من الحياة التي يعيشونها في ظل الحرب صورًا لا تنسَ.

بعد قراءة هذا الكتاب لن تبق نظرتكم للحمقى المغرورين في البنتاجون، ولا لمجموعات الجنود مفتولي العضلات – في القوات الخاصة – كما كانت من قبل.

اقرأ أيضًا: «إنترسبت»: أمريكا لم تعرض الصورة كاملة.. إليك الجانب المسكوت عنه في حرب فيتنام

على الرغم من أن الحرب هي موضوع أمريكي متكرر بامتياز، فإن الروايات العظيمة المناهضة للحرب الأمريكية قليلة؛ هناك على سبيل المثال آرنست همنجواي في رواية «لمن تقرع الأجراس» (1940)، ورواية «العراة والأموات» (1948) لنورمان ميلر، و«كاتش- 22» (1961) لجوزيف هيلر، و«مسلخ- خمسة» لكيلر فونيجوت (1969)، وربما روايات أخرى، ولكن بالمقارنة مع العدد الهائل من الكتاب الغوغاء، الذين ينشرون عن وطنيتهم بشكل غير ناقد، نجد أن الأدب القصصي المناهض للحروب أصبح مفقودًا.

لذلك ينبغي أن تكون الحالة معكوسة – يقول أورلوف – لا بد من وجود حشد متمرد من الكتاب الكبار يشجبون الإخفاقات غير المنتهية لأمريكا في اختياراتها للحرب بسبب اثنين أو ثلاثة «أغبياء» يعملون في البنتاغون.

يرى الكاتب أن السبب الجذري لهذا الميل غير السليم يقع في مكان ما بين مصطلحي «السيطرة على العقل» و«فشل الخيال». يتناول هذا الكتاب السبب الجذري، ويضيف أورلوف: «إنه يفقدكم السيطرة على عقولكم ويحفز خيالكم. إنه يقوم ببعض الأشياء التي لا تستطيع الكتابة أن تفعله، إلا إذا كانت رواية؛ حتى لو كانت مقالات في صحف أو مجلات (هذا إذا كانت موجودة)، أو في المدونات أو أبحاث أكاديمية كاملة. إنه يضرب قلوبكم وأساس الأخلاق لديكم، وهذا ما سيجعلكم تفكرون، ولكن الأهم أنه يجعلكم بكل تأكيد تشعرون».

ليس هناك نقص في الأمريكيين – على المستوى العقلاني – الذين يرون أن النزعة العسكرية الأمريكية ليست إلا إخفاقًا. بإمكانهم أن يعالجوا – بصورة عقلانية – فكرة أن غزو وتدمير بلاد لا تشكل أي تهديد على الولايات المتحدة – دون قرار مجلس الأمن – هو جريمة حرب. بإمكانهم أيضًا اعتبار الاحتجاجات المناهضة للحرب – والتي كانت كثيرة قبل الحرب على العراق – لم تخدم أي غرض عملي على الإطلاق.

يمكنهم التفكير بكل هذه الأمور، ثم يكملون حياتهم ويدفعون الضرائب التي تنفق على جريمة منظمة لا مبرر لها. يتساءل أورلوف: «ولكن بماذا يشعرون؟» ويضيف: «هل يشعرون بالاشمئزاز تجاه ما يفعلون؟ هل يشعرون بالخجل؛ لأن هذه الأشياء المخزية تحصل باسمهم؟ هل هم خائفون؟ لأن حروب العداون غير العادلة تؤدي في نهاية المطاف إلى تدمير المجتمعات التي كرّستها، نتيجة النفوس التي تعاني من صراع داخلي، وكذلك بسبب العنف الذي ارتكبه مجرمو الحرب».

لا يوجد شخص مجندّ – يفكر بما يجري حوله – أن يصمد دون أن تصاب روحه بالتلف، وهو يعيش في بيئة، حيث العصيان أو حتى التشكيك في أوامر تدعوه لارتكاب جريمة حرب أو عمل وحشي يعتبر في أحسن الأحوال تمردًا، وفي أسوأها خيانة. فكروا بذلك قليلًا.

إن ثلث المجندين المتطوعين تركوا دراستهم الثانوية أو لم يسجلوا فيها أصلًا – بحسب المقال – ووفقًا للمعايير الجديدة (الجيش الأمريكي يعاني الكثير من أجل العثور على ما يكفي من المجندين القادرين على الخدمة) فإن تعاطي المخدرات والميول الانتحارية وارتكاب الجرائم لم يعد أي منها يشكل عائقًا. بعد كل هذا يتلقّى هؤلاء المجنّدون أوامر من أجل التعبير عن أوهام شوفينية عنيفة من خلال قصف وإطلاق النار على أشخاص من ذوي البشرة الداكنة في بلاد بعيدة. هل تعتقدون أنه بوجود الملايين من هؤلاء – الذين يشاركون في هذا النظام – سيكون هناك فرصة لبناء مجتمع محايد تجاه الأجناس والألوان؟ بالطبع لا!

اقرأ أيضًا: مترجم: لماذا فقدت أمريكا إرادة الانتصار في الحروب؟

دعوني أصف المضمون باختصار، فإذا كنت على دراية بالوقائع فبإمكانك العبور خلال هذه الرواية – يقول أورلوف – إن الولايات المتحدة هي في حالة حرب منذ 222 سنة من أصل 239 سنة مضت، أكثر من أي بلد آخر على وجه الأرض، الأمر الذي جعلها الأمة الأكثر عدوانية والأقل حبًّا للسلام في العالم. إن الغالبية العظمى للاعتداءات العسكرية في العالم لم تكن حروبًا من أجل البقاء، بل كانت حروبًا من أجل السلب: للسيطرة على الأسواق وعلى الموارد، للدفاع عن السياسة النقدية، ومن أجل الاستمرار في استراتيجية جيوسياسية للسيطرة على العالم.

وبحسب الكاتب، فإنه لم تسفر غالبية الصراعات المسلحة المؤخرة عن أي انتصار، لا في كوريا حيث انتهت بهدنة، وبشكل مؤكد لم يتحقق أي نصر في فيتنام. أما غزو أفغانستان فقد جعل منها المزود المهيمن على تجارة الهيروين في العالم؛ مما أدى إلى انتشار وباء أشباه الأفيون في الولايات المتحدة، والذي خرج عن السيطرة، بالإضافة إلى تعزيز قوة حركة طالبان بدلًا عن تدميرها. أما العراق فهو اليوم يتحالف مع إيران، ولا واحد من هذين البلدين هو حليف للولايات المتحدة. وسوريا اليوم تمثل هزيمة للاستراتيجية الأمريكية القائمة على تسليح وتدريب المتطرفين الإسلاميين. كذلك فإن حروب الوكالة الأخرى التي يقودها حلفاء الولايات المتحدة بالأسلحة التي تزودهم بها الولايات المتحدة – مثل جورجيا عام 2008 واليمن في هذه الأوقات – هي إخفاقات كبيرة.

أمام الجمهور تعلن الولايات المتحدة أنها ترصد ميزانية رسمية للدفاع تزيد على 650 مليار دولار – أكثر من الدول الثماني مجتمعة – بالإضافة إلى المزيد الذي يتم إنفاقه من خلال برامج سرية متنوعة، ومن خلال برامج عسكرية، وبرامج تسليح في أقسام أخرى غير الدفاع. لقد تمت إدارة الحروب بطريقة الاقتراض – يقول الكاتب – ومن المتوقع أن تصل الفوائد المالية للحروب الأخيرة في أفغانستان والعراق إلى أكثر من 8 آلاف مليار دولار. وهذا المبلغ الكبير يتم استنزافه باستمرار خارج الاقتصاد الأمريكي، ويتم إنفاقه على أنشطة غير مربحة، وبالنتيجة فإن البنية التحتية المدنية في العديد من المناطق في الولايات المتحدة تدهورت، وأصبح البلد بسرعة غير قادر على منافسة باقي الدول الأقل عدوانية.

في نطاق الدفاع، فإن الولايات المتحدة لا تحصل على أية قيمة مقابل المال، فنظام الشركات الربحية في المجال العسكري يمتص مبالغ ضخمة من المال، والتي تهدر بسخاء على تقنيات الطيران، مثل برنامج F-35 الذي كلف ألف مليار لهذه اللحظة، حيث قدم طائرة متعددة الاستعمالات، ولكنها غير جاهزة لخوض معركة جوية، وهي غير مؤهلة لبلوغ أي من أهدافها المعلنة؛ مثل توفير دعم جوي قريب، أو حتى الفوز على طائرات عام 1970 من طراز F-16، أو حتى هبوط موثوق به على حاملة الطائرات.

وبما أننا نتحدث عن حاملات الطائرات – يقول أورلوف – فإن الولايات المتحدة تواصل ضخ أموالها على أسطولها، على الرغم من أنه لم يعد بإمكانها نشر حاملات طائرات ضد عدو مسلح جيدًا بسبب انتشار الأسلحة التي تستعمل تحت الماء، والتي لا تعتبر مكلفة نسبيًا مثل طوربيدات الجيل الأخير، القادرة على تدمير موثوق به من على بعد مسافات بعيدة.

خلال هذا الوقت، فإن روسيا قد أعادت تسليح نفسها إلى مستوى لم يعد بإمكان الولايات المتحدة مهاجمتها، دون المخاطرة بالإبادة الفورية، وبلدان أخرى أيضًا لم تتخلف عن الركب. بالإضافة لذلك تمكنت روسيا من تسليح نفسها بطريقة نوعية وبميزانية محدودة، وأصبحت الآن المورد الرئيس للأسلحة الدفاعية في العالم، مثل تركيا والسعودية – والذين من المفترض أن يكونوا حلفاء لأمريكا – يعتبران من بين المشترين المهتمين – بل أكثر من مهتمين؛ لأن تركيا وقعت فعلًا عقدًا لشراء (S-400) الروسية.

اقرأ أيضًا: كيف صنعت الولايات المتحدة «الجهاد» و«تجارة المخدرات» في أفغانستان؟

إن الولايات المتحدة تملك جيشًا مصممًا للهجوم، إلا أن أي هجوم الآن أصبح محفوفًا بالخطر – بحسب أورلوف – وفي الوقت الحالي، فإن جميع الخصوم المحتملين الرئيسيين لديهم جيوش مصممة للدفاع، وليس لديهم مصلحة في الهجوم العسكري على الولايات المتحدة، خاصة وأن الإصلاح البسيط للتمويل الدولي سيسعى تقريبًا لتحقيق نفس النتيجة. هذا المزيج من العوامل يجعل الجيش الأمريكي ليس فقط ضارًا، ولكن أيضًا عديم الفائدة.

إن الكثير من الكتابات تحاول اليوم وعظ الناس؛ دعاة سلام يكتبون لأجل دعاة سلام آخرين. هذا الكتاب ليس من هذا النوع على الإطلاق، وهو لا يقدم أي تصريح أو بيان سياسي، فبدلًا عن ذلك يغوص بكم في أعماق عالم جنود النخبة، كما هو. إنه كُتب من أجل أولئك الذين يحبون روايات المعارك المكتوبة من قبل الأشخاص الذين يعرفون الموضوع بشكل جيد. يكشف لنا الكاتب قصة رائعة، ولكنه لا يكذب ولا يبالغ في حقائق الحياة اليومية لهذه الحياة. هو يناشد الذين يحبون الجيش، ولديهم حس وطني، ولكنهم منفتحون بصورة كافية لقراءة أشياء غير مغلفة بالسكر وتدعو للبطولة.

إذا كنتم تعرفون مثل هؤلاء الناس، أعطوهم هذا الكتاب، فهذه هي الطريقة التي يمكنكم بها أن تغيروا العالم، شخص واحد فقط في مرة واحدة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد