عندما سرب «إدوارد سنودن» أكبر مجموعة من الوثائق السرية لوكالة الأمن القومي في التاريخ، لم يكن فقط يكشف عن الأعمال الداخلية لماكينة المراقبة العالمية، بل كان أيضًا يكافح للتهرب من ذلك. للتواصل مع الصحفيين الذين نشروا أسراره، تعين عليه نشر رسائله عبر برنامج تور، وتعليم الصحفيين استخدام أداة التشفير PGP عن طريق إنشاء برنامج تعليمي على YouTube.

الآن، وبعد مرور ما يقرب من أربع سنوات، فقد ركز «سنودن» المرحلة المقبلة من حياته المهنية على مواجهة هذه الحالة المحددة من أعمال المراقبة الجماعية: كيفية حماية الصحفيين والأشخاص الذين يمدونهم بالمعلومات في عصر تآكل الخصوصية، دون مطالبتهم بتوفير خبير تشفير أو الذهاب إلى المنفى إلى موسكو، وذلك بحسب تقرير نشره موقع «wired» الأمريكي.

الموقع الأمريكي نقل عن «سنودن» قوله: «راقب الصحفيين وستجد مصادرهم. إذًا كيف نحافظ على السرية في هذا العالم الجديد، عندما يكون ذلك أكثر أهمية من أي وقت مضى».

مؤسسة حرية الصحافة

التقرير أشار إلى أن «سنودن» تولى رئاسة مؤسسة صغيرة غير ربحية تتخذ من سان فرانسيسكو مقرًا لها وتدعى «مؤسسة حرية الصحافة» منذ مطلع العام الماضي. تتمثل مهمة المؤسسة في دعم وسائل الإعلام للقيام بعملها في وقت يهدد فيه المخترقون الذين ترعاهم الدول ومراقبة الحكومة، الصحافة الاستقصائية بطريقة لم يتخيلها أبدًا الصحفيان «كارل برنستين» و«بوب وورد»، وهما الصحفيان اللذان قدما استجوابًا أدى إلى كشف كواليس فضيحة ووترغيت التي اضطرت رئيس الولايات المتحدة «ريتشارد نيكسون» لتقديم استقالته.

وقال «سنودن»: «لا يتوافر لدى غرف الأخبار الميزانية، والتطوير، أو المهارات للدفاع عن أنفسهم في ظل الظروف الراهنة»، وأضاف متحدثًا مع الموقع الأمريكي عن طريق برنامج فيديو مشفر للدردشة من منزله في موسكو: «إننا نحاول توفير عدد قليل من الأدوات المتخصصة لجعل اللعبة أكثر عدلًا».

وفقًا للتقرير، تتألف مجموعة العمل من 10 من العاملين وحفنة من المبرمجين، مع توجيه عن بعد من «سنودن»، وتعمل على تطوير ترسانة من التحسينات الأمنية للصحفيين. يتشارك «سنودن» ومتخصص القرصنة الشهير «بوني هوانج» لتطوير تعديل حاسوبي لجهاز آي فون، يهدف إلى الكشف عن برمجيات خبيثة على الجهاز تنقل سرًا بيانات أحد الصحفيين، بما في ذلك الموقع الذي يتواجد به.

وقال الموقع إن المجموعة تعكف على تطوير قطعة من البرمجيات تدعى Sunder  تسمح للصحفيين بتشفير مجموعة قيمة من الأسرار ومن ثم إخراجها فقط إذا أدخل العديد من الزملاء في غرفة الأخبار كلمات المرور الخاصة بهم للوصول إلى البيانات. ويقوم مبرمجو المؤسسة ببناء نسخة ربط وتشغيل من برنامج Jitsi، برنامج دردشة الفيديو المشفر، الذي يستخدمه «سنودن» نفسه للاتصال اليومي. يريدون لغرف الأخبار أن تكون قادرة على تثبيته على أجهزتهم الخاصة مع عدد قليل من الكبسات.

SecureDrop

ولكن التقرير أفاد أن أكبر إنجاز للمؤسسة كان برنامج SecureDrop، وهو منصة برمجيات مفتوحة المصدر للاتصال الآمن بين الصحفيين ومصادرهم. وقد تم استخدام النظام من قبل العشرات من المنصات الإخبارية، بما في ذلك صحف «الجارديان» و«نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست».

في أوائل عام 2014، طالب مؤسسا «مؤسسة حرية الصحافة»، الذين كانوا من بين المؤسسات الصحفية الأولى التي تلقت تسريبات «سنودن»، وهما الصحفيان «غلين غرينوالد» و«لورا بواترا»، طالبا مصدرهم الصحفي البالغ من العمر 30 عامًا بالانضمام إلى مجلس إدارة المجموعة كبادرة رمزية إلى حد كبير. لكن «سنودن» فاجأ أعضاء مجلس الإدارة بالظهور في أول اجتماع له مع قائمة بالتغييرات المفصلة التي شملت 40 صفحة للنظام الداخلي للمؤسسة. وفي العام التالي انتخب بالإجماع رئيسًا لها.

وأشاد «تريفور تيم»، المدير التنفيذي للمجموعة بـ«سنودن» وخبرته الواسعة فيما يتعلق بالاتصالات الصحفية، كما أن «سنودن» رفض تقاضي راتب نظير توليه رئاسة المؤسسة، وبدلًا من ذلك منح المجموعة 60 ألف دولار خلال العام الماضي.

وقد أظهرت تسريبات «سنودن» الخاصة – بحسب التقرير – الحاجة الماسة لعمل المؤسسة: في أوائل عام 2015 كشف «سنودن» أن جواسيس بريطانيين جمعوا رسائل بريد إلكتروني تخص مجموعة من المؤسسات الصحيفة. وقد وضعت مؤشرات أخرى لمراقبة الدول أيضًا الصحفيين على أهبة الاستعداد.

سنودن القادم

وفي أواخر العام الماضي تبين أن شرطة مونتريال تتبعت مكالمات هاتفية ورسائل نصية لأحد الصحفيين من أجل تحديد مصادر هامة. وفي أوائل يناير (كانون الثاني)، قبل أن يتولى مهمته، دعا الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» الكونجرس للتحقيق في تسريب لشبكة أخبار NBC وهو التسريب الذي منح الشبكة نظرة خاطفة على تقرير استخباراتي حول دور روسيا في التأثير على الانتخابات الأمريكية.

في الأشهر التي تلت انتصار «ترامب»، تلقت «مؤسسة حرية الصحافة» طلبات مكثفة من الصحفيين لتقديم دورات تدريبية، وفق ما ذكر المدير التنفيذي للمؤسسة.

«سنودن» أشار إلى أن إدارة الرئيس «أوباما»، وليس «ترامب»، هي التي أقامت لائحة اتهام ضده وسبعة آخرين على الأقل بموجب قانون التجسس لتسريبه معلومات للصحفيين. لكن «سنودن» و«تيم» يشعران بالقلق من أن «ترامب»، مع ازدرائه العميق لوسائل الإعلام والسلطة التي يملكها في وزارة العدل الأمريكية، سيكون سعيدًا جدًا للمضي قدمًا وتوسيع دائرة تلك الاتهامات.

أما بالنسبة للشائعات التي انتشرت مؤخرًا بأن الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» قد يرسل «سنودن» إلى الولايات المتحدة كـ«هدية» للرئيس الأمريكي، فقد نقل التقرير عن «سنودن» قوله: «إذا كانت السلامة الشخصية الشيء الوحيد الذي كنت قلقًا بشأنه، لما كنت قد غادرت هاواي أبدًا».

واختتم التقرير بقوله إن كل ذلك يجعل الحماية التقنية لوسائل الإعلام من التجسس أكثر أهمية من أي وقت مضى. وقال «سنودن»: «إننا لا يمكننا حل مشكلة المراقبة بين عشية وضحاها. ولكن ربما نتمكن من بناء درع من شأنه أن يحمي أي شخص يقف وراء ذلك».

وإذا ما نجحت المجموعة، فربما سيكون «سنودن» القادم قادرًا على اللجوء ليس في موسكو ولكن في أركان الإنترنت المشفرة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات