تعد مصر وجهةً سياحية جذابة تشتهر بالمواقع الأثرية، وجمال الطبيعة، والثقافة القديمة. لكن جاذبية البلاد لا تنحصر في هذه الأشياء فقط، بل يمكنك أن تجدها في شكل استثنائي من الفن الجداري وصور المناظر الطبيعية واسعة الانتشار داخل البيوت المصرية والمحال الشعبية الصغيرة.

وحلل فينسنت باتيستي، باحث العلوم الاجتماعية في «المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي»، ظاهرة ورق الحائط المنتشرة بصورة واسعة في المجتمع المصري. وأكد في مقاله الذي نشرته صحيفة «ذا كونفرسيشن» أن هذه الظاهرة تعبر عن البصمة التي تركها المجتمع المصري في تناوله لمفهوم الاستغراب.

وأوضح باتيستي أن هذه الملصقات ليست صورًا فوتوغرافية حقيقية، بل هي ملصقات تتألف من صور الكثير من البيئات الطبيعية والطرز المعمارية المختلفة، والتي صممت باستخدام برامج المعالجة البصرية (الفوتوشوب) وبطريقة غير واقعية على الإطلاق. ويطلق على هذه الصور المصنوعة في مصر اسم «المناظر الطبيعية»، وتتفاوت أحجامها لتبدأ من الصور المؤطرة بحجم (50×35) سنتيمتر، وصولًا إلى ورق الحائط الضخم. ويرى باتيستي أنها تكشف عن شكل من أشكال الاستغراب المصرية الخالصة.

وحصل باتيستي على جميع الملصقات المرفقة بمقاله أثناء عمله الميداني في القاهرة عام 2009، حيث اشترى الواحدة منها مقابل بضع جنيهات مصرية (أي أقل من دولار أمريكي واحد). وتظهر تلك الصور المثالية داخل البيوت المصرية، والمطاعم، والمقاهي، وصالونات تصفيف الشعر. وتنتشر هذه الظاهرة في المناطق الريفية والحضرية بجميع أنحاء البلاد، لكن باتيستي يعتقد أنها موجودة بكثرة في ريف سيناء القاحل، والصحراء الليبية، وساحل غرب البحر المتوسط.

وأشار باتيستي إلى أن هذه الملصقات تصور نسخةً من «الغرائبية» التي لا تدور حول أشجار النخيل العادية أو الحقول المسطحة أو الكثبان الرملية البسيطة، وهي الصور المتداولة في الإعلانات السياحية لجذب الزوار إلى مصر. بل تعبر عن شكل الجماليات المحلية بدلًا من ذلك، وهي الجماليات التي تختلف تمامًا عن معايير الجمال الغربية.

 

لوحة من المناظر الطبيعية

إحدى ملصقات المناظر الطبيعية المنتشرة في مصر. المصدر

 

حرفيو تصوير الطبيعة على الفوتوشوب

افترض باتيستي في بداية الأمر أن هذه الملصقات هي إحدى المنتجات الصينية زهيدة الثمن التي غزت السوق المصري، لكنه اكتشف أنها صممت وأنتجت في حي شبرا الخيمة بالقاهرة، وبعض الأحياء الشعبية المجاورة.

وتعد «مكتبة المحبة القبطية» أكبر الموزعين لتلك الملصقات في كافة أنحاء مصر، وفي منطقة شمال أفريقيا على الأرجح، حيث سبق لباتيستي رؤية بعض الملصقات في الريف المغربي وواحة الجريد التونسية.

ولا شك أن برنامج الفوتوشوب -أو برامج معالجة الصور الأخرى- هو الأداة الرئيسية التي يعتمد عليها في قص ولصق هذه التراكيب الفنية المصرية. حيث يظهر المصمم حرفيةً عالية في استخدام مجموعة من الخيارات مثل: اللصق، والدمج، والتبهيت، والقص، وتغيير الحجم، والنسخ، وغيرها من التقنيات.

ويخلق المصممون مشاهد ثلاثية الأبعاد -من خلال شاشات حواسيبهم الآلية- تحوي أجمل المناظر الطبيعية في قارات العالم، حتى وإن بدى تعايش العناصر معًا غير منطقي إجمالًا، أو كان الملصق يعاني مشكلةً واضحةً في أحجام عناصره.

ويشير المقال إلى أن المصممين في «مكتبة المحبة» لم يترددوا في تلبية متطلبات المجتمع المسيحي عن طريق إدراج صور عيسى المسيح والبابا شنودة الثالث الراحل في تلك الأوساط الريفية. وورث أولئك المصممون خبراتهم الوافية من اللمسة التصويرية القبطية. ويمثل أولئك المصممون سببًا قطعيًا وراء استمرار إنتاج المكتبة للصور الدينية التي تظهر القديسين المنتصرين، والرهبان، والباباوات الأخيار، والشهداء المتألمين.

مناظر طبيعية تزين صورة تحمل طابعًا مسيحيًا

ملصقات تحمل مناظر طبيعية مع إضافة رموز دينية عليها. المصدر

الثلج والغابات المطيرة وعيسى المسيح ومعابد الباغودا الصينية!

أورد باتيستي أن المياه توجد بكثرة في تلك الملصقات، ويعتقد أن وجودها جاء بناءً على رغبة المستهلكين. وتأتي المياه في صورة بحر، أو بحيرة، أو نهر بمسار خيالي، أو نوافير بديعة التصميم.

والعنصر الأساسي الآخر هو إدراج المساحات الخضراء ومجموعات الأزهار الملونة، بحسب باتيستي، بغض النظر عن التناقضات والمستحيلات البيئية والزراعية والنباتية. وبذلك تسيطر زخارف الحدائق على غالبية التصميم، تاركةً فسحةً بسيطة لتصوير السماء الزرقاء، وبدون أي مساحة واضحة للبشر أو الحيوانات.

وأضاف باتيستي أن العناصر المعمارية المستخدمة لا تعكس الزخارف الإسلامية فقط (الأعمدة والخزف)، بل هناك أيضًا عدد من الطرز الأجنبية البعيدة عن الثقافة المصرية، مثل: القصور على طراز كاليفورنيا، ومعابد الباغودا الصينية، والمنارات الإسكندنافية.

وهناك عدد من المناظر الطبيعية غير المألوفة، مثل: الجبال الجليدية السويسرية المحيطة بالشلالات الاستوائية في الغابات المطيرة، والتي يتوسطها قصر فرساي أو أي مبني آخر على طراز عصر النهضة، بالإضافة إلى أحواض الزهور المصممة على الطراز الإسلامي، إلى جانب يخت أو طوف جليدي في الخلفية.

ويلجأ المصممون في بعض الأحيان لإضافة حديقة على الطراز الإنجليزي في أوج فصل الخريف. لكن هذا النوع من الملصقات لا يكتفي بإظهار الطبيعة العادية فقط، بحسب باتيستي، إذ تنتصر الرغبة في تجسيد ظاهرة الاستغراب على الأغلب.

ما هو الاستغراب؟ وما هي الطبيعة؟

تنتشر ملصقات الحائط بجلاء في جميع أنحاء مصر، باعثةً شكلًا من أشكال البهجة البصرية في محطات البنزين والمطاعم الشعبية. ولاحظ باتيستي وجود تلك الملصقات داخل غرف المعيشة (المربوعات) في منازل واحة سيوة، وهي واحة صحراوية نائية في الصحراء الغربية.

ولا يعتقد سكان واحة سيوة أن هذه الملصقات أصلية أو مثيرة للاهتمام على وجه خاص، بحسب باتيستي، ولكن السياح الذين يأتون لسيوة لا يركزون على النظام البيئي الزراعي في المنطقة. إذ يتطلع السياح إلى رؤية المناظر المألوفة بالنسبة لهم، مثل مشهد «جنة عدن» الأيقوني الذي يتطابق مع تصورهم الغربي للطبيعة في صورة الواحة، ويتوافق مع إدراكهم للاستغراب.

ويعتقد باتيستي أن هذه الملاحظة تتوافق مع مفهوم جيرارد لينكلود، عالم الأنثروبولوجيا الاجتماعية، عن فن تصوير المناظر الطبيعية. إذ عرف لينكلود المناظر الطبيعية قائلًا: «إنها نتاج رؤية الشخص للأشياء (الأجنبية) بالنسبة له. لأن الإنسان لا يفكر في تصوير منظر طبيعي يتصل بالبيئة التي يعيش أو يعمل فيها». والشيء الغريب هو الشيء الموجود دائمًا في مكان ما بعيدًا عن آفاق الإنسان.

ويرى باتيستي أن ورق الحائط يكشف تصور المصريين عن «الطبيعة المثالية». إذ تخلق هذه الملصقات صورةً لمكان غريب يجمع بين الحنين لجنة عدن الضائعة والأمل في تحقيق الوعد بجنة الفردوس، عن طريق جمع الصور من مختلف العصور والأماكن. علاوةً على أن دمج صور حدائق العصر الذهبي الإسلامي مع الشاليهات المصممة على الطراز السويسري، والمنارات الأطلسية، يكشف مدى التجاذب بين الثقافات في عالم تسوده العولمة.

ويؤكد باتيستي أن تكديس العناصر الطبيعية واضح في هذه التصاميم، أي أن هذا التشرب هو المفهوم الرئيسي الذي يقوم عليه فن الجمال الشعبي غالبًا، إلى جانب أنه جزء من السعي للاستمتاع بتجربة حسية. ولا يفرق أصحاب تلك «المناظر الطبيعية» بين الطبيعة الواقعية والأداء الفني الاصطناعي. ووجد باتيستي، خلال المقابلات التي أجراها في واحة سيوة، أن السكان لم يلاحظوا اللمسة المزيفة أو يكترثوا بأصالتها.

مناظر طبيعية تزين بيت فرد من البدو المصريين.

مناظر طبيعية تزين بيت فرد من البدو المصريين. المصدر

أحلام البساتين الخضراء

وأوضح باتيستي أن المستهلك المصري يفضل ترتيب العناصر الطبيعية في التصميم بتكرار ثلاثة عناصر أساسية، بغض النظر عن تداخلها الفوضوي: الزهر والماء والعمارة. إذ تظهر بعض هذه العناصر في أكثر من تصميم، لدرجة أنه يمكنك التعرف إلى نفس النافورة في أكثر من تصميم، مع اختلاف بسيط في شكل الحوض.

واستطاع باتيستي أن يتتبع بالصدفة البحتة مصدر بعض الأنماط الأساسية لهذه التصاميم، إبان بحثه عبثًا عن حرف مشابهة في مختلف دول العالم. فوجد أن «الطاحونة»، التي تظهر في بعض الأحيان بين النباتات الاستوائية اليانعة، هي نمط مأخوذ عن ملصق بعنوان: «Glade Creek Grist Mill, Babcock State Park, West Virginia»، من تصميم روبرت جلوسك. أما الصورة الأصلية فهي إعلان سياحي لحديقة بابوك الحكومية بولاية فيرجينيا الغربية في الولايات المتحدة الأمريكية.

ولا يكتفي المصريون بالنسخ البسيط للتصميم، بحسب باتيستي، لأن ذلك يخالف تقاليد علم الجمال الشعبي التي تميزه عن الجمال الشعبي الأوروبي. إذ ذكر جان كلود تشامبوريدون، في كتابه «حماية الطبيعة: التاريخ والأيديولوجية Protecting Nature: history and ideology»، أن الجمال الشعبي الأوروبي ينظر إلى: «الريف بوصفه وضعيةً اجتماعية مثالية، أتت نتيجة عملية الاختفاء التدريجية لطبقة البروليتاريا الريفية على المدى الطويل، بدايةً من النصف الثاني للقرن التاسع عشر».

وتحول الريف الفرنسي إلى مساحة مثالية طبيعية محيت آثار بنيانها (نتيجة تاريخ من الصراعات الاجتماعية) وحل محلها موضوع تقليدي جميل يتغير بتغير المواسم. واسترجع باتيستي ذكريات الملصق الخشبي المثبت إلى غابة قارية، والذي اعتاد والديه عرضه داخل غرفة المعيشة بمنزلهم في مدينة لوهافر الفرنسية. في حين تدفع الطبيعة الصحراوية بسكان شمال أفريقيا ومصر إلى تخيل البساتين الخضراء والقصور الإيطالية. إذ تسمح لهم تلك الأحلام بالهروب من بيئتهم القاحلة ولو للحظة واحدة.

القاهرة في قمة مؤشّر الحشيش.. ماذا يحدث لو قنّنته؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد