نشرت مجلة فورين بوليسي الأمريكية مقالًا للكاتب الصحافي الأمريكي باسكار سنكارا تحدث فيه عن أوضاع العالم بعد الرأسمالية، مؤكدًا أن المستقبل يعتمد على ديمقراطية اجتماعية لا تعيد تشكيل الرأسمالية فحسب، ولكن تتجاوزها كذلك، وأنه لا ينبغي أن يكون مفاجئًا أننا لازلنا نتحدث عن الاشتراكية في عام 2020.

في بداية المقال ذكر الكاتب أنه قبل 40 عامًا فقط في معظم أنحاء العالم إذا كانت هناك هوية سياسية لشخص ما، فعلى الأرجح أنه كان اشتراكيًّا بشكل أو آخر. وربما كان مثل هؤلاء الأشخاص قوميين من العالم الثالث يبحثون عن سبيل لتطوير أوطانهم المضطهدة منذ زمن بعيد، أو ربما كانوا مدافعين عن حقبة ليونيد بريجنيف «الاشتراكية القائمة بالفعل» في الاتحاد السوفيتي والدول التابعة لها، أو ربما كانوا ديمقراطيين اجتماعيين – لم يعودوا يبحثون عن اشتراكية بعد الرأسمالية، ولكنهم ألزموا أنفسهم بتحقيق «اشتراكية وظيفية» على الطراز الإسكندنافي داخلها.

ولم تكن العقود الثلاثة الماضية رحيمة بأي من هذه الاشتراكيات. إذ انهارت الدولة الاشتراكية فجأة، وأدَّت محاولات الزعيم السوفيتي ميخائيل جورباتشوف لإصلاح النظام إلى تقويض عوامل التماسك التي حافظت عليه. ولم يكن مصير الديمقراطية الاجتماعية في أوروبا دراماتيكيًّا بالقدر ذاته؛ إذ توقفت ببطء ولم تنهار.

واعتمدت ديمقراطية ما بعد الحرب على التوسع الاقتصادي – هدية لكل من الرأسماليين والاشتراكيين على حد سواء – ولكن عندما بدأ النمو في التباطؤ على مدى العقود الماضية، وحققت مطالب الأجور التي رفعها العمال الشجعان تقدمًا عميقًا، وأخذت نصيبًا كبيرًا من أرباح الشركات، تمرد أصحاب الأعمال على هذا النموذج.

أبحاث ودراسات

منذ 4 شهور
هل يفضل الأمريكيون الاشتراكية على الرأسمالية؟

الأفكار لا تموت بسهولة

وأوضح الكاتب أن: «استجابة الديمقراطية الاجتماعية السائدة لهذه الأزمة تمثلت في إيقاف تقدمها المناصر للمساواة والدفاع عن المكاسب التي حققتها فحسب. وفي نهاية المطاف، استقرت على ربط تدابير إعادة التوزيع المعتدل بالعقيدة الاقتصادية الليبرالية الجديدة. أما بالنسبة لورثة القوميين أمثال السياسي الجامايكي ميخائيل مانلي، والسياسي التنزاني جوليوس نيريري، فقد تراجعوا على نحو أكثر راديكالية، إذ تقبلوا القواعد الليبرالية الجديدة التي وضعها صندوق النقد الدولي وسعوا إلى جذب الاستثمارات الأجنبية بكل السبل.

Embed from Getty Images

جوليوس نيريري

لكن الأفكار الرائجة لا تموت بهذه السهولة؛ ففي العقود التي تلت عام 1917، تحوَّل الاشتراكيون من مجرد منظمين مهمشين إلى سادة في معظم أنحاء العالم. وعن ذلك، قال المؤرخ البريطاني إريك هوبسباوم: إنه لم يحرز شيئًا مثل هذا التقدم منذ الانتشار السريع للإسلام في القرن السابع. وبصرف النظر عن كل ذلك، لم يختفِ الأشخاص الذين أجبروا أخلاقيًّا على البحث في تلك الأيام عن عالم مختلف جذريًّا من المشهد».

ويؤكد الكاتب قائلًا: «والأهم من ذلك، أنه لا يزال هناك الكثير من الظلم المادي الذي يمكن أن يؤدي إلى تفريخ أجيال جديدة من الاشتراكيين؛ إذ يموت ملايين الأشخاص كل عام بسبب أمراض يمكن الوقاية منها، ويقضي كثيرون آخرون حياتهم غارقين في غيابات الفقر. وحتى في النماذج التي نجحت فيها التنمية الرأسمالية بشروطها الخاصة، اقترن الرخاء العام بالاحتياجات الأساسية غير المحققة للأكثر ضعفًا. وليس هناك من مثال صارخ على ذلك أكثر وضوحًا من الولايات المتحدة – أغنى مجتمع في التاريخ – ولكنه أيضًا مجتمع يعيش فيه أكثر من نصف مليون شخص بلا مأوى، فيما تكافح الجوع واحدة من كل ثمانية عائلات.

وفي حقيقة الأمر، عدم المساواة ليس نتيجة ثانوية عرضية للرأسمالية – التي تُفرِّق بين أصحاب الملكيات الخاصة التي تُنتِج السلع والخدمات وبين غيرهم من الناس، الذين يتعين عليهم وضع أنفسهم تحت رحمة المالكين لكي يتمكنوا من العيش – هذا هو صميم النظام الرأسمالي. وقد لا يكون تكوين ثروات الرأسماليين معادلة صفرية لا ربح فيها ولا خسارة، لكن الصراع قائم بين أصحاب العمل والعمال حول الاستقلالية والسيطرة على العمال العاديين. وبعيدًا عن التشتت، أصبحت التناقضات في قلب الرأسمالية أكثر وضوحًا على مدار العقود القليلة الماضية».

انتشار منبعث من الرقاد

وأردف الكاتب أنه في سبعينات القرن الماضي، استطاعت الليبرالية الجديدة الناشئة كبح جماح التضخم واستعادة المكاسب والأرباح في البلدان ذات الدخل المرتفع في شمال العالم، ولكن لم يتحقق ذلك إلا من خلال هجوم شرس ضد العمال. ومنذ ذلك الحين، دخلت الأجور الحقيقية في حالة من الركود، وارتفعت الديون، وأصبحت تطلعات الأجيال الشابة – التي يحدوها الأمل في أن تعيش حياةً أفضل من أسلافها – بائسة. وفي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، كما هو الحال في اقتصادات ما بعد الصناعة الأخرى في جميع أنحاء أوروبا، أصبحت زيادة المرونة من جانب أرباب العمل تعني زيادةً في عدم اليقين من جانب العمال.

ويشير الكاتب إلى أنه سواء طبقت الاشتراكية لأول مرة، أو أعيد تطبيقها مرة أخرى. ربما يكون الانتشار المنبعث من الرقاد لمصطلح «الاشتراكية» أمرًا عفويًّا؛ باعتبارها اللغة التي استخدمها طويلًا حاملو اللواء في الحركة، جيريمي كوربين في المملكة المتحدة وبيرني ساندرز في الولايات المتحدة، وأصبحت اللغة السائدة في الوقت الحالي.

ويقدم حاملوا اللواء مطالب في متناول قادة الديمقراطية الاجتماعية: دعوات لزيادة الخدمات الاجتماعية كتوفير وظائف حكومية واتخاذ التدابير لمكافحة تغير المناخ، لكن كوربين وساندرز يمثلان شيئًا مختلفًا تمامًا عن الديمقراطية الاجتماعية الحديثة. ففي حين قضت الديمقراطية الاجتماعية في أوروبا العقود القليلة الماضية في التحوُّل إلى أداة لقمع الصراع الطبقي لصالح الترتيبات الودية بين الأعمال والعمال والدولة، يشجع كوربين وساندرز وأقرانهم على تجديد العداء الطبقي من جذوره.

بيرني ساندرز

وبالنسبة لساندرز، على سبيل المثال، الطريق الصحيح إلى التغيير هو المواجهة مع النخب. وتتمحور حركته حول خلق «ثورة سياسية» للحصول على حقوق الشعب من «المليونيرات والمليارديرات». وخطابه عبارة عن خطاب استقطابي بين الطبقات الاجتماعية، كما تتمثل استراتيجية حملته في إعادة تعبئة الناخبين من الطبقة العاملة. وبالمثل، بالنسبة لكوربين، إنها حركة اجتماعية تخص «الأكثرية» ضد «الأقلية». وهذا النوع وحده من السياسة، كما يعتقد الرجلان، يمكن أن يخلق بيئة يمكن فيها تصميم برنامج إصلاحي جديد مرةً أخرى».

ويتساءل الكاتب قائلًا: «لكن ما علاقة الاشتراكية بهذا البرنامج، وما الذي يمنعه من الوقوع في الأزمة نفسها التي انسحب من أمامها الديمقراطيون الاشتراكيون في سبعينات القرن الماضي؟

إن الإجابة على السؤال الأول أسهل من الإجابة على السؤال الثاني، فإلى جانب الوسائل – خطاب الصراع الطبقي والتعبئة الديمقراطية الجماهيرية – التي يهدف ساندرز وكوربين إلى اتباعها، يقترح الرجلان تحقيق زيادة في السلع الاجتماعية في عصر تتراجع فيه دول الرفاهية في جميع أنحاء العالم. ويبدو أن ساندرز عازم على البدء في تأميم صناعة التأمين الصحي الملعونة التي تبلغ تكلفتها تريليون دولار.

وتتمثل الملامح الاشتراكية الأكثر تحديدًا في جوانب برنامج حملته الرئاسية لعام 2020 والخطط الموازية التي قدمها حزب العمال الذي يترأسه كوربين لتوسيع القطاع التعاوني، وإنشاء مشاريع مملوكة للمجتمع، وإعطاء الموظفين أسهمًا في الشركات التي يعملون بها. وتكمن الإجابة عن السؤال الثاني في تخيل وجود ديمقراطية اجتماعية لا تحاول إعادة تشكيل الرأسمالية لصالح العمال فحسب، ولكنها تسعى أيضًا إلى إعادة هيكلة العلاقات الاقتصادية على نحو دائم».

مشاكل عديدة أكثر من ذي قبل

وينوه الكاتب إلى أن مثل هذا النظام يعني محاولة نقل ما يتجاوز الثروة، إذ يحاول نقل السلطة أيضًا بعيدًا عن الرأسماليين أصحاب الملكيات الخاصة ووضعهما تحت تصرف حركة عمالية منبعثة. وهذه مهمة صعبة؛ إذ إن أي اشتراكي ديمقراطي في موقع الحكم، بغض النظر عن نواياه، سيجد دائمًا أن التحول إلى اليمين أسهل منه إلى اليسار. وذلك لأنه يجد ضمانات الاستقرار في المصالح السياسية والاقتصادية القوية من جانب، بينما يوجد على الجانب الآخر إضرابات رأس المال والمقاومة العنيدة.

واليوم، وعلى نحو أكثر مما كان في القرن العشرين، لا يواجه الاشتراكيون مشكلة كيفية الفوز بالسلطة فحسب، ولكن يواجهون أيضًا مشكلة كيفية تجنب محاولات رأس المال تقويض برنامجهم في حال وصولهم إلى سدة الحكم. وبعد التأمل في السنوات التي قضاها في حكومتي هارولد ويلسون وجيمس كالاهان في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، ألقى نائب حزب العمال البريطاني توني بن الضوء على الإكراه المادي الذي رافق السلطة: افعل ما تتطلبه الحقوق المكتسبة؛ وستبدو جيدًا. أما لو حاولت تنفيذ جدول أعمالك الخاص؛ ستصبح حياتك مستحيلة.

Embed from Getty Images

جيرمي كوربين 

وبعبارة أخرى، فإن التسوية الديمقراطية الاجتماعية، حيث يُعاد توزيع الثروة ولكن يبقى حق الملكية على حاله، غير مستقرة وتواجه تحديات في اتجاهين. إذ يسعى رأس المال للسيطرة عليها من البداية، ولكن إذا نجحت الإصلاحات الأولية، فسيكون لدى العمال مزيدًا من الدوافع للإضراب، ويمكن أن تؤدي زيادة قدرة العمال على التفاوض إلى تحقيق تقدم غير قابل للاستمرار فيما يخص الحصول على جزء من ربحية الشركات؛ وهو الأمر الذي من شأنه أن يثير أزمة اقتصادية والعودة المحتملة إلى البرامج التي يمكن أن تضمن بيئة عمل أكثر ملاءمة.

على أي شيء يجب أن ينصب التركيز؟

ويتابع الكاتب قائلًا: في الواقع، لم تسترضِ دول الرفاهية في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي العمال؛ ولكنها جعلتهم أكثر جرأة. ويمكن أن تؤدي السياسات الانتقالية، مثل برنامج ضمان الوظائف الفيدرالية الذي اقترحه ساندرز وآخرون، إلى الشيء نفسه في وقتنا. ولذلك، يجب أن تحدد الأجندة الاشتراكية الحقيقية طريقًا للتقدم بدلًا عن التراجع أمام عدم الاستقرار هذا؛ ليس فقط لأسباب أيديولوجية، ولكن لحرمان الرأسماليين من قدرتهم على الامتناع عن الاستثمارات أو الوقوف في وجه الإصلاحات.

ومن غير الواضح مدى إمكانية تنفيذ مثل هذا البرنامج في عصر جرى فيه تدويل رأس المال، وتباطأت فيه معدلات النمو الاقتصادي في معظم البلدان المتقدمة، وتهدد فيه الأتمتة المعاقل المتبقية لقوة الطبقة العاملة. لكن من الواضح أنه ما لم يرغب الاشتراكيون في إعادة إنشاء القوس الاجتماعي الديمقراطي في القرن العشرين (من التقدم المنتظم إلى التراجع المطرد)، فإن التركيز من البداية يجب أن ينصب على الملكية وزيادة سيطرة العمال على الاستثمار.

إذًا كيف يمكن أن يكون شكل الاشتراكية في القرن الحادي والعشرين؟

يجيب الكاتب: قد يعني ذلك زيادة كبيرة في الحقوق الاجتماعية والاقتصادية؛ دولة توفر أكثر من الحماية من العوز، ولكنها تضمن أيضًا على نحو إيجابي الإسكان والرعاية الصحية ورعاية الطفل والتعليم – والملكية العامة للاحتكارات الطبيعية والمؤسسات المالية. وسيتوفر كل ذلك إلى جانب مجال تنافسي يحركه السوق؛ حيث تحل ملكية العمال محل الملكية الرأسمالية الخاصة.

ويعني هذا أن العمال سينتخبون إدارتهم الخاصة وسيتمتعون بحوافز مادية ومعنوية ليكونوا منتجين بعد أن يصبحوا حَمَلَة أسهم حقيقيين يحصلون على حصة من أرباح الشركة بدلًا من الحصول على أجور ثابتة. وتمثل هذه التحولات نقطة الانطلاق نحو أول مجتمع ديمقراطي اشتراكي حقيقي في عصر الحداثة.

ويختتم الكاتب مقاله قائلًا: إنه «بغض النظر عن النموذج الدقيق للاشتراكية بعد الرأسمالية، يجب أن يكون هذا النموذج بسيطًا ولا يتطلب أي تغييرات هائلة في الوعي الإنساني. ويجب أن يكون مدفوعًا بمحاولة جادة لتجنب الفشل الذي وقع في الماضي: خنق التعددية السياسية، والحقوق المدنية في أنظمة الدولة الاشتراكية، فضلًا عن المشاكل الاقتصادية الناجمة عن التخطيط المركزي. وبدلًا عن ذلك يجب أن يتبنى تجارب ناجحة – خدمات اجتماعية عالمية وتعاونيات مملوكة للعمال – وأن يبني حوله نظامًا اجتماعيًّا في مسيرته نحو تحقيق وعد التنوير المؤجل منذ زمن طويل بالحرية والمساواة والأخوة».

العالم والاقتصاد

منذ شهر
لن ينجو أحد.. سنوات عِجاف تنتظر الاقتصاد العالمي بعد «كورونا»

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد