هذه هي الحقيقة: يمكن أن تكون محبوبًا، ومع ذلك تكون وحيدًا.. يمكنكَ أن تكون سعيدًا؛ بينما لا تزال وحيدًا. 

كتبت جينا باريكا، أستاذة اللغة الإنجليزية في جامعة كونكتيكت مقالًا في مجلة «سيكولوجي توداي» عن الوحدة، وكيف يمكن للشخص أن يتعرف عليها، والفرق بينها وبين العزلة.

تقول الكاتبة في مستهل مقالها: يمكن أن تكون شخصًا متفوقًا ومنفتحًا واجتماعيًّا وواثقًا من نفسك، وأن تكون في الوقت نفسه وحيدًا. ويمكن أن تكون مشهورًا بانطوائيتك، تركز على تنمية أصغر الدوائر الداخلية، وتختار العزلة في الجانب الأكبر من حياتك، ولكن تجتاحك الوحدة في أوقات بعينها.

أنت الشخص الوحيد الذي تعرف ما إذا كنت وحيدًا. يمكن أن يقول لك طبيبك ما إذا كنت بصحة جيدة، ويمكن أن يحدد مديرك ما إذا كان عملك مقبولًا، ويمكن أن تطمئنك شريكتك أو محيطك الاجتماعي أو أسرتك بأنك محبوب. لكن لا يمكن أن يطلبوا منك أن تتبول في فنجان، أو أن يراقبوك من خلال نافذة يتيح زجاجها أن يرونك بينما لا تراهم، أو يدرسوا تاريخ أسرتك ويبلغوك ما إذا كنت وحيدًا.

تضيف الكاتبة: هذا لأن الوحدة ليست حمى أو فشلًا أو تعبيرًا منسيًا للمودة. الوحدة لا يمكن قياسها إلا من الداخل، ولا يمكن لأحد أن يُشَخِّص حالتك بأنك وحيد، أو يفصلك من العمل لأنك وحيد، أو يبلغك بأنك لا يجب أن تكون وحيدًا لأن الجميع على أي حال يهتمون بك.

التمييز بين الوحدة والعزلة

قدم الفيلسوف بول تيليش ما اعتقد أنه التمييز الأكثر إيجازًا بين الوحدة والعزلة، عندما كتب:

«إن اللغة الإنجليزية تستشعر بحكمة هذين الجانبين من كون الشخص منفردًا بذاته. إذ أوجدت كلمة «الوحدة» للتعبير عن الألم الناتج عن كونه وحيدًا، كما أوجدت كلمة «العزلة» للتعبير عن المجد الكامن في كونه وحيدًا. وعلى الرغم من أننا في الحياة اليومية لا نميز دائمًا بين هاتين الكلمتين إلا أننا يجب أن نفعل ذلك باستمرار وهكذا نعمق شعورنا بمحنتنا الإنسانية».

ولكن كيف تُعرف العزلة؟ تستشهد الكاتبة بإحدى فقرات هنري ديفيد ثورو في The Journal of Henry David Thoreau التي دون فيها أن «الرجل الذي ألتقي به لا يميل في الغالب إلى أن يكون تنويريًا بقدر ما يحطم جدار الصمت». وتشير أيضًا إلى تعريف الكاتبة الأمريكية شيريل سترايد في كتابها Wild: «كَوْني منفردة بنفسي بدا لي على الدوام مثل مكانٍ فعلي بالنسبة لي، كما لو لم يكن حالة وجودية، بل بالأحرى غرفة يمكنني أن أنزوي فيها لأكون ما أنا عليه حقيقة».

وعلى النقيض من العزلة، تعد الوحدة مربكة. فالوحدة هي حيث لا يمكننا أن نكون ما نحن عليه في الواقع. وبدلًا من ذلك، نكون فقدنا المنظور، وفقدنا توازننا، ولم نعد ندرك على وجه الدقة أين تقع الحدود بين أنفسنا والعالم.

جدران الوحدة غير المرئية

تكمل الكاتبة: نصبح تمثيليات صامتة عفوية، نرتطم بجدران غير مرئية، تعد غير محسوسة لكل الآخرين ولكن يستحيل علينا تحطيمها. وبينما لا تعد الوحدة عدوى، إلا أن مئات الدراسات التي اضطلعت بها الكيانات الطبية والحكومية والشركات على مدى السنوات العشر الأخيرة تشير إلى أنها على ما يبدو معدية.

الانطوائيون من الناحية التكوينية ليسوا عرضة للوحدة أكثر مما يعد المنفتحون محصنين ضدها تلقائيًا. ويقيّم المتعلمون وغير المتعلمين أنفسهم بمستويات مماثلة (وعالية) من الوحدة، وكذلك يفعل المتزوجون وغير المتزوجين.

القرن الحادي والعشرون مقفر في صلاته العاطفية

تتابع الكاتبة: هناك حصاد كبير من البيانات المقنعة التي تبرهن على أن القرن الحادي والعشرين يمثل، بالنسبة للكثير من الأفراد الذين يعانون من العزلة العاطفية، أرضًا مجدبة من الصلات العاطفية ذات المعنى.

ووفقًا لتقارير يجرى إيرادها باعتبارها مبادئ مسلمًا بها في كل مقال حول الحجر الصحي، تبرهن الإحصاءات في كل أنحاء العالم على أن الوحدة قد تمثل مخاطر على الصحة العامة تساوي قيامك بتدخين 15 سيجارة يوميا، أو أن يكون مؤشر كتلة الجسم لديك أعلى من 35. وعين الإنجليز، في ظل قيادة رئيسة الوزراء تيريزا ماي، التي تعد محافظة اجتماعيًا، في عام 2018 وزيرا للوحدة ليتعامل مع الوحدة باعتبارها «واقعًا محزنًا للحياة الحديثة».

هل العيش بين آخرين ممن يمنحونا إحساسًا بوجود هدف لحياتنا هو في حد ذاته مبرر للاستيقاظ في الصباح؟ هل هو أكبر عزاء أساسيّ لكونك وُلِدَت في المقام الأول؟ خلافًا للعزلة، لا تحتوي الوحدة في ذاتها وبذاتها، أي شيء نبيل ولا جميل ولا قوي. وهي لا تساعد أحدًا. بحسب الكاتبة.

الوحدة تصيبك بالشلل وتجعلك في حالة سكونية

ليس للوحدة من وظيفة سوى إبقائك مشلولًا وفي حالة سكونية. ولكي تتغير، يتعين عليك أن تكون مستعدًا للتضحية بمعاناتك. وهذا صعب؛ لأنك جعلت منها تميمة. جزء منك يعتقد أنك تساعد آلهة العقاب أو آلهة التثقيف، وأنت تنتظر ببساطة كيف سيعملونك درسًا. ولكنهم ليسوا معنيين بالأمر، على حد قول الكاتبة.

وعندما نكون في حالة انفصال، ويتوق المرء للرفقة، أو يُمنَع من أن يكون جزءًا من تجربة جماعية، في وقت يريد المرء أن يكون جزءًا منها؛ يمكننا أن نشعر بأن عويلًا بدائيًا يتشكل عمق حناجرنا.

ويختم المقال بالقول: حتى مفهوم «الذئب المنفرد» لا يعدو أن يكون أسطورة؛ لأن الذئاب تصطاد في قطعان.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد