هل يمكنك الذهاب إلى السينما وحدك؟ يجيب البعض عن هذا السؤال بإيماءة سريعة وسهلة ويقول: «بالطبع، لِمَ لا؟»، بينما يستدعي السؤال عند البعض الآخر الذُعر، ففكرة أن تجلس هناك وحدك تمامًا مُحاطًا بأشخاصٍ ليسوا وحيدين مُخزية.

لدى كل شخص إرشادات داخلية مختلفة للنُزهات المنفردة، وغالبًا ما تتحدَّد تلك الإرشادات بدرجة معقولة من اللاعقلانية. لم أستطِع على سبيل المثال التحلِّي بالجُرأة للذهاب لمشاهدة فيلم وحدي قط، ومع ذلك تناولتُ العديد من الوجبات في المطاعم دون أن يشاركني أحدٌ، على الرغم من أنَّه نشاطٌ أكثر وضوحًا بكثير من الجلوس في مسرحٍ مُظلمٍ.

يشير مقالٌ منشور في عدد شهر أغسطس من مجلة بحوث المستهلك إلى أنَّني – وكل مَن يخشون النزهات المنفردة- قد نكون على خطأ. إذا حاربنا مخاوفنا حقًّا وذهبنا إلى تلك السينما أو ذلك المطعم وحدنا، فسنستمتع بوقتنا، فنحن نفوِّت على أنفسنا تجربة قد تكون ممتعة بسبب مخاوفنا المبنية على أسس غير سليمة. (ليس المقال مُتاحًا على الإنترنت بعد، ولكن يمكن قراءة جدول محتويات العدد هنا).

شارك في الورقة البحثية كلٌّ من ريبيكا راتنر من جامعة ماريلاند وريبيكا هاملتون من كلية إدارة الأعمال بجامعة جورج تاون، وتُقدِّم الورقة خمس تجارب؛ تتضمَّن أربعة منهم استطلاعات تسأل الناس عن أنواع الأنشطة التي يُفضِّلون فعلها وحدهم وتلك التي يُفضِّلون فعلها في مجموعات، ولماذا، وتضمَّنت الخامسة محاولة فعلية لإخراج الناس من دوائر راحتهم.

جاءت نتائج الاستطلاعات، التي شملت صينيين وهنود بالإضافة إلى الأمريكيين، متوافقة بدرجةٍ كبيرةٍ مع البديهيات العامة المُتعلِّقة بأسباب تجنُّب بعض الناس المشاركة في أنشطة معينة وحدهم؛ وخاصةً أنصار مذهب اللذة المزعومين، والذين يقومون بأنشطة محورها الاستمتاع فقط، في مقابل أنصار مذهب المنفعة الذين يُدخِلون جزءًا ضئيلًا على الأقل من الإنتاجية في أنشطتهم (فيؤدون عملهم في المطعم مثلًا بدلًا من الجلوس وتناول الطعام فقط). تقول الباحثتان أنَّهما وجدتا في كل الاستطلاعات أنَّ «المُستهلكين يخشون أنَّهم إذا انخرطوا في أنشطةٍ تهدف إلى الاستمتاع وحدهم، سيستنتج مَن يُلاحظهم أنَّهم لم يستطيعوا العثور على أصدقاء يصحبونهم».

إلَّا أنَّه كانت هناك طرق لجعل الناس يشعرون براحةٍ أكثر، إذ يزداد اهتمامهم بالانخراط في أنشطة عامة وحدهم في الحالات التي يقلّ فيها مدى اعتبار أحد الأنشطة تلذُّذيًّا (مثل قراءة كتاب في مقهى) أو يقلّ فيها عدد المُلاحِظين المُتوقَّع. يشير ذلك إلى أنَّ جلوس المرء وحيدًا في مقهى لا يُعَد أمرًا غير مريح في حد ذاته لبعض الناس، وإنَّما فكرة جلوس أشخاص آخرين وإصدار الأحكام عليهم، وهو خوف ينقشع بنسبةٍ كبيرةٍ عند وجود سبب للجلوس وحيدًا، مثل قراءة كتاب أو مجلة.

تبدو تلك المخاوف حمقاء قليلًا بالطبع، حتى لأولئك الذين يقعون ضحيةً لها. لِمَ قد يهتم أي شخص بإذا ما كان الغرباء في المقهى يحكمون عليه لأنَّه ليس لديه الكثير من الأصدقاء؟ ولِمَ سيحميه وجود صحيفةٍ من تلك الأحكام؟ كان لدى كلٍّ من راتنر وهاملتون فضولًا حول ما قد يحدث عند انخراط الناس في مثل تلك الأنشطة على الرغم من هواجسهم. وهكذا ففي التجربة الفعلية جعلت الباحثتان المتدربين يسألون بعض الطلاب الذين يسيرون في وسط الجامعة – بعضهم وحيدًا وبعضهم في مجموعات- إذا ما كانوا يرغبون في الذهاب إلى معرض فني قريب لخمس دقائق أو عشر.

سُئِل المُشاركون سلفًا عن مقدار المُتعة التي يتوقَّعون الحصول عليها، ثم طُلِب منهم تقييم التجربة بعد ذلك. كان اهتمامهم بزيارة المعرض الفني وحدهم أقلّ كالمُتوقَّع، وتوقَّعوا قضاء وقت أسوأ، مقارنةً بأولئك الذين كانوا في مجموعات عند سؤالهم. ولكن الحقيقة لم توافق توقعاتهم، فكما اتضح، لم يكُن هناك فرق كبير من الناحية الإحصائية في تقييم الأشخاص الوحيدين وأعضاء المجموعات للتجربة بعدها، فقد حظي الجميع بنفس مقدار المُتعة.

كتبت الباحثتان أنَّ التجربة «تُقدِّم دليلًا تجريبيًّا داعمًا الفرض الرئيس في تحقيقنا؛ وهو أنَّ المُستهلكين الذين يتغاضون عن فعل الأنشطة الهادفة إلى الاستمتاع وحدهم يُفوِّتون على أنفسهم فُرَصًا للتمتع بتجارب مُثمرة».

لا يمكن بالتأكيد لدراسةٍ صغيرةٍ أُجرِيت على الطلاب إثبات أنَّ مخاوف الناس من النزهات المنفردة مضللة، وقالت راتنر إنَّها تأمل في إجراء المزيد من الأبحاث، وخاصةً أبحاث تتضمن أنشطةً أكثر استهلاكًا للوقت من زيارةٍ سريعةٍ إلى معرضٍ فني. فكانت هذه الورقة البحثية عينةً للأمور التي قد يكون من المثير للاهتمام فحصها في هذا الموضوع العام. كما أنَّها تريد فحص الطرف الآخر من المعادلة: هل يحكم الذين يخرجون في مجموعات حقًّا على أولئك الوحيدين؟ وقالت: «سيكون من المثير للاهتمام فهم المزيد عن كيفية تقييم الناس حقًّا لأحد الأشخاص وما يُخفِّف من تلك التأثيرات».

تعتقد كلٌّ من راتنر وهاملتون أنَّه سواء كانت المخاوف من نظرة الناس للمرء باعتباره منعزلًا مبنية على أسس سليمة أم لا، فإنَّ الخوف من النزهات المنفردة قد يساهم في خلق دائرة مفرغة عند أولئك الذين يفتقدون بالفعل لرفقةٍ كافية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

علامات

الوحدة, علم نفس
عرض التعليقات
تحميل المزيد