نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تقريرًا أعده الصحفيان تشارلي سافاج وهيلين كوبر استعرضا فيه تقريرًا أصدرته منظمة العفو الدولية، يتحدى مزاعم الجيش الأمريكي بأن الغارات الجوية التي نفذها في الصومال خلال شهر فبراير (شباط) استهدفت إرهابيين فقط، ولم تستهدف أي مدنيين أبرياء، على عكس الواقع.

وقالت العفو الدولية في تقرير جديد لها: إن غارتين جويتين شنهما الجيش الأمريكي في شهر فبراير الماضي أسفرتا عن مقتل مدنيين اثنين في الصومال فضلًا عن إصابة ثلاثة مدنيين آخرين.

سياسة

منذ سنتين
قتلت أمريكا 100 فرد منها بالأمس.. ماذا تعرف عن حركة الشباب الصومالية؟

واعترفت القيادة الأمريكية في أفريقيا «أفريكوم» بشن هذه الغارات، لكنها قالت: إنها قتلت فقط إرهابيين من حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة. وكانت هذه الغارات جزءًا من سلسلة الغارات الأمريكية التي استهدفت حركة الشباب، بعد أن شنت الأخيرة هجومًا على قاعدة ماندا باي الجوية في كينيا خلال شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، ما أسفر عن مقتل ثلاثة أمريكيين وتسبب في خسائر بملايين الدولارات.

وقال عبد الله حسن، الباحث المعني بشؤون الصومال في منظمة العفو الدولية: «لا شيء يبرر انتهاك قوانين الحرب». وأضاف أن أي رد حكومي من الولايات المتحدة أو الصومال على هجمات حركة الشباب، ينبغي أن يميز بين المقاتلين والمدنيين، ويتخذ جميع الاحتياطات الممكنة للحيلولة دون إلحاق الأذى بالمدنيين.

وقالت القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا: إنها تراجع هذه المزاعم، دون الخوض في أي تفاصيل. وأكد مسؤولون في الجيش أن القيادة تبذل قصارى جهدها لتقليل حجم الخسائر في صفوف المدنيين أثناء خوض معركتها الطويلة ضد الشباب.

«أفريكوم» لا تكشف تفاصيل الغارات

والنزاعات التي تثار حول الخسائر في صفوف المدنيين شائعة في الصومال، حيث يلف الغموض الكثير منها، بحسب التقرير. صحيح أن «أفريكوم» تفصح عن الغارات الجوية التي تنفذها، لكنها عادةً لا تقدم تفاصيل أكثر من: مواقع هذه الغارات وتقديراتها بأنها تستهدف فقط الإرهابيين لا المدنيين. ويميل المسؤولون إلى دحض مزاعم مقتل أي مدنيين عبر التلميح إلى تقارير استخباراتية لا يمكن الكشف عنها نظرًا لسريتها.

Embed from Getty Images

آثار هجوم إرهابي في مقديشو – سبتمبر (أيلول) 2019 

وقال الكولونيل كريستوفر كارنز، المتحدث باسم قيادة «أفريكوم»: «كانت هناك مزاعم سابقة ثبت أنها خاطئة.. في الأساس، لا يريد أحد أن يصدق أن زميلًا له أو شخصًا عزيزًا عليه عضو في حركة الشباب؛ بسبب ما تستطيع هذه المجموعة القيام به، والخواء الذي تجسده». وأضاف أن قدرة مسلحي حركة الشباب على الانصهار داخل المجتمع تعني أن مزاعم سقوط ضحايا مدنيين «لا تتطابق دائمًا مع الحقائق والواقع».

وفي بيان صدر يوم أمس الثلاثاء، قال الجنرال ستيفن تاونساند، قائد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا «أفريكوم»: إن القيادة تقيم وتراجع متابعتها وتقاريرها بشأن سقوط ضحايا مدنيين. وأضاف أن القيادة ستنشر النتائج الجديدة بنهاية أبريل (نيسان) الجاري، كما ستصدر مستقبلًا تحديثات ربع سنوية في ذلك الصدد.

وتستهدف الغارات الجوية الأراضي الخاضعة لسيطرة حركة الشباب، ما يجعل زيارة هذه المناطق خطيرة للغاية بالنسبة للمحققين الحقوقيين أو الصحفيين. وقالت منظمة العفو الدولية: إن باحثيها أجروا مقابلات مع شهود عيان عبر الهاتف، ودرسوا صورًا فوتوغرافية من مواقع الغارات الجوية، وصور أقمار صناعية؛ للوصول إلى استنتاجاتهم.

وشنت الولايات المتحدة غارات جوية بين الحين والآخر بغرض «مكافحة الإرهاب» داخل الصومال، طيلة أكثر من 12 عامًا، لكن وتيرة الغارات زادت إلى حد كبير في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولا تزال تتصاعد.

 الغارات الجوية الأمريكية على الصومال تزداد

وكشفت القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا عن تنفيذ 63 غارة جوية العام الماضي، بزيادة عن 47 غارة جوية شنتها في العام 2018. ومن المتوقع أن يسجل العام الحالي رقمًا قياسًا جديدًا في عدد الغارات، إذ جرى تنفيذ 32 غارة حتى تاريخه. وكانت الغارة الأولى التي انتقدها تقرير العفو الدولية قد نُفِذت في الثاني من فبراير قرب مدينة جيليب. 

وقال بيان صحفي لـ«أفريكوم»: إن الغارة قتلت إرهابيًا، ولم تقتل أي مدنيين، في حين زعم موقع، قالت العفو إنه مرتبط بحركة الشباب، أن الغارة تسببت في مقتل فتاة معاقة، وإصابة والدتها وشقيقتها. غير أن العفو الدولية أكدت أن أيًا من التقريرين لم يكن دقيقًا.

وقالت العفو الدولية: إن الغارة استهدفت منزلًا كانت تقطنه عائلة مؤلفة من خمسة أشخاص بينما كانوا يتناولون العشاء. وأضافت المنظمة أن فتاة تدعى نورتو كوسو عمر أبوكار (18 عامًا) قُتِلت إثر إصابتها في رأسها بشظية معدنية، كما أصيبت جدتها وشقيقتيها الأصغر بشظايا لكنهن بقين على قيد الحياة.

وأوضح تقرير المنظمة أن حركة الشباب تسيطر بالكامل على جيليب، وأن أعضاء من الحركة يعيشون في منازل داخل المدينة. وأشارت المنظمة إلى أنه من المعقول أن «أفريكوم» كانت تستهدف منزلًا قريبًا، ربما كان يأوي أعضاء من حركة الشباب. وذكر تقرير المنظمة أن والد الفتاة، كوسو عمر أبوكار، لم يصب. ووصفه التقرير بأنه مزارع في الخمسين من العمر، أكد أقاربه أنه ليس عضوًا في حركة الشباب.

Embed from Getty Images

آثار هجوم إرهابي في مقديشو – سبتمبر 2019 

أما الغارة الثانية، التي انتقدها التقرير، فوقعت في 24 من فبراير الماضي، على بعد عدة أميال شمال جيليب. وكشفت قيادة «أفريكوم» عن تفاصيل الغارة التي قالت إنها قتلت إرهابيًا ولم تسفر عن مقتل مدنيين. وقال الكولونيل كارنز إن أفريكوم كانت تحلل الغارات. وأضاف: «لدينا بعض الادعاءات التي نعتبرها غير حاسمة، ولا تزال قيد النظر. وأضاف: نريد أن نتعامل مع الأمور بطريقة سليمة.

وحدد تقرير العفو الدولية هوية القتيل، وهو: محمد صلاد محمود، وقالت: إنه كان يزرع الموز، ويعمل مديرًا لفرع مكتب شركة اتصالات، وكان عائدًا للتو من مقديشيو قبل عدة أسابيع من زيارات طبية، مضيفةً أن أحد باحثيها اطلع على سجلات طبية في ذلك الشأن.

كما نقلت المنظمة عن مسؤولين اثنين في شركة الاتصالات نفيهما أن يكون السيد محمد عضوًا في حركة الشباب، وقالا إن الحركة ألقت القبض عليه عدة مرات لقيامه بمخالفة أوامرها. ووصف التقرير مشهدًا مروعًا لمقتل السيد محمود، وقال إن المنظمة استعرضت صورًا لما بعد الحادث. وأضافت أن الرجل متزوج وأب لثمانية أطفال.

الخلاف بين «العفو الدولية» و«أفريكوم» ليس جديدًا

ولدى منظمة العفو تاريخ من الخلافات مع قيادة «أفريكوم» حول ما إذا كانت غاراتها داخل الصومال قد تسببت في مقتل مدنيين. إذ أصدرت العفو الدولية العام الماضي تقريرًا قالت فيه إنها وجدت أدلة على مقتل 14 مدنيًا في خمس غارات جوية في الصومال منذ العام 2017، عندما خفف الرئيس ترامب من قواعد الاستهداف، المخصصة لحماية المدنيين، في إطار التصعيد الكبير للحرب باستخدام الطائرات بدون طيار هناك.

أما قيادة «أفريكوم»، التي زعمت عدم سقوط أي ضحايا مدنيين في بياناتها الصحفية التي كشفت خلالها عن غاراتها الجوية، فاعترضت على نتائج تقرير العفو الدولية الذي صدر العام الماضي. لكن بعد شهر، أصدرت القيادة بيانًا نادرًا اعترفت خلاله بخطئها، وقالت إن سجلاتها الخاصة أظهرت أن هجوم أبريل عام 2018 تسبب في مقتل مدنيين اثنين، على النقيض من بيانها الصحفي السابق حول الغارة.

عقب اكتشاف هذا التناقض، جرت مراجعة داخلية لجميع الغارات الجوية منذ العام 2007 بأمر من الجنرال توماس والدهاوزر، قائد القوات الأمريكية في أفريقيا آنذاك، بسبب تقرير منظمة العفو الدولية الذي صدر في مارس 2019. ومما زاد الطين بلة أن الغارة الجوية التي اعترفت «أفريكوم» بتنفيذها متأخرًا، وتسببت في مقتل مدنيين اثنين، لم تكن من بين الغارات التي ذكرتها العفو الدولية.

سياسة

منذ سنتين
هل تشعل الإمارات الحرب الأهلية من جديد في الصومال لفرض نفوذها؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد