نشر موقع «سيكولوجي توداي» الأمريكي تقريرًا لـ ديان بارث، المعالِجة والمحلِّلة النفسية، تحدثت فيه عن الشعور بالذنب، أو بالأحرى الإشعار بالذنب، ذلك الشعور الذي نحس معه أننا فعلنا شيئًا خاطئًا وأننا بحاجة لتصحيح مسار الأمور، ولكن غالبًا ما تفشل محاولاتنا في التخلص منه خاصة مع وجود أشخاص يغذِّون هذا الشعور بداخلنا. وترشدنا الكاتبة في هذا التقرير إلى فهم دوافع هذا الشعور والطريقة الأفضل للتخلص منه.

الإشعار بالذنب للتعبير عن الحب!

استهلت الكاتبة تقريرها بالقول: بينما كنتُ شابة أحاول شق طريقي في الحياة وأحصل على راتب ضئيل للغاية من وظيفتي في نيويورك وكنت فخورة باستقلاليتي، كنت أزور أجدادي بانتظام، إذ كانوا يعيشون على بعد 20 دقيقة من شقتي الصغيرة التي كانت محصورة بين غسالة كهربائية ومصحة لعلاج الإدمان على المخدرات. وكان الأجداد يُعدِّون لي الطعام ويسألونني عن حياتي وعملي ويُشعِرونني بالحب والرعاية. ولكن في النهاية كنتُ أضطر إلى المغادرة وتركهم وحدهم، وبينما كنتُ أُعِد نفسي للذهاب كان جدي يقول: «كان وقتًا لطيفًا جدًّا، ربما تبقين معنا لوقت أطول في المرة القادمة».

صحة

منذ 3 شهور
اضطرابها يُهدد صحتك النفسية والجسدية.. 9 طرق طبيعية للحفاظ على توازن الهرمونات

أعلم الآن أنه كان فقط يرغب في التعبير عن مدى استمتاعهم بزيارتي وربما كي يحظى بمزيد من الوقت برفقتي. وأعلم أيضًا أنه ربما سيحزن كثيرًا إذا علم أن كلماته هذه كانت تُفسِد عليَّ الزيارة. فبمجرد أن يقولها، كانت فقاعة الحب والعاطفة الدافئة التي غمروني بها طوال فترة ما بعد الظهر أو المساء تنفجر ويحل محلَّها شعور بالذنب. وكنتُ أسأل نفسي: هل يجب أن أبقى لفترة أطول؟ هل أنا حفيدة أنانية وغير محبة لأجدادي؟ هل أنا شخص سيئ؟

وتقول الكاتبة: «بصفتي معالجة نفسية، تعاملتُ مع كثير من الناس الذين يشعرون بالذنب»، وتُعرِّف الجمعية الأمريكية لعلم النفس الشعورَ بالذنب على أنه إحساس «بالقيام أو التفكير أن الشخص قد قام بشيء خاطئ»، وغالبًا ما يكون مصحوبًا بالرغبة في التراجع عن الضرر الناتج عن هذا الخطأ أو تقليله. والخبر السيئ هو أن هؤلاء الذين يثيرون الشعور بالذنب والذين يشعرون بالذنب كلاهما يعانون بشدة، واتضح أن بعض هذه المعاناة هي من صنع أيديهم.

الشعور بالذنب.. هل من مزيد؟

توضح الكاتبة أنه من السهل أن نتخيل الشعور المؤلم الذي يعانيه الشخص الذي يشعر بالذنب. وفي كثير من الأحيان، مهما حاولت أن تفعل لإرضاء من يشعرونك بالذنب، فما تفعله لا يكون كافيًا أبدًا. وكما هو حال الفأر في قصص الأطفال، إذا أعطيته قطعة كعك، سيرفع سقف طلباته في المرة القادمة ويرغب في شيء آخر. وهؤلاء الأشخاص سيرغبون في المزيد دائمًا، وستشعر أنت بالحزن، وستظن أنك شخص سيئ، ثم ستشعر في النهاية بالإحباط والغضب.

Embed from Getty Images

كما قالت لي إحدى عميلاتي التي يبدو أن أختها، التي كانت من ذوي الاحتياجات الخاصة، كانت تحاول دائمًا أن تثير لديها الشعور بالذنب لأنها لا تظل في المنزل لوقت كافٍ: «كنتُ سأشعر بالسوء إذا فعلت ما تطلبه أختي لأنه لن يكون كافيًا، أو لن يكون هو الأمر الصائب أو لأنها ستستخدم حقيقة أنني قادرة على منحها شيئًا ما لإثبات أن لديَّ أشياء أكثر منها. وسأشعر بالسوء أيضًا إذا لم أُعطِها شيئًا لأن هذا هو الخيار الأسهل أمامي، ثم ينتهي بي المطاف لأن أشعر بالشعور نفسه مهما فعلت».

ولكن من الصعب أحيانًا أن ترى أن الأشخاص الذين يحاولون إثارة الشعور بالذنب لدى الآخرين يعانون أيضًا؛ وذلك لأن الأشخاص الذين يثيرون الشعور بالذنب لدى الآخرين يمكن أن يكونوا غاضبين أو متلاعبين، وغالبًا ما يضعون كلماتهم التي تشعرنا بالذنب وهم يبتسمون. ولكن هذه التصرفات غالبًا ما تخفي خلفها مشاعر أخرى أكثر ضعفًا، فما يكمن وراء هذه الكلمات التي تشعرنا بالذنب هي مشاعر الحزن والوحدة والجرح والحاجة. وللأسف، فإن السلوك المحرض على الشعور بالذنب يؤدي إلى عكس ما يريدونه تمامًا؛ فبدلًا من الحصول على الحب والتعاطف الذي يحتاجون إليه بشدة، يدفعون الناس بعيدًا عنهم بمحاولتهم إشعارهم بالذنب من أجل الحصول على ما يحتاجون إليه.

التصرف الأنسب تجاه الشعور بالذنب

تُردف الكاتبة قائلة: لديَّ هذه الأيام صديقة مثل جدي تمامًا، إذا صادفتها في الشارع، ترغب دائمًا أن تعرف لماذا لم أتصل بها؟ أو لماذا لم نحدد موعدًا لتناول الغداء أو العشاء أو شرب القهوة؟ وكوني الآن أكبر عمرًا مما كنتُ عليه عندما كنتُ أزور أجدادي، لا أستطيع تقبل إشعارها لي بالذنب. فأقول لنفسي، هذا هو التصرف الذي تفعله صديقتي دائمًا وليس مؤشرًا على أنني شخص سيئ أو صديقة سيئة. والآن وأنا مسلَّحة بالوعي، يمكنني قول شيء كهذا: «كنتُ أفكر فيك، لنتفق على موعد ما» وأعيد الكرة في ملعبها مرةً أخرى. واتصال هاتفي يحل المشكلتين.

Embed from Getty Images

ولكنني أذكِّر نفسي أيضًا بأنها تحاول أن تُشعرني بالذنب لأنها لا تستطيع أن تطلب مني مباشرةً أن أخصص وقتًا لها. ونادرًا ما تتصل بي لأنها تخشى أن أجيبها بأنني مشغولة ولا أستطيع التحدث الآن. إنها وحيدة نعم، ولكنها تخشى من الرفض. وأعلم أنها تعاني كون أطفالها متطفلين ومسيطرين على وقتها ويشعرونها بالذنب، لذا فهي تخشى أن تطلب ما تحتاج إليه ليس فقط منهم بل من أصدقائها أيضًا، ولم تستطع أن تفهم أن محاولاتها لجعل الناس يقضون وقتًا معها تدفعهم في الحقيقة بعيدًا عنها أكثر.

لقد كنتُ أحبها حقًا وكنت أرتِّب المواعيد للقائها، فهي مرحة وذكية وكريمة وعطوفة. ولكن عندما تفعلها بطريقة الإشعار بالذنب، فإن ردة فعلي التلقائية هي أن أقول لنفسي: «سأفعل ذلك عندما أكون بحالة جيدة ومستعدة». وتجعلني أشعر أنني مراهقة سريعة الانفعال ومن ثم لا أريد أن أفعل ما تريد. وأنا متأكدة أن أصدقاءها الآخرين يشعرون بالأمر نفسه، وكذلك الحال فيما يخص أطفالها الناشئين.

إذا كنتَ تتعامل مع شخص يجعلك تشعر بالذنب، فقد يساعدك في ذلك أن تتذكر أنهم يحاولون إشعارك بالذنب لأنهم لا يعرفون أي طريقة أخرى لدفعك نحو التصرف بالطريقة التي يحتاجون إليها.

وتختم الكاتبة بالقول: هذا لا يعني أن تفعل ما يريدون، ولكن أخذ دوافعهم في الاعتبار يمكن أن يجعلك تدير شعورك بالذنب وتتقبَّل تلاعبهم بالكلمات بقدر أقل من الغضب والإحباط، ودون أن تتحول إلى شخص يُشعر الآخرين بالذنب أيضًا بدورك.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد