نشرت مجلة «نيو لاينز» الأمريكية مقالًا للمحررة والصحافية البوسنية، ريادا أسيموفيتش أكيول، تتحدث فيها عن أغنية الحبِّ التي ادَّعت ثقافات مختلفة في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية امتلاكها الحصريَّ لها، وكيف ما تزال الأغنية العاطفية المحببة تلك تعكس واقع الانقسام الحادِّ في المنطقة.

على ترانيم الحب

تبدأ الكاتبة مقالها بالعودة إلى فترة التجهيزات لزفافها قبل تسع سنوات، وتحديدًا إلى فترة بعد الظهيرة من أحد الأيام في أواخر سبتمبر (أيلول) في إسطنبول، حين ظلت منظمة الزفاف التركية تقول لها «Gülümsemeyi unutma!»  (لا تنسي الابتسام)، كانت المنظمة محترفة ذات خبرة في عملها، وكانت الكاتبة في موقع العروس الأجنبية القلقة، وإلى الآن، كلما فكرت الكاتبة في ذلك الاحتفال، تحضر موسيقى الحفل لذاكرتها.

اتفقت الكاتبة وزوجها في تلك المناسبة على اختيار أغنية تركية وبوسنية لتعكس كلاهما خصوصية تقاليدهما الثقافية. اختارت الكاتبة أغنية sevdalinka، وهي أغنية حب بوسنية تقليدية بعنوان Oj djevojko Anadolko (مرحبا، يا فتاة الأناضول)، تصور كلمات تلك النسخة من الأغنية محادثة رومانسية مفعمة حسيًّا لشاب وامرأة، وتضجُّ بمعاني التودد والإغواء، وتبدأ بقول الرجل: «مرحبًا، يا فتاة الأناضول، كوني لي»، ويتابع لاحقًا: «سأغذِّيك باللوز، لأشعر برائحتك. سأعطيك من شراب الورد، ليغسل تنهداتك».

شكلت هذه الأغنية جزءًا من ذكريات الكاتبة في ماضيها، ولذا اختِيرت الأغنية لتكون موسيقى سيرنادة ملائمة ليوم زفافها، ولكن، حالها حال الكثير من الأمور المتعلقة بالبلقان، تأتي حتى هذه الأغنية مصحوبة بألف قصة، أو، في هذه الحالة، ألف لسان، سواء في دول البلقان أو خارجها، تتنوع كلمات الأغنية باللغات اليونانية والمقدونية والصربية والألبانية والبلغارية واليديشية، ولها معجبوها المنتشرون في أماكن مختلفة من العالم مثل كوريا واليابان وإندونيسيا ومناطق مختلفة من العالم العربي، ما يزال لغزًا كيفية انتشار هذه الأغنية على هذه الشاكلة المميزة، إلا أن هنالك روايات متنافسة حول أصول الأغنية وانتقالاتها بما يدلُّ على وجود ماضٍ مثير لأغنية الحبِّ هذه التي تسببت بالكثير من التوتر السياسي.

تكثر النظريات حول أصل الأغنية، وقد يكون العنوان الأكثر شهرة النسخة التركية للأغنية Üsküdar’a Gider İken (في الطريق لأوسكدار)، تُعرف اليوم أوسكدار بكونها إحدى مناطق اسطنبول، وتقع على شاطئ الأناضول لمضيق البوسفور، لكنها كانت ذات يوم مدينة مستقلَّة وقاعدة للعمليات العسكرية العثمانية، ووجهة أخيرة للقوافل القادمة من سوريا وآسيا؛ لذا تقول أحد الاقتراحات أن الأغنية بعنوانها ذلك ترمز إلى عودة الجنود إلى العاصمة العثمانية، Kâtibim (كاتبي) هو العنوان الآخر للأغنية في تركيا، وهي كلمة مشتقّة من «كاتب» (لقب بيروقراطي عثماني للناسخ أو الكاتب)، وتصور كلمات الأغنية مغازلة المغنيِّ/ة له.

وهكذا، مع غموض أصول الأغنية، فقد ادّعت جميع المجتمعات في أنحاء المنطقة ملكيتها لها، وتقول الكاتبة إن المبشرين البروتستانت في لبنان صاغوا في أوائل القرن العشرين النصوص التعبدية المسيحية على الألحان المحلية، وابتكروا أغنية «يا بنات الإسكندرية» من اللحن المشهور ذاك، ومن ثم جاءت أغنية فيروز «شط إسكندرية» عام 1955 لتصبح ضمن كلاسيكيات المغنيّة.

أما في اليونان، عُزفت أغنية الحب الحزينة هذه على نغمات سريعة الإيقاع وجزلة تحت اسم Ehasa mantili (فقدتُ منديلًا)،  وApo xeno topo (من مكان بعيد وغريب).

نزاعٌ على أصل الأغنية

سرت الأغنية بتنويعات مختلفة في بلدان البلقان، بما في ذلك أغنية مشهورة من خمسينيات القرن الماضي في بلغاريا، إلى نسخ أخرى ثيمتها الحب وكلماتها متنوعة من صربيا ومقدونيا الشمالية وألبانيا، إلا أن الأغنية لم تنج من وطأة الثقل السياسي الذي يسم الكثير من الأمور المتعلقة بالبلقان.

فمع صعود القوميَّة التي استعرت في البلقان في القرن التاسع عشر، ادّعى الناس بأعراقهم المختلفة –أو افترضوا على الأقل- أن الأغنية تخصهم لهم وحدهم، ولم يتخيل الكثيرون أن تكون الأغنية ملكًا للجميع، بمن في ذلك من يعدوهم أعداءً لهم.

والحال أن قصيدة الحب الجميلة لم تجمع هؤلاء الناس على تاريخٍ مشترك، بل أثارت بدلًا من ذلك نزاعًا مريرًا أحيانًا حول أصلها و«ملكيتها»، ما حوَّل أغنية الحب إلى أداة لتحقيق مكاسب قومية وسياسية. وتقول الكاتبة إن الأمر وصل إلى استخدام تفسيرات صدامية متعلقة بأصول الأغنية للمطالبة بأحقية الثقافات والجغرافيا. في القرن العشرين، عندما كانت البلقان تجاهد لبناء الدولة بعد نهاية الإمبراطورية العثمانية، أصبحت الأغنية وأصلها استعارة لها قيمتها لبعض وجهات النظر الشوفينية والضيقة للعالم، صار الادّعاء بامتلاك الأغنية وسيلة لإثبات أصالة الثقافة والتاريخ، والأراضي نفسها في نهاية المطاف.

انعكس هذا الجانب المؤسف من الأغنية الجميلة في الفيلم الوثائقي للمخرجة البلغارية أديلا بيڤا، في عام 2003 بعنوان «لمن هذه الأغنية؟»، وكما يبدو من العنوان، تسافر المخرجة إلى تركيا واليونان ومقدونيا والبوسنة وصربيا وبلغاريا وألبانيا لتصوِّر مهمة البحث عن قصة الأغنية عبر بلدان البلقان، واستكشاف خلفية أغنية «في الطريق إلى أوسكدار»، وتوضح الكاتبة أن كلَّ من تحدثت معهم بيفا في تلك البلدان ادَّعوا ملكيتهم للأغنية.

أما في بلد المخرجة، وتحديدًا في جنوب شرق بلغاريا، تعكس الأغنية المشاعر القومية البلغارية لمن حاربوا القوات العثمانية في تلك الفترة التاريخية، وقد قيل لبيڤا إنها ستكون مهددة بالتعرض للرجم بالحجارة إذا ما اقترحت الأصل التركي للأغنية هناك.

يتجلَّى اختلاط الموسيقى بالسياسة والدين والتاريخ في كل رحلات بيڤا؛ ففي صربيا مثلًا، تعزف المخرجة نسخة بوسنية أخرى للأغنية بهدف الاستفزاز، إلا أنها تعرضت للتهديد بالضرب على إثر ذلك، وادّعى الرجال أن الأغنية مسروقة معتبرين إياها عملًا استفزازيًّا.

وبالنظر إلى التوترات السياسية التي ما تزال حاضرةً بحدَّة في المنطقة، لم يتمكن سوى القليلين من التركيز على الجانب الوجداني الذي أبرزه الموسيقي البوسني عمر بوبريتش الذي وصف الأغنية لبيڤا بعاطفته الفياضة: «إنها جميلة جدًا، أنا عاجزٌ عن التعبير بالكلمات، الجميع –كاثوليك وأرثوذكس ومسلمون- جميعنا أحببناها وحميناها جميعًا لأنها أغنية بوسنية جميلة، إنها تجمع الشرق والغرب معًا». لكن، وكما تلاحظ الكاتبة، حتى بوبريتش أصرَّ على أصل الأغنية البوسني.

حيواتٌ أخرى للحن

قد تبدو مثل هذه الخلافات حول الأغاني الشعبية مثيرة للضحك أو على الأقل قابلة للحلِّ بسهولة، إلا أنها في سياقات معينة، قد تعكس مشكلات سياسية أكبر وحروبًا شرسة على السرديات وتفسيرات الأحداث التاريخية.

وتركِّز الكاتبة على منطقة غرب البلقان تحديدًا، التي ما يزال الجو الحالي فيها مليئًا بالتطلعات الذميمة المنتشرة على العلن والهادفة للـ«توحيد المؤسسي والسياسي الرسمي لجميع الصرب» فيما يُدعى بالعالم الصربي (وهو بنفسه ادعاء سياسي من شأنه بالضرورة أن يشمل انتقالات سكانية استحالية وعمليات قتل واسعة النطاق بلا شك). يحدث هذا كله في منطقةٍ يستمر فيها إنكار الإبادة الجماعية البوسنية وإنكار سيادة دولة كوسوفو حتى الآن، الكثيرون على استعداد لتبني الخرافات القومية المؤذية المتحيزة لفكرة وجود ثقافة «فريدة» في مثل هذه المنطقة المتسمة بالتنوع.

لكن ستوجد دائمًا ألحان مثل أغنية «في الطريق إلى أوسكدار» التي ستواصل التأليف بين الناس من مختلف اللغات والمعتقدات باللغة العالمية للموسيقى الجميلة.

تسعدُ الكاتبة بحضور هذه الأغنية في حياتها، والأهمية الخاصة التي اكتسبها اللحن عندها منذ يوم الزفاف، عندما كانت الكاتبة عروسًا تمشي إلى المذبح، شُغِفت صديقتها المغنية الباكستانية زوي ڤيكاجي بأغنية «مرحبا، يا فتاة الأناضول» وألهمتها تلك التجربة لصنع نسخة أوردية عن الأغنية عند عودتها إلى كراتشي، تسجلت أغنية  Ishq Kinara بكلمات جديدة وآلات موسيقية باكستانية فريدة، وحققت نجاحًا كبيرًا في البلاد، لتصل إلى ملايين المشاهدات على منصة اليوتيوب.

منذ ذلك الحين، تُحب الكاتبة أن تعتقد أن حضور ڤيكاجي لزفافها واستلهامها ذلك العمل الرائع والإبداعي قد ساهم في تكوين روابط جديدة بين الناس في أماكن جديدة أخرى، ووسِّع من رحلة الأغنية حول العالم أكثر فأكثر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد