في مقال حديث منتشر في صحيفة وول ستريت جورنال، بعنوان الانهيار القادم للصين، يتوقع الأكاديمي والباحث بجامع جورج واشنطن بروفيسور ديفيد شامباو بجرأة أن عهد الحزب الشيوعي الحاكم في الصين شارف على النهاية؛ على الرغم من وجود تنبؤات مماثلة في الماضي ثبت خطأها. أن يأتي هذا التنبؤ من بروفيسور شامباو الخبير المعروف بالشؤون الصينية فإنه أمر مثير للاهتمام. في تقرير من جامعة الصين للعلاقات الخارجية، يذكر شامباو باعتباره ثاني أكثر الخبراء بالشؤون الصينية تأثيرًا في الولايات المتحدة. لهذا، الأكاديميون والمسؤولون الصينيون سيأخذون آراءه بجدية.

البروفيسور شامباو يشير إلى 5 عوامل يعتبرها تنبئ بانهيار الصين. لكن تحليلًا دقيقًا لهذه النقاط الخمس، يوضح أن استنتاجات شامباو مبنية على حقائق غير صحيحة وتفسيرات خاطئة لوضع الصين الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

الأول: يؤكد شامباو أن أثرياء الصين يهجرونها. في الواقع، هذا ليس سوى نصف الحقيقة. في حين أن عددا كبيرا من أثرياء الصين قد هاجروا بالفعل إلى بلاد مثل كندا، فإن معظمهم مازالوا يقيمون أعمالًا تجارية في الصين. وهذا يعني أنهم مازالوا يحملون توقعات إيجابية بخصوص مستقبل الصين. على أي حال، فإن عددًا لا بأس به من أولئك الأثرياء يخرجون أصولهم من الصين لتجنب اتهامات الفساد التي لا علاقة لها بتنمية الصين المستقبلية. علاوة على ذلك، في السنوات الأخيرة اختارت أعداد متزادية من الطلاب في الخارج العودة إلى الصين لأن لديهم ثقة في مستقبل بلادهم.

الثاني: زيادة القمع السياسي وانعدام الأمان لدى الحزب الشيوعي الحاكم. في الواقع، ليس ثمة تغير كبير في هذا الأمر بالمقارنة بفترة رئاسة هو جينتاو. مسألة انعدام الأمان لدى الحزب الحاكم هي مسألة قديمة يمكن القول فيها أن الحزب الحاكم كان دائما غير آمن، خاصة منذ 1989. إذًا ما هو المختلف جدًا بخصوص الواقع الحالي والذي يشير إلى نهاية الحزب؟ في الواقع من الممكن دائمًا التنبؤ بأن نهاية الحزب قريبة، بغض النظر عمّا يفعله. إذا أفسح الحزب المجال للحريات، سينتفض المجتمع المدني ويسقط النظام؛ إذا استمر الحزب في القمع، سيبقى على حافة انعدام الأمن، ما قد يتسبب في انهياره.

الثالث: يقول شامباو إن المسؤولين الصينيين أصبحوا متحجرين وملولين؛ لكن العديد من المسؤولين الصينيين كانوا هكذا دائمًا. لا يوجد شيء جديد في هذه الملاحظة. إنها قطعًا ليست شيئًا يدعم نظرية شامباو بانهيار الصين.

الرابع: يشير شامباو إلى الفساد الهائل المستشري في الصين. هو محقّ بخصوص جدية أمر الفساد، لكنه يهمل الإشارة إلى أن الحملة ضد الفساد كانت ناجحة للغاية حتى الآن. والسبب الرئيس لذلك هو دعم الجماهير. المسؤولون الفاسدون يعرفون ذلك أيضًا، ولهذا هم غير قادرين على مواجهة الحملة.

الخامس: يشير شامباو إلى أن الاقتصاد الصيني يتباطأ في نموه. يمكن القول إن هذا العامل هو الحجة الجيدة الوحيدة في نظرية شامباو، فالعوامل الأربعة السابقة ميزت الثقافة السياسية الصينية لفترة طويلة. لهذا، فإن هذه النقطة تستحق مناقشتها بجدية.

يبدو أن شامباو يعتقد أن التباطؤ الاقتصادي سيؤدي إلى مظالم واسعة النطاق، والتي ستؤدي بدورها إلى الاضطرابات المدنية، لتؤدي في النهاية إلى انهيار النظام. يمكن القول أن هذا هو ما سبب الربيع العربي وقد يكون قابلًا للتطبيق على الصين اليوم.

على أي حال، فإن ثمة مشاكل جادة بخصوص هذه المسألة.

أولًا: تباطؤ الاقتصاد الصيني ليس انهيارًا اقتصاديًا. صحيح أنه بالمقارنة مع معدلات النمو الاقتصادي المثيرة للصين في الماضي، فإن معدل نمو من 6 إلى 7 في المائة يعتبر تباطؤًا. لكن أي اقتصاد كبير آخر يستطيع أن ينمو بهذا المعدل؟ إن تباطؤ النمو الاقتصادي الصيني يجب أن ينظر إليه في سياقه الصحيح.

ثانيًا: هل سيؤدي التباطؤ أو حتى الأزمات المالية واسعة النطاق إلى اضطراب في المجتمع الصيني؟ الجواب يعتمد في الواقع على كيفية توزيع آثار هذا التباطؤ على المجتمع. كما قال كونفوشيوس منذ زمن طويل: “الشعب الصيني يغضب من عدم المساواة أكثر من غضبه من الفقر.” الصينيون العاديون يكرهون الفروق الاجتماعية الكبيرة، خاصة إذا كانت هذه الفروق ناتجة عن فساد وليس عن عمل شرعي واجتهاد. بينما قد تتسبب أزمة كبيرة في خسارات كبيرة في العمل ومعدلات أقل في الدخل، فإن اقتصاد أمريكا نجا من الأزمة المالية العالمية عام 2008. لا يوجد سبب للاعتقاد بأن الصين لن تستطيع التغلب على أزمة مماثلة.

ثالثًا: حتى لو حدثت أزمة اقتصادية حادة وتسببت في مظالم اجتماعية واسعة، فلماذا سيعني هذا أن الاضطرابات الاجتماعية ستقود تلقائيًا إلى انتفاضة ضد النظام؟ بعبارة أخرى، يرتكز هذا الادعاء على اعتقاد بأن شرعية الحكومة الصينية تعتمد بالأساس على الأداء الاقتصادي.

للأسف هذا الافتراض على الرغم من تبنيه على نطاق واسع بين الأكاديميين، لم يعد صحيحًا. النمو الاقتصادي مهم بلا شك لمعظم الصينين. لكن التعليم، البيئة، الفساد والعدالة القانوينة تهمهم أيضا تماما كما التنمية. طالما أن الحكمة الصينية تعالج بجدية المشاكل في تلك المناطق فإن دعم الحزب الشيوعي الحاكم سيظل عاليا؛ وهذا ما يفسر لماذا شرعت حكومة تشي في إجراء إصلاحات جريئة في جميع هذه المجالات.

وأخيرًا، حتى إذا كانت هناك اضطرابات سياسية فهل سيسقط النظام؟ يعتمد هذا على توازن القوى بين الحكومة والمعارضين. أين هي المعارضة السياسية في الصين اليوم؟ هل تتمتع المعارضة السياسية بتأييد واسع من المواطنين الصينين العاديين؟ هل هناك أي زعيم معارض قد يتمكن من لعب دور غورباتشوف؟ أيا من هذه العوامل ليست موجودة في الصين.

باختصار، لنصل من حقيقة التباطؤ الاقتصادي إلى احتمالية تغيير النظام، علينا أن نثبت أن كل العوامل السابقة ستتحقق أيضًا. لكن نظرية شامباو لا تثبت هذا. في الواقع تباطؤ اقتصاد الصين قد يجلب عدة فوائد لها. معدل نمو أبطأ ولكن أكثر ثباتًا قد يعني تلوثًا أقل، معدلًا أقل من حوادث الاستيلاء على الأراضي ونسبة أقل من الفساد واستهلاك الطاقة، وتوقعات اجتماعية واقتصادية أقل. كلها عوامل تؤدي إلى خفض التوترات الاجتماعية في الصين، والحد من إمكانية انهيار النظام.

تأتي ضمنيًا في ادعاءات شامباو فرضية أن الحزب الشيوعي سينهار إن لم يعتمد النمط الغربي من الديمقراطية والليبرالية. لكنه لم يحاول الإجابة على سؤال بسيط: هل النمط الغربي للديمقراطية الليبرالية هو ما يريده معظم الشعب الصيني؟

كما يشير أورفيل شون وجون ديلوري، الثروة والقوة لبلادهم هما الشيئان الأساسيان اللذين أرادهما معظم الشعب الصيني طوال القرن الماضي. اليوم، مع ارتفاع قوة ونفوذ الصين، فإن الاحترام الدولي قد يضاف إلى هذين العاملين أيضًا.

هل يريد الصينيون أيضًا الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهلم جرًا؟ بالطبع يريدون. أبحاثي الخاصة، والتي سيتم عرضها في مقال قادم – وهي مبينة على نتائج استطلاعات رأي – تظهر أنه حتى بين أكثر الصينين ليبرالية، فإن الرغبة في الحرية والديمقراطية تضعف سريعًا إذا قامت الحكومة بعمل جيد من أجل التصدي للفساد أو تلوث البيئة أو عدم المساواة. الديمقراطية هي وسيلة بالنسبة لهم أكثر من كونها غاية.

البحث الذي قام به الأستاذ الراحل شي تيانجين يظهر أيضًا أن الثقافة الصينية مازالت تفضل التسلط حتى ولو كان الناس يرغبون في الديمقراطية. يمكننا أن نفهم في هذا السياق كيف أصبح تشي جينبيغ محبوبًا جدًا بين الجماهير. اتخذ تشي تدابير إصلاحية جرئية تتراوح بين إصلاح كرة القدم وحتى إصلاح الشركات المملوكة للدولة. حتى في مجال الإصلاح السياسي، فإن تشي يسير بثبات؛ كما سيتم قريبًا تنفيذ آليات الديمقراطية التشاورية على مستويات حكومية متفاوتة. لهذا، ليس من قبيل المبالغة أن نقول أن تشي هو أكثر الزعماء إبداعًا في العقود الثلاثة الماضية. إذا كان ثمة أمر جدير بالذكر هنا، فإن حجم الدعم الشعبي للحزب الشيوعي الحاكم هو أعلى من العقد الماضي. تجاهل هذه الحقيقة يؤدي بالضرورة إلى الخطأ في قراءة الوضع السياسي الصيني اليوم.

لماذا إذًا لا يرى العديد من المحللين الغربيين هذه الحقائق؟ لماذا تتفق مقالات شامباو مع آراء العديد من المحللين والمفكرين الغربيين في هذا المجال؟

ربما ينبع هذا من الخوف الجماعي المستتر من أن تصبح الصين أكثر قوة وأكثر ازدهارً، وأكثر حزمًا في الشؤون الدولية. الغرب ليس مستعدًا لاحتمال أن لا يصبح القوة المهيمنة على العالم. بعد الحرب الباردة، اعتمدت العديد من الديمقراطيات الغربية أطروحة “نهاية التاريخ” بانتصارهم.

ومع ذلك، حين ظهرت الصين قوية ومتسلطة، وغير متوافقة مع معايير الديمقراطية والليبرالية الغربية أصبح ينظر إليها باعتبارها تشكل تهديدًا. سردية “التهديد الصيني”أمر مفهوم. إذ يميل الناس للخوف من الأشياء التي لا يفهمونها أو التي تبدو مختلفة. والصين اليوم هي مختلف “عظيم”. لكن لكونها قوية، فإنها أكثر تهديدًا من “مختلف” ولكن ضعيف. الصين القوية تسبب أزمة بين العديد من المحللين الغربيين، لأنه وفقًا لنظرياتهم، يجب أن يكون نظام الحكم الشمولي الصيني ضعيفًا، وهذا ما يفسر قراءة انتقائية من قبل الباحثين الغربيين للواقع الصيني. لهذا فإن نظرية شامباو معيوبة بشكل جاد بسبب منطقها المغلوط. لكن هذا لا يعني أنه لا جدوى إطلاقًا من مقاله.

أولًا، شامباو يذكرنا بحق أن النظام السياسي الصيني يستطيع أن يكون غير مستقر للغاية على الرغم من المظهر المستقر وجهود الإصلاح. النظام السياسي في الصين يحتاج بالفعل إلى أن يكون أكثر انفتاحًا وأكثر تعددية وأكثر ديمقراطية. وهو سيصبح كذلك يومًا ما. لكن النتائج النهائية لإصلاحات تشي تستحق انتظارها. مع ذلك فإن جميع المؤشرات الحالية تشير إلى نظام أقوى وأكثر فاعلية. بدلا من الانهيار السريع، فإن النظام الصيني سيبقى أكثر قوة وثقة وحزما واستبدادًا لفترة من الزمن. لهذا، ينبغي أن تأخذ النقاشات حول الصين هذه الحقيقة بعين الاعتبار، بدلًا من تخيل انتصار الغرب على الصين، حتى لو كانت هذه الحقيقة مزعجة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد