نشرت مجلة «ذا دبلومات» تحليلًا للكاتب نيما خورامي تناول تأزم العلاقات بين إيران وكوريا الجنوبية واحتمالية أن يؤدي موقف الأخيرة إلى حدوث تغيير في نهجها تجاه دبلوماسية الموارد والتجارة في الشرق الأوسط بوجه عام.

يقول نيما خورامي، الباحث المشارك في معهد القطب الشمالي: منذ إعادة فرض إدارة ترامب للعقوبات على إيران، تشهد العلاقات بين إيران وكوريا الجنوبية حالة من التدهور، إذ تشتكي طهران من تجميد ما يقدر بنحو 7 مليارات دولار من الأموال الإيرانية المحتجزة في بنكين كوريين جنوبيين منذ شهر سبتمبر (أيلول) عام 2019، عقب انتهاء الإعفاء الأمريكي الممنوح لواردات النفط الإيراني. وعُقدت عدة اجتماعات رسمية لبحث هذا الأمر ولكن دون جدوى، ومن ثم، تهدد طهران الآن سيول باتخاذ إجراء قانوني ضدها في محكمة العدل الدولية، وفرض حظر تجاري شامل على البضائع الكورية، وحرمان الشركات الكورية فى المستقبل من التمتع بعقود البناء المُربحة وأسواق الطاقة.

علاقة سيول بطهران تحددها واشنطن

من جانبها، أكدت سيول أنها تلتزم ببساطة بالعقوبات الأمريكية. كما استدعت السفير الإيراني لتقديم احتجاج رسمي على تهديد طهران باتخاذ إجراءات قانونية. أما موقف المسؤولين الكوريين الجنوبيين، الذي لا يرونه مستحقًا للاعتذار، والذي اتخذوه طوال الأشهر العشرة الماضية على الرغم من العلاقات الودية التقليدية بين البلدين فيمكن بدوره أن يشير إلى حدوث تغيير مبدئي في سلوك سيول في مجال الموارد والدبلوماسية التجارية في الشرق الأوسط.

Embed from Getty Images

ويضيف الكاتب من المؤكد أن جزءًا من عناد سيول يتعلق بالأهمية التي توليها لعلاقاتها التجارية، والسياسية، والأمنية مع الولايات المتحدة. فكوريا الجنوبية دولة صغيرة ذات توجه نحو التصدير، ليس لديها فقط مصلحة اقتصادية في الحفاظ على وصولها إلى السوق الأمريكية، ولكنها تعتمد أيضًا على المساعدة الأمنية الأمريكية ودعمها لحماية أمنها القومي؛ وهي تبعية من المقرر أن تزداد أكثر بسبب عودة ظهور منافسين من القوى العظمى.

وتحقيقًا لهذه الغاية، اتبعت سيول تقليديًا خُطا الولايات المتحدة في إدارتها للشؤون الخارجية داخل وخارج جوارها المباشر. ويتضح هذا جليًا في الشرق الأوسط، من خلال تكوين كوريا الجنوبية لعلاقات استراتيجية قوية مع حلفاء الولايات المتحدة في مجلس التعاون الخليجي، وخاصة دولة الإمارات العربية المتحدة، فضلاً عن التزامها الكامل، وإن شابه التردد في بعض الأحيان، بعقوبات واشنطن على إيران.

علاوة على ذلك، دأب المحللون الإيرانيون على الإشارة إلى علاقات طهران مع بيونج يانج (كوريا الشمالية) باعتبارها عقبة هائلة أمام جهود البلاد الدبلوماسية نحو تعزيز علاقاتها مع سيول. وعلى وجه الخصوص، كان عرض إيران بتوفير شريان الحياة للطاقة لنظام كيم (الكوري الشمالي) مصدر إزعاج مستمر يتعين على المسؤولين في سيول تحمله.

توتر العلاقات مع سيول يزيد من عزلة طهران

يرى الكاتب أن عزلة إيران الدولية، وافتقارها إلى الخيارات، وندرة أصول سيول في إيران هي أيضًا عوامل معقولة وراء موقف كوريا الجنوبية المتصلب (تجاه طهران). ونظرًا لأن اتخاذ المسار القانوني لاسترداد الأصول الإيرانية سيكون عملية مرهقة يمكن أن تستمر لسنوات، فإن الخطوات الإيرانية ليست بالبداية المناسبة لدولة في حاجة ماسة الآن إلى رأس المال.

وعلاوة على ذلك، فإن الشركات الكورية الجنوبية ليس لديها أصول تُذكر في إيران لتقوم طهران بمصادرتها. بل وحتى إن كان لديها أصول، فإن الاستيلاء عليها لن يؤدي إلا إلى نتائج عكسية وسيزيد من عزلة إيران، وهو ما سيحدث أيضًا في حال تعرضت السفن الكورية الجنوبية التي تمر عبر مضيق هرمز لأي مضايقات؛ وهي فكرة يروج لها بعض المحللين المحليين.

ومع ذلك، فإن رفض سيول الصريح للاستسلام للضغط الإيراني يتناقض بشدة مع موقفها الذي اتسم بمزيد من المساومة بشأن إنفاذ العقوبات بين عامي 2010 و2015. ففي محاولة لإبقاء طهران راضية، على سبيل المثال، غض المسؤولون الكوريون الجنوبيون الطرف عن المعاملات المصرفية لبنك كوريا الصناعي (IBK) وفرع البنك نفسه في نيويورك (IBKNY) مع إيران في عام 2011. وعلى هذا النحو، ربما يكون موقف سيول الحالي علامة مؤكدة على تحول فكري كبير في إدارة استراتيجيتها الخاصة بالشرق الأوسط بوجه عام وتضاؤل ​​أهمية إيران في هذه الاستراتيجية.

لماذا لا تعتبر طهران سوقًا جاذبًا لسيول؟

يقول محلل المجلة السياسي: بادئ ذي بدء، تركت لقاءات الشركات الكورية القصيرة الأمد مع نظيراتها الإيرانية في أعقاب الاتفاق النووي الإيراني (المعروف رسميًا باسم خطة العمل الشاملة المشتركة) (JCPOA) انطباعًا سلبيًا دائمًا حول مدى ملاءمة وإمكانية ممارسة الأعمال التجارية في إيران ومعها.

Embed from Getty Images

ووجد المسؤولون التنفيذيون الكوريون الجنوبيون صعوبة في التعامل مع سوق إيران المتسم بالفساد والغموض الشديدين. فغياب نظام تنظيمي واضح، وهيمنة الكيانات التابعة للحرس الثوري الإسلامي على جميع القطاعات الرئيسية، والبيروقراطية المعقدة، وعمليات صنع القرار البطيئة والمسيّسة للغاية، تقلل بالإجمال من ثقة المستثمرين، وتحول بالتالي السوق الجذابة للغاية إلى سوق غير جذاب بالنسبة للشركات (الكيانات) الخاصة. فالسوق الإيرانية ربما تبدو جيدة من بعيد، لكنها ليست جيدة على الإطلاق عن قرب.

والأهم من ذلك، أن قطاعات السوق التي سعت سيول تقليديًا إلى اختراقها – مثل: الطاقة والبنية التحتية وصناعة السيارات – أصبحت الآن تحت سيطرة الشركات الصينية التي تملكها الدولة والتي لا تستطيع الشركات الكورية ببساطة أن تتفوق عليها. فالشركات الصينية ليست صاحبة موارد مالية أكثر فحسب، بل تتمتع أيضًا بالدعم السياسي من بكين للفوز بالعقود.

علاوة على ذلك، بمجرد توقيع بكين وطهران على اتفاقهما الاستراتيجي طويل المدى المُنتظر، تصبح طهران رسميًا حليفًا استراتيجيًا لبكين وموقعًا رئيسيًا في مبادرة الحزام والطريق. وهذا بدوره سيضر برغبة سيول الراسخة في تحويل إيران إلى مركز إقليمي لتصدير سلعها وخدماتها إلى الشرق الأوسط الكبير وآسيا الوسطى. وبعبارة أخرى، من الصعب أن نرى كيف يمكن لحليف للولايات المتحدة زيادة القيمة الاستراتيجية لحليف صيني في وقت تكون فيه «سياسات المجال» (sphere politics) مهيأة لعودة قوية.

سيول تعيد ترتيب أوراقها

بحسب كاتب المقال، المهتم بالقضايا البحرية والجيوسياسية في الخليج العربي والقرن الأفريقي والقطب الشمالي، إذا أخذنا في الاعتبار الأولويات الاستراتيجية المستقبلية لكوريا الجنوبية، يمكن للمرء في النهاية أن يكتشف إعادة ترتيب واضحة لعلاقات سيول تجاه الدول العربية في الخليج وكذلك إسرائيل. وفي هذا الصدد، تبرز ثلاث قضايا: أمن الطاقة، والصادرات الدفاعية، والتعاون التقني (التكنولوجي).

وأثبتت سنوات من العقوبات التي دبرتها وقادتها الولايات المتحدة ضد إيران، قبل أشياء أخرى، نقطتين: أولاً، أن العقوبات تقوي النظام من خلال توحيد نواته حول المثل الأعلى للثورة المعادية لأمريكا، وثانيًا، أن طاقة إيران قابلة للاستبدال. وعلى الرغم من أن سيول، مثل العديد من الدول الأخرى المعتمدة على الطاقة، تفضل الاعتماد على مجموعة متنوعة من موردي الطاقة – وإيران واحدة منهم – فقد تمكنت من تعويض النفط الإيراني بإمدادات للطاقة من جيران إيران الجنوبيين. وهذا لا يعني أنها كانت عملية سهلة؛ فعمليات (إعادة) التكيف ليس من المفترض أن تكون سهلة بطبيعتها. ومع ذلك، ثبت أن من الممكن إيجاد بديل.

وفي حالة إيران على وجه الخصوص، أفادت منافساتها وخلافاتها مع جيرانها العرب بصورة كبيرة البلدان المعتمدة على الطاقة، إذ إنها تحفز أساسًا دول مجلس التعاون الخليجي طواعية لتعويض أي خسارة تحدث للطاقة الإيرانية من السوق. علاوة على ذلك، يمكن لسيول أن تعول وهي مطمئنة على حاجة إيران الملحة للعملاء بمجرد استعادتها لدرجة من الحياة الطبيعية، مع العلم أنها لن تواجه مشكلة في شراء الطاقة الإيرانية بمجرد رفع العقوبات. ففي نهاية المطاف، من المهم من الناحية الاستراتيجية بالنسبة لإيران أن تستعيد حصتها المفقودة في السوق (وهذا أهم) من أن تستعيد كوريا الجنوبية حصتها المفقودة من النفط والغاز الإيراني.

كوريا الجنوبية تحدد أهدافها الاستراتيجية.. تصدير السلاح

بحسب الكاتب، إذا أخذنا في الاعتبار تحالف كوريا الجنوبية مع الولايات المتحدة، وموارد الطاقة الوفيرة والقدرة على استبدال النفط الإيراني، والأسواق المالية المتقدمة، والبنية التحتية اللوجستية الخاصة بالنقل ذات المستوى العالمي، والاستقرار السياسي، والأنظمة التنظيمية الأكثر شفافية – لكنها ليست بأي حال من الأحوال مثالية – نجد أن سيول على ما يبدو أعادت توجيه سياستها الإقليمية من سياسة سعت إلى تحقيق توازن – وإن كان غير كامل – بين إيران وجيرانها الجنوبيين إلى سياسة تعطي الأولوية بوضوح لدول مجلس التعاون الخليجي على إيران.

علاوة على ذلك، فإن القيام بذلك له ميزة إضافية تتمثل في تمكين كوريا الجنوبية من اتخاذ خطوات ملموسة نحو تحقيق هدفها الاستراتيجي المُعلن مؤخرًا والمتمثل في أن تصبح دولة مُصدِّرة للأسلحة إلى المنطقة.

Embed from Getty Images

ووفقًا لخطة الإصلاح الدفاعي لعام 2020، تطمح سيول في أن تصبح مُصدرًا رئيسيًا للأسلحة، وبالتالي أصبح قطاع الدفاع أحدث جبهات استراتيجية التنمية الاقتصادية التي تقودها كوريا الجنوبية. وهذا يعني أن الصناعات الدفاعية تشكل الآن أداة للأمن القومي والتنمية الاقتصادية، وبالتالي فإن وزارة الخارجية مكلفة بتطوير نهج عملي أكثر للترويج لها في الخارج. ولا يقتصر الأمر على امتلاك دول مجلس التعاون الخليجي القوة المالية للاستثمار في صناعة الدفاع المزدهرة في كوريا الجنوبية، ولكن دافعها الخاص لإنشاء صناعات دفاعية محلية يوفر مجالًا واسعًا للتعاون والتآزر بين الجانبين. ويعد التعاون الحالي بين كوريا الجنوبية والإمارات مثالاً على ذلك.

كوريا الجنوبية في إسرائيل

يقول الكاتب: مع التركيز على الاستفادة من قطاع التكنولوجيا النابض بالحياة في إسرائيل، تعمل الشركات الكورية على زيادة تواجدها بهدوء في دولة الشركات الناشئة. واختارت شركة سامسونج، على سبيل المثال، إسرائيل موقعًا لحاضنتها الشهيرة عالميًا، نكست (NEXT)، مع تكليف واضح للعمل مع الشركات الناشئة المحلية النشطة في مجالات الواقع المعزز/الافتراضي، وتحليل البيانات الضخمة، والحوسبة السحابية، والأمن السيبراني، والتعلم العميق، وإنترنت الأشياء، ومعالجة اللغة الطبيعية.

وبالمثل، فإن مجموعة لوتو (Lotte Group) والعديد من شركات رأس المال المُخاطر (المُغامر) الكورية، مثل شركات (L&S Venture Capital) و(DTNI) و(Yozma Group)، مشغولين في إقامة شراكات مع الشركات الإسرائيلية الناشئة والاستثمار فيها في مجال تكنولوجيا النانو، والإنسان الآلي (الروبوتات)، والزراعة، والذكاء الاصطناعي.

وفي العام الماضي أيضًا، وقع الجانبان اتفاقية تجارة حرة، والتي في حد ذاتها تعد علامة واضحة على حدوث تحول كبير في اتجاه دبلوماسية سيول الإقليمية. ففي محاولة من جانبها لتروق لشركائها المسلمين، ظلت كوريا الجنوبية مترددة تاريخيًا في إضافة عمق واتساع لعلاقاتها مع إسرائيل على الرغم من تحالفهما المشترك مع الولايات المتحدة، والأنظمة السياسية الديمقراطية، وعدائهما المشترك تجاه كوريا الشمالية باعتبارها تهديدًا استراتيجيًا. ومع انضمام السعودية والإمارات إلى مصر والأردن في إقامة علاقات مع إسرائيل، وإن كان ذلك بصورة غير رسمية، لم تعد سيول تشعر بالحاجة إلى توخي الحذر في تطوير علاقاتها مع تل أبيب.

منطقة الشرق

منذ شهرين
«أحلام» أحمدي نجاد.. هل يمكن لمن عصى أوامر خامنئي أن يصبح رئيس إيران المقبل؟

ويخلص محلل المجلة إلى أنه لا يمكن أن تكون غرابة التحول الأخير في الأحداث أكثر وضوحًا من ذلك. فإيران كانت من أوائل دول الشرق الأوسط التي أقامت علاقات دبلوماسية مع جمهورية كوريا (الجنوبية) في عام 1962. ومنذ ذلك الحين، اتسمت العلاقات الثنائية بين البلدين بدرجة عالية من الثقة والتعاون على الجبهتين السياسية والتجارية. ومع انتماء الدولتين إلى المعسكر المناهض للشيوعية بقيادة الولايات المتحدة، على سبيل المثال، كانت طهران أحد حلفاء كوريا الجنوبية المخلصين في الأمم المتحدة في جميع القضايا المتعلقة بالقضية الكورية. ومن الناحية التجارية، كان ما يقرب من 5% من جميع أعمال المقاولين الكوريين في إيران بحلول أواخر سبعينيات القرن الماضي.

ومع ذلك، فقد أجهزت الثورة الإسلامية على المناخ السياسي الذي كانت تنعم به علاقاتهما وحولتها ببطء إلى علاقة تجارية بحتة خالية من أي عمق استراتيجي. ونتيجة لذلك، كافح البلدان من أجل إقامة رابط تجاري عضوي يكون محصنًا ومعزولًا عن التطورات الجيوسياسية الأوسع في المناطق المجاورة لهما. ونظرًا لتوجهاتهما الجيوستراتيجية المتعارضة الآن، من العدل أن نقترح أن طهران وسيول قد تحولتا من أصدقاء يتمتعون بمزايا إلى أصدقاء يضرون. وقريبًا، ربما يوقفون تمامًا تلك الصداقة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد