بعد انضمام أستراليا للولايات المتحدة الأمريكية في رفض مطالبات الصين بالسيادة على منطقة بحر الصين الجنوبي، وربما المشاركة في العمليات رفيعة المستوى لضمان حرية الملاحة في المنطقة، اكتسب نزاع بحر الصين الجنوبي زخمًا جديدًا.  

كتب جريج أوستن، الأستاذ في جامعة نيو ساوث ويلز (كانبيرا)، تحليلًا نشره موقع «ذا كونفرزيشن» يشرح فيه آخر تطورات التنافس الملتهب على منطقة بحر الصين الجنوبي في ظل تصاعد التوترات بين عدد من الدول، شارحًا أبعاد النزاع، وكيف بدأ، وما الذي يقوله القانون الدولي بشأن حرية الملاحة والمطالبات البحرية المتنازع عليها في هذه المنطقة.

عام

منذ سنتين
مترجم: كيف أصبحت البحرية الأمريكية بهذه القوة؟ 5 هزائم نكراء تشرح لك

في مستهل تحليله، يقول الكاتب: «في الشهر الماضي، رفضت الولايات المتحدة وأستراليا غالبية ادعاءات الصين البحرية واسعة النطاق في بحر الصين الجنوبي، كما رفضتا أي ادعاءات إقليمية لأي دولة في الشعاب المرجانية تحت البحار».

والأكثر إزعاجًا وإثارة للقلق – حسب وصف الكاتب – هو ممارسة الولايات المتحدة ضغوطًا على أستراليا للانضمام إلى عمليات حرية الملاحة في مياه بحر الصين الجنوبي، وهي الخطوة التي ربما تثير استياء الصين أكثر.

العسكرة الزاحفة نحو بحر الصين الجنوبي

ويُوضح التقرير ملابسات التنازع على المنطقة في ظل تصاعد التوترات قائلًا: اعتُمدت «اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار» ووُقع عليها في عام 1982م، وهي الاتفاقية التي أضفت الطابع الرسمي على الادعاءات المتعلقة بالموارد البحرية الموسعة في القانون الدولي. ومع التوقيع على الاتفاقية، ادَّعت ست حكومات على الأقل سيادتها على جزيرتي «باراسيل» و«سبراتلي» المتنازع عليهما في بحر الصين الجنوبي.

منذ ذلك الحين، شهدت مياه بحر الصين الجنوبي عسكرة زاحفة قامت بها الدول التي تسعى لتأمين مناطق الموارد البحرية الموسعة؛ إذ بدأت فيتنام في عام 2009م في استعادة أراضي حول 48 جزيرة صغيرة كانت قد احتلتها في السبعينيات، وردًّا على ذلك بدأت الصين في استصلاحات أكبر بكثير للأراضي المغمورة بالمياه، والتي بدأت في احتلالها لأول مرة في الثمانينيات.

ويشير الكاتب إلى أن عمليات الاستصلاح المعروفة بـBu 2016 أسفرت عن تشييد ثلاثة مطارات عسكرية في منتصف المحيط، أصابت العالم بموجات من الصدمة العنيفة الناتجة جزئيًّا عن إخلال الصين بتعهدها بعدم عسكرة الجزر.

ما الأسس التي تستند إليها ادعاءات الصين؟

تبلغ مساحة منطقة بحر الصين الجنوبي قرابة 3.6 مليون كيلومتر مربع، أي إن مساحتها أكبر من ضعف حجم خليج المكسيك، وتستغرق السفينة الحربية الحديثة أكثر من ثلاثة أيام للإبحار بسرعة قصوى تبلغ 30 عقدة من الحافة الشمالية للمنطقة في تايوان لتصل إلى حافتها الجنوبية عند مضيق ملقا.

Embed from Getty Images

وأبرز الكاتب أن الصين تستند في ادعاءاتها بالسيادة على منطقة بحر الصين الجنوبي إلى «اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار»، وما يسمى بالخط «ذي التسع شرطات» (خط ترسيم غير محدد ومبهم تستخدمه الصين لمطالبتهم بالجزء الأكبر من بحر الصين الجنوبي) الذي يمتد على مسافة ألفي كيلومتر من البر الرئيسي الصيني، ويُحيط بأكثر من نصف بحر الصين الجنوبي.

لكن ادعاءات الصين يعارضها قرار قضائي تاريخي صدر عام 2016م؛ إذ قضت محكمة التحكيم الدولية الدائمة في لاهاي بعدم أحقية الصين في ادعاءاتها بالسيادة على منطقة بحر الصين الجنوبي، لكن الصين رفضت سلطة المحكمة وقرارها في الدعوى القضائية التي رفعتها الفلبين.

وألمح التقرير إلى أن محكمة التحكيم الدولية الدائمة في لاهاي اعتبرت، في حكمها، أن بحر الصين الجنوبي «بحر شبه مغلق» حسب وصفها في «اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار»؛ أي إن المنطقة عبارة عن مسطح مائي محكم أو يضم إلى حد كبير أراضيَ بداخله.

وتابع التقرير: تحمل هذه الحالة في طياتها تطلعًا بوجود تعاون بين الدول الساحلية المطلة على بحر الصين الجنوبي في كل الأمور، من مسائل المحافظة على المياه إلى الاستغلال التجاري لمياه البحر، وهذا التصور مهم؛ لأنه يعني أنه بحكم هذا التوصيف يصبح بحر الصين الجنوبي مساحة بحرية مشتركة.

كيف يتعامل القانون الدولي مع هذا النزاع؟

يشرح الكاتب قائلًا: «بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يحق لجميع الدول استخدام 200 ميل بحري بوصفها «منطقة اقتصادية خالصة» لها لاستغلال موارد البحر وقاع البحار، وتقاس هذه المساحة بدءًا من أراضيها البرية».

لكن عندما تتداخل هذه المناطق، تصبح هذه الدول ملزمة بالتفاوض مع غيرها من الدول المطالبة بالسيادة على المناطق نفسها، بيد أن هذا لم يحدث بعد في منطقة بحر الصين الجنوبي، التي تعد مصدرًا للعديد من التوترات الحالية، نظرًا إلى أن المنطقة تواجهها ثلاثة تحديات كبيرة لتنفيذ هذا.

التحدي الأول يتمثل في أن الدول التي تدعي سيادتها على أجزاء من بحر الصين الجنوبي لا يمكنها الاتفاق على من يملك جزر «باراسيل» و«سبراتلي».

ويوضح التقرير لماذا لا يمكن لتلك الدول الاتفاق على ملكية هذه الجزر قائلًا: إن الصين تؤكد سيادتها على الجزر بالاستناد إلى براهين مثيرة للجدل جدًّا تعود للعصور القديمة، بالإضافة إلى أن معظم ادعاءاتها تعود للفترة ما بين 1902– 1939م. واحتلت اليابان الجزيرتين خلال الحرب العالمية الثانية، واعترفت لاحقًا في معاهدة السلام لعام 1952م بادعاءات جمهورية الصين سيادتها على الجزر.

Embed from Getty Images

لكن المتنازعين الذين يدعون السيادة على الجزر نفوا صحة هذا الدليل؛ إذ تمتلك فيتنام هي الأخرى أدلة موثقة تُثبت أحقيتها في الجزر بالقدر ذاته في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية وخلالها.

واستدرك الكاتب قائلًا: ثم هناك التساؤل الأوسع الذي يثار حول ادعاء الصين السيادة الأكبر على مياه بحر الصين الجنوبي داخل الخط «ذي التسع شرطات»، الذي يتخذ حرف U، ورسمته الحكومة الوطنية الصينية لأول مرة في عام 1947م، متجاوزًا الفلبين، وماليزيا، وإندونيسيا، وبروناي، وفيتنام.

لكن ادعاء الصين ليس له أي أساس قانوني في القانون الدولي الآن أو في ذلك الوقت، حسب تقرير «ذا كونفرزيشن».

أما التحدي الثاني فهو أن أحد الأطراف في هذا النزاع هي تايوان، والتي كانت في نزاع مع الصين حول قضايا السيادة منذ عام 1949م، وهو النزاع الذي يجعل من تايوان دولة غير معترف بها رسميًّا من معظم الدول، وبالتالي فهي ليست دولة موقعة على «اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار»، ولا يحق لها قانونًا المطالبة بالأراضي، لكن تايوان تحتل إحدى هذه الجزر فعليًّا.

بينما يبرز التحدي الثالث في النقاش الدائر في القانون الدولي حول نوع الأراضي التي يمكن أن تمنح حقوقًا في منطقة اقتصادية خالصة؛ إذ نصت اتفاقية قانون البحار على أن الأرض ينبغي أن يكون لديها القدرة على تأمين أراضٍ آهلة لسكن البشر، لكن في عام 2016م، لم تجد المحكمة الدولية في لاهاي أي جزيرة في مجموعة جزر «سبراتلي» تستوفي هذا المعيار.

ولفت التقرير إلى أن هذا كان بمثابة ضربة قوية لادعاءات الصين بأحقيتها في الموارد البحرية على طول طريق الحدود الجنوبية لبحر الصين الجنوبي.

وجهات نظر متضاربة حول حرية الملاحة

وفي حين حسمت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار معظم القوانين الدولية التي تحكم البحر، فإنها تركت القضايا المتعلقة بالأنشطة العسكرية دون حل، لا سيما «حق المرور البريء» للسفن الحربية في البحار الإقليمية، إذ يمكن للسفن الحربية الأجنبية، بموجب اتفاقية قانون البحار، أن تمر داخل نطاق 12 ميلًا بحريًّا من دولة أخرى، طالما أنها تسير في طريق مباشر ولا تنفذ عمليات عسكرية.

بيدَ أن الدول اختلفت بشأن التحركات التي تشكل مرورًا بريئًا، إذ تقوم القوى البحرية مثل الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وأستراليا بانتظام بعمليات حرية الملاحة لتحدي ما تسميه واشنطن «محاولات الدول الساحلية غير القانونية لتقييد الوصول إلى البحار».

الصين

وأكد التقرير أن الولايات المتحدة أثارت حفيظة الصين بتنفيذها عمليات حرية الملاحة داخل حدود 12 ميلًا بحريًّا من الجزر التي تدعي الصين السيادة عليها في بحر الصين الجنوبي، ولم تُنفذ هذه العمليات لتحدي مطالبات الصين بالجزر أو مناطق الموارد البحرية، إنما الهدف منها هو تأكيد حقوق الولايات المتحدة في حرية الملاحة في هذه المنطقة.

وتعارض الصين مرور هذه السفن في المياه لعدة أسباب، من بينها تأكيد أن السفن الحربية لا ينبغي أن تسير في المناطق الاقتصادية الخالصة للدول الأخرى. ومع ذلك فإن بكين تتجاهل التناقض بين موقفها هذا وبين أنشطتها في البحر؛ إذ تسير سفنها البحرية بانتظام في المناطق الاقتصادية الخالصة التي تدعي دول أخرى أنها تعود إليها.

أما مواقف الدول الأصغر في بحر الصين الجنوبي بشأن النزاع فهي متناقضة – بحسب ما رآه الكاتب – إذ إنهم يؤكدون معارضتهم لما يرونه إرهابًا وتنمرًا من الصين بشأن الادعاءات البحرية، كما يرفضون جميع الادعاءات بشأن الجزر، لكنهم لا يودون رؤية الولايات المتحدة تُمعن في سياستها لتكثيف المواجهة العسكرية مع الصين.

هل تقترب أستراليا أكثر من الولايات المتحدة؟

يجيب الكاتب قائلًا: «كان بيان أستراليا بشأن نزاع منطقة بحر الصين الجنوبي الأسبوع الماضي أقوى رفض واجهته الصين حتى الآن فيما يتعلق بمطالبتها بالسيادة على المياه».

دولي

منذ شهر
الحرب الباردة الجديدة.. أساليب الصراع بين أمريكا والصين في القرن 21

صحيحٌ أن رفض أستراليا لا يُعد موقفًا جديدًا بشأن القضايا القانونية، لكنه أظهر تصميمًا جديدًا على مواجهة الصين بشأن ادعاءاتها غير العقلانية وسلوكها التنمري في النزاعات البحرية.

ويختم الكاتب بالقول «لم تكن أستراليا حريصة على المشاركة في العمليات رفيعة المستوى لحرية الملاحة التي تقوم بها الولايات المتحدة – خشية أنها ربما تثير رد فعل من الصين – إلا أن هذا الموقف ربما يتغير قريبًا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد