نشر مركز «ستراتفور» الأمريكي للدراسات الإستراتيجية والأمنية تقريرًا يستعرض مستجدات الأوضاع على أرض سوريا، في ظل المخاوف التي تساور البعض بشأن الإخفاق في إبرام اتفاق لوقف إطلاق النار بين حكومة الأسد وقوات المعارضة المسلحة في البلاد. وأكَّد التقرير أنه إذا فشلت مباحثات وقف إطلاق النار، وتمكَّنت المعارضة المسلحة من صد القوات السورية في درعا في خِضمِّ القتال المستمر، فسوف تنتشر الاضطرابات في جميع أنحاء سوريا؛ ما قد يؤدي إلى موجة جديدة من نزوح اللاجئين إلى أراضي الأردن.

مخاوف من اندلاع الاضطرابات

في بداية التقرير يشير المركز إلى أنه إذا فشلت القوات الحكومية وقوات المعارضة المسلحة بسوريا في التوقيع على اتفاقٍ جديدٍ لوقف إطلاق النار، فقد يسفر تصاعد وتيرة القتال في الجنوب عن نثْر بذور الاضطرابات في المناطق الأخرى التابعة للنظام، وقد يؤدي أيضًا إلى تدفقٍ جديدٍ للاجئين إلى أراضي الأردن.

وكانت التوتُّرات قد اندلعت بين القوات التابعة للنظام وقوات المعارضة المسلحة في مدينة درعا التي تقع في منطقة الحدود الجنوبية في 29 يوليو (تموز)، وهي ما وصفها المرصد السوري لحقوق الإنسان بـ«أعنف الاشتباكات التي اندلعت في درعا وأوسعها نطاقًا منذ أصبحت تحت سيطرة النظام». وزعمت صحيفة الوطن السورية أن هناك عملية عسكرية بدأت ضد قوات المعارضة المسلحة، فيما أفاد ناشطون ومصادر معارضة أن المعارضة المسلحة استولت على نقاط تفتيش عسكرية ونجحت في صدِّ هجمات حكومية.

Embed from Getty Images

وتمرُّ درعا بأزمة منذ 25 يونيو (حزيران)، عندما طالبت القوات السورية مقاتلي المعارضة السابقين بتسليم الأسلحة الخفيفة بموجب اتفاقٍ لوقف إطلاق النار وُقِّع في عام 2018. غير أن مقاتلي المعارضة رفضوا هذه الفكرة؛ ما دفع القوات السورية إلى محاصرة المدينة في محاولة للضغط عليهم حتى يُسلِّموا أسلحتهم.

وتقع درعا على معبر حدودي حيوي بين الأردن وسوريا، وهو مصدر رئيس للتجارة قبل اندلاع الحرب، وكان البَلَدَان يعملان على تجديده وإصلاحه بعد عمليات الإغلاق المرتبطة بجائحة فيروس كورونا. وأضحى وصول الحكومة السورية إلى المعبر والتجارة الأردنية أكثر أهمية بسبب المشكلات الاقتصادية المتزايدة التي يعاني منها البلد الذي مزقته الحرب، والتي ألهمت اندلاع الاحتجاجات حتى في المناطق الموالية للنظام.

ويؤكد التقرير أن درعا تُعد أيضًا موقعًا لأحد اتفاقات المُصالحَة القليلة التي أُبرِمَت بين النظام والمعارضة المسلحة، والتي لم تُسفِر عن إجلاء المعارضة إلى محافظة إدلب؛ ما دفع كثيرًا من مقاتلي المعارضة إلى البقاء في أماكنهم مُسلَّحين باعتبار ذلك جزءًا من اتفاقية وقف إطلاق النار. غير أن المنطقة عانت من عدم الاستقرار منذ عام 2018، واشتبكت القوات الإيرانية والسورية مع المعارضة المسلحة في عمليات إطلاق النار وتفجيرات غير متكررة.

مباحثات جديدة لوقف إطلاق النار

وعلى المدى القريب – بحسب التقرير – ستجري المعارضة المسلحة ودمشق مباحثات من أجل الوصول إلى اتفاق وقف إطلاق نار جديدٍ يهدف إلى تعزيز مواقفهم ضد بعضهم بعضًا. ومن المُرجَّح أن يستمر كلا الجانبين في استخدام القوة العسكرية للتنافس على الاستفادة من وقف إطلاق نار آخر، في ظل سَعْي سوريا للحصول على دعم روسي وإيراني من أجل شن حملة عسكرية أكثر شمولًا في درعا.

وفي الوقت ذاته ستسعى المعارضة المسلحة إلى استخدام ضغط عسكري كافٍ لكسب تنازلات من دمشق في جولات أخرى من المفاوضات. وظلت روسيا مترددة في شَنِّ عمليات عسكرية واسعة النطاق في جنوب سوريا، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى القلق من خلْقِ تدفُّق جديد للاجئين قد يثير غضبًا دوليًّا. كما تخشى موسكو أن تؤدي هذه العمليات إلى زيادة الاهتمام الإسرائيلي والأمريكي بالقتال على الأرض لحماية مرتفعات الجولان التي تقع في منطقة قريبة من القوات المدعومة من إيران.

Embed from Getty Images

وفي أثناء الهجوم الذي وقع عام 2018 وشهد استعادة القوات السورية لدرعا، اضطرت روسيا إلى أن تطمئن إسرائيل بأن القوات الموالية لإيران لن تُرسِّخ أقدامها عقب شن العمليات، وأن حدود إسرائيل في منطقة مرتفعات الجولان ستظل آمنة.

ماذا إن فشلت المباحثات؟

ووفقًا للتقرير إذا فشلت مباحثات وقف إطلاق النار، وتمكَّنت المعارضة المسلحة من صد القوات السورية في درعا في خِضمِّ القتال المستمر، فستنتشر الاضطرابات في جميع أنحاء سوريا، ومن المُرجَّح أن يشن المسلَّحون هجمات من محافظة إدلب. وفي ظل 10 سنوات من اندلاع الحرب الأهلية، وأزمة تفشِّي كوفيد-19، والعقوبات الأمريكية الساحقة، تؤجِّج الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في سوريا نيران الاحتجاجات، ومُعدَّلات معارَضَة غير مسبوقة في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك في المناطق الموالية للحكومة.

عربي

منذ شهرين
كيف أصبحت آلام أهالي المعتقلين في سوريا تجارةً تدر الملايين؟

وقد يشجع انتصار المعارضة المسلحة – في هذه المرحلة الأخيرة من الصراع – المعارضين على تحدي سيطرة الحكومة، والمطالبة بتنازلات اقتصادية، أو حتى سياسية. كما أنه سيرسل إشارة إلى المُسلَّحين في إدلب مفادها أن الدعم الروسي والإيراني ربما يضعف، أو يمكن التراجع عنه؛ مما يشجِّعهم على مضايقة القوات السورية على طول خط وقف إطلاق النار في المحافظة.

ويشير التقرير في ختامه إلى أنه إذا حصلت دمشق على دعم إيراني وروسي كافٍ لتنفيذ عملية عسكرية مُوسَّعة في المدينة الحدودية، فسيخاطر التصعيد الذي يعقب هذا العنف بإرسال موجة جديدة من اللاجئين إلى أراضي الأردن المثقل بالأعباء. وإذا استمرت المعارضة المسلحة في إحراز تقدم بدرعا، فربما تمنح روسيا وإيران الحكومة السورية دعمًا أكبر يُمكِّنها من شن عملية عسكرية كبيرة، بما في ذلك الدعم الجوي. ومع ذلك يمكن أن تُسفر هذه العملية عن وقوع خسائر واسعة النطاق في صفوف المدنيين، وتدفع تدفُّقًا جديدًا من السوريين إلى الأردن. وهذا بدوره سيُجبِر البلدان الأخرى على زيادة المساعدات التي تقدمها لجار سوريا الجنوبي، الذي يستضيف بالفعل 655 ألف لاجئ سوري.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد