نشرت مجلة «فورين بوليسي» مقالًا للصحفية رولا جبريل، تناولت خلاله القمع الذي يمارسه نظام «السيسي» للنشطاء والمثقفين في مصر، مشبهة إياه بالقمع الذي تمت ممارسته ضد المعارضين في الاتحاد السوفيتي الأسبق.

وتشير الكاتبة إلى أنه في هذا الأسبوع، يلتقي عشرات من فناني الشرق الأوسط في الحدث السنوي الشهير، وهو مهرجان «بيل تي جونز» للأفكار الحية. يأتي مهرجان هذا العام تحت عنوان «الشرق الأوسط/ المستقبل: التحولات الثقافية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا»، وهو يركز على التحولات الثقافية في المنطقة من خلال الأفلام والمحاضرات، والألواح، والحوارات المجتمعية مع فناني الشرق الأوسط. في محاولة لتشكيل طريق ثالث إلى الأمام، في عالم محاصر بين الإرهاب والطغيان.

 

وتشير الكاتبة إلى مشاركتها في افتتاح الحدث الرئيسي في المهرجان بصحبة الفنان الكوميدي الأكثر شهرة في الوطن العربي «باسم يوسف» والمعروف أيضًا باسم «جون ستيوارت مصر». ووفق الكاتبة، فإن المصريين لم يعودوا قادرين على التمتع بأعمال «يوسف» أو غيره في بلادهم، منوهة بالقول: «إذا كنت فنانًا أو مثقفًا في مصر، فأنت مجبر على الاختيار بين مجموعة من الخيارات الصارخة: إما التخلي عن الحرية الإبداعية الخاصة بك، وإما أن تدفع إلى المنفى من قبل النظام الاستبدادي للرئيس عبد الفتاح السيسي الذي تقوم حكومته بممارسة القتل والسجن والتخويف من أجل دفع النقاد إلى حالة من الصمت الجماعي».

ووفقًا للمقال، فقد أدى تدمير نظام «السيسي» الممنهج للحيوية الثقافية في مصر إلى خسائر ملحمية عابرة للأجيال، ونوهت الكاتبة إلى أن القاهرة كانت تاريخيًّا هي العاصمة الثقافية للوطن العربي، فهي موطن لواحد من أقدم دور الأوبرا في العالم، ومنذ العشرينيات فقد قامت بإنتاج أكثر من نصف جميع الأفلام الناطقة باللغة العربية. وكان «نجيب محفوظ»، أول أديب عربي يحصل على جائزة «نوبل» قاهريًّا مدى حياته. وقد تمت الإشادة بالمخرج المصري «يوسف شاهين» كأحد عمالقة السينما العالمية. وقد أثارت أغاني «أم كلثوم» الدموع في عيون الناس في جميع أنحاء العالم العربي خلال الجزء الأفضل من القرن الماضي.

وأشارت الكاتبة إلى أن هناك الملايين من العرب الذين يشاهدون الأفلام المصرية، ويستمعون إلى الموسيقى المصرية، ويقرؤون للروائيين المصريين، ويضحكون أمام الكوميديين المصريين. مؤكدة أن القاهرة قد جذبت اهتمام الكتاب والفنانين والعلماء والطلاب من مختلف أنحاء المنطقة. بالنسبة للمبدعين، فقد كانت القاهرة يومًا ما بمثابة نيويورك العالم العربي.

موسكو «بريجنيف»

وتعود الكاتبة للقول إن «قاهرة السيسي» هي أشبه ما تكون بموسكو «بريجينيف». والمثقفون بين من لقوا حتفهم وبين القابعين في السجن أو من اضطروا إلى المنفى. وتؤكد الكاتبة على انتشار الخوف من السجن التعسفي بشدة بين الفنانين والصحفيين والكتاب الذين يشعرون بالرعب من القيام بعمله، حيث تركت حملة القمع التي شنتها الدولة على أي شيء تراه مخالفًا لروايتها الرسمية العلماء يخشون من إجراء البحوث.

ووفقًا للصحيفة، فإن الآلاف من الناشطين والنقاد والمعارضين والمدونين إما مختفين، وإما في عداد الموتى، وإما يقبعون في السجون التي تفيض بأكثر من 60 ألفًا من السجناء السياسيين. وتشير الصحيفة إلى أن حقيقة أن يوسف والبعض الآخر غيره يظهرون في نيويورك بوصفهم منفيين وليسوا سفراء ثقافة ديمقراطية مزدهرة، كما كان الحال في عام 2011 في أعقاب سقوط نظام حسني مبارك، هو علامة على «هزيمة لمصر الثورة من قبل النظام الذي يبدو للمفارقة في ذات الوقت أكثر بربريةً وأكثر تطورًا تكنولوجيًّا من نظام مبارك».

التكنولوجيا في خدمة القمع

 

وتشير الكاتبة إلى استخدام النظام للتكنولوجيا من أجل تشويه سمعة الناشطين والنقاد على منصات وسائل الإعلام  المختلفة، حيث  تم بث المحادثات الخاصة والمكالمات الهاتفية للنشطاء، والتي يعتقد أنه قد تم جمعها من قبل جهاز أمن الدولة، من خلال برنامج تليفزيوني موالٍ للنظام يدعى «الصندوق الأسود»، والذي يقدمه عبد الرحيم علي الذي يقدم نفسه على أنه مختص في شؤون الحركات الإسلامية. ومما زاد الطين بلة، وفق الكاتبة، أنه قد تم انتخاب «علي» مؤخرًا في مجلس النواب المصري. وأشارت الصحيفة إلى مقدم تليفزيوني آخر، هو «أحمد موسى»، الذي قام مؤخرًا بث صور زعم بأنها تظهر المخرج السينمائي الشهير والنائب «خالد يوسف» يمارس الجنس مع امرأة، في خطوة أثارت غضب الصحفيين المصريين، وقادت نقابة الصحفيين في البلاد للتحقيق في إجراءات تأديبية ضد «موسى».

وينوه المقال إلى أن الثورة المصرية قد جاءت مصحوبة بظهور مجموعة من الأعمال التقنية الشبابية المثيرة للتفاؤل. حيث ظهر جيل جديد من الشباب المصريين، الذين كانوا على اتصال وثيق مع أقرانهم في جميع أنحاء البلاد والمنطقة والعالم من خلال وسائل الإعلام الاجتماعية ومنصات التراسل على الهواتف النقالة؛ ما قدم مجموعة من الأدوات الأساسية اللازمة للثورة وتدعيم الديموقراطية. وقد ساعدت هذه التقنيات الجديدة المجتمع المدني المصري في تجاوز سيطرة الدولة من المعلومات من خلال وسائل الإعلام الرسمية، وسمحت للناشطين بتنظيم المظاهرات التي استعصت على وسائل القمع الخرقاء للدولة البوليسية، والتي ظلت تستخدمها على مدار أكثر من نصف قرن من الزمان.

وتؤكد الكاتبة أنه، ومن خلال إلغاء احتكار الدولة على المعلومات والاتصالات، فإن الإنترنت قد هدد استقرار الاستبداد. وقد سمح باتساع مجال النقاش العام حول وحشية الشرطة وإفلات الجناة من العقاب. وقد خلق منصةً للنقاش العام، الذي لم يكن بالإمكان تصوره سابقًا بين المصريين، حول ضرورة الإصلاح السياسي. مشيرة إلى أن الحركة الديمقراطية التي تدعم خدمة الإنترنت في مصر قد وصلت إلى ذروتها في تمرد عام 2011، عندما جلبت أحلامها لتحقيق الحرية والمساواة والكرامة من خلال التغيير اللاعنفي الذي قام به الملايين من المصريين في الشوارع، حيث تحول الميدان الإلكتروني الذي صنعه النشطاء عبر وسائل الإعلام الاجتماعية بشكل مفاجئ إلى احتجاجٍ ماديٍّ في ميدان التحرير، والذي ألهم العالم بأجمعه في الوقت الذي كان فيه الشباب المصريون الذين واجهوا عقودًا من الفساد السلطوي وسوء المعاملة يصنعون مستقبلَهم بأيديهم.

وتستطرد الكاتبة بالقول: «تم سحق الثورة في نهاية المطاف. وقد غرق الوعد الديمقراطي في الدم بعد ذلك بعامين عن طريق انقلاب السيسي»، مشيرة إلى أن هذا التعطيل الهادئ للاستبداد قد نبه الدول البوليسية في جميع أنحاء الشرق الأوسط إلى الأخطار التي يشكلها التدفق الحر للمعلومات في وسائل الإعلام الاجتماعية، وإلى إمكانيات تحويل أحدث التقنيات الأمريكية وحتى الإسرائيلية في خدمة القمع. وتخلص إلى أنه بعد مرور خمسة أعوام، فإن التفاؤل التقني الذي صنعه الربيع العربي قد مهد الطريق إلى الاستبداد التقني وتحولت وسائل الإعلام الاجتماعية وتكنولوجيا الاتصالات إلى أدوات للقمع.

ويحكي المقال أنه في الأسابيع التي سبقت الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير من هذا العام، داهمت أجهزة الأمن المصرية الأماكن الثقافية، كما قامت باعتقال 47 من مشرفي مجموعات وصفحات فيسبوك. مؤكدًا أن الحكومة الجديدة تعلمت بوضوح من أخطاء نظام مبارك، الذي جاءت استجابته متأخرة في جمعة الغضب عبر إغلاق جميع وسائل الاتصالات: الإنترنت والهاتف المحمول. ولكن مع حلول ذلك الوقت، فقد بدت هذه الاستجابة متأخرة جدًّا لوقف موجة الاحتجاجات المتصاعدة.

يفضل «الأمنوقراط الجدد»، وفقًا لتعبير الكاتبة، في مصر ترك الإنترنت قيد التشغيل. «ليست عليك أن توقفه طالما أن بإمكانك التحكم به». وسائل الإعلام الاجتماعية، ومنصات التراسل، والأجهزة النقالة، تستخدم من قبل المستبد ذي الدراية الإلكترونية كأدوات للمراقبة. ليس فقط نظام المراقبة الذي يضمن جمع كل البيانات السائبة، وفرض قانون مكافحة احتجاج شديد القسوة، ولكنه ذلك النظام الذي يدفع بطالب قانون ومجند إلزامي نحو 3 أعوام من السجن لنشره صورة للسيسي يرتدي قبعة ميكي ماوس.

وتؤكد الصحيفة أن السنوات الخمس الماضية من الثورات العربية المضادة «أمثلة قوية للاستبداد المتصاعد في الفضاء الإلكتروني»، وفقًا لما كتبه «رونالد ديبرت» من جامعة تورونتو سيتيزن لاب. وتشير إلى أن تكنولوجيا المراقبة التي يستثمر فيها نظام «السيسي» مخصصة خصيصًا لتخويف المواطنين والتحكم فيهم، وإعادة تأسيس وتوسيع مناخ الخوف والقمع الشديد للمعارضة. وتؤكد «جبريل» أن النظام لديه أسباب للخوف من مواطنيه، نظرًا لأن «السيسي» حيث لا يمكنه توفير انتعاش اقتصادي من شأنها عكس حالة الفقر واليأس التي مهدت لقيام الثورة في عام 2011، ما يزال نظامه يعتمد على المساعدات من دول الخليج التي يتم اعتصار ثرواتها بفعل انخفاض أسعار النفط. وعلى الرغم من أنه قد سحقت بعنف جماعة الإخوان المسلمين كوجود منظم، فإن التاريخ يثبت أنه ليس من السهل القضاء على تيار سياسي فاز في أحدث الانتخابات الديموقراطية. لذا فإن تهديد النشاط الإسلامي الأكثر تشددًا آخذ في الازدياد.

جنون العظمة

 

وتؤكد الصحيفة على أن «السيسي» صار أكثر عدوانية من مبارك في مواجهة أي مظهر من مظاهر المعارضة العلنية. فتحت قبضته الحديدية، أصبح اختفاء المعارضين أمرًا مألوفًا، بينما وصلت عمليات قتل واعتقال الصحفيين إلى مستويات تنذر بالخطر. وفقًا لترتيب لجنة حماية الصحفيين، فإن مصر الآن تحتل المرتبة الثانية بعد الصين من حيث أعداد الصحفيين المسجونين.

وتشير الصحيفة إلا أن ما وصفته بـ«تكتيكات جنون العظمة» التي يتبعها النظام لا تنحصر داخل حدود البلاد. حيث تقوم البعثات والسفارات الدبلوماسية المصرية في جميع أنحاء العالم بتقديم التقارير إلى السلطات حول نشاط النشطاء في الخارج، وهي تحول الدبلوماسيين المحترفين بشكل فعال إلى جواسيس. مشيرة إلى أنه، عندما قامت السلطات بمنع «عاطف بطرس»، وهو باحث مصري ألماني ومؤسس منظمة ميادين التحرير غير الحكومية، من دخول البلاد، فقد أشارت السلطات إلى المعلومات المقدمة من قبل السفارة المصرية في برلين. وقد تم استخدام أدلة مماثلة لاحتجاز الصحفي والباحث «إسماعيل الإسكندراني».

وتقول الكاتبة إنه من المغري مقارنة مصر «السيسي» بالديكتاتورية الشيوعية للاتحاد السوفيتي السابق، إلا أنه في هذه الحالة، فإن دولة استبدادية على نحو متزايد تتمتع بدعم من الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى باسم حماية الليبرالية في مواجهة التطرف.

وتؤكد الصحيفة أن أساليب «السيسي» لا تضمن سوى نمو مثل هذه التهديدات الإرهابية. مشيرة إلى أن بعض الثوار الشباب الذين سبق أن ذهبوا إلى ميدان التحرير لا يحملون سوى شغفهم وأفكارهم إلى عدم وجود مسار سلمي لإنهاء الاستبداد في مصر، وضربت مثالًا على ذلك بـ«أحمد الدرعاوي» والذي كان ناشطًا في الحملة الرئاسية للسياسي الليبرالي «محمد البرادعي»، والذي انضم لاحقًا إلى تنظيم «الدولة الإسلامية» في أعقاب الحملة القمعية لنظام «السيسي»، محذرة من أن قضاء «نظام السيسي» الممنهج على جميع السبل الديمقراطية وغير العنيفة للمعارضة والتعبير السياسي، يضمن ببساطة أن أي موجة ثورية في المستقبل سوف تكون مختلفة تمامًا عن تلك الحركة الاجتماعية السلمية التي أبهرت العالم في ميدان التحرير.

وتختم الكاتبة مقالها بانتقاد حكومة الولايات المتحدة التي تواصل تمويل وتسليح نظام «السيسي» الذي تجعل اعتداءاته الصارخة على حقوق الإنسان ممارسة الفنانين للتعبير عن أنفسهم داخل ديارهم أمرًا مستحيلًا. وتشير إلى المفارقة التي تكمن في وجهة نظرها في أنه حتى مع هذا القمع الشديد، فإن نظام «السيسي» ليس بإمكانه توفير الأمن والاستقرار المتوقعين لداعميه الغربيين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد