الضباط المتقاعدون في إسبانيا الذين يشعرون بالحنين إلى دكتاتورية فرانكو يشجبون الحكومة المنتخبة في البلاد، ويتعيَّن على الملك فيليب أن يدين هذه القوى المناهضة للديمقراطية كما فعل والده في عام 1981، بحسب ما خلُص إليه مارك نايلر، الصحفي المستقل المقيم في إسبانيا، في مقاله الذي نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية.

وفي مطلع مقاله، أشار الكاتب إلى خطابين أرسلهما ضباط متقاعدون من الجيش الإسباني إلى ملك البلاد فيليب السادس في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، معربين عن مخاوفهم بشأن الحكومة «الاشتراكية – الشيوعية» في العاصمة الإسبانية مدريد والخطر الذي تشكِّله على الوحدة الإسبانية، على حد زعمهم. وفي هذين الخطابين العاطفيين، والذي وقَّع على أحدهما 73 ضابطًا من كبار ضباط الجيش السابقين، بينما وقَّع على الآخر 39 ضابطًا من ضباط القوات الجوية المتقاعدين، يخاطب المتقاعدون الملك صراحةً بوصفهم قادة للقوات المسلحة، ويتعهدون بالولاء لـ«الوطن»، و«التماسك الوطني» الذي يزعمون أن حكومة الأقلية التي يقودها رئيس الوزراء الاشتراكي بيدرو سانشيز أضعفته.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
خوان كارلوس.. ملك إسبانيا الذي انتزع الديموقراطية من بين أنياب العسكر

وأعقب هاتين الرسالتين الاستثنائيتَيْن بيانٌ على نفس المنوال، نُشِر في 6 ديسمبر (كانون الأول)، وهو اليوم الذي وافق فيه الإسبان على دستورهم في عام 1978 في استفتاء وطني، وقد وصفت هذه الوثيقة الحكومة الإسبانية التي يقودها الاشتراكيون بأنها «تشكل خطرًا جسيمًا يهدد وحدة إسبانيا ونظامها الدستوري». ووقَّع على هذا البيان أكثر من 400 عضو سابق في الجيش الإسباني، فضلًا عن أحد أحفاد الدكتاتور السابق فرانسيسكو فرانكو.

شبح ماض مرير

ولفت الكاتب إلى أن الغضب الذي عكسته تلك الخطابات والبيانات نبع من الاتفاق الذي أبرمته حكومة سانشيز في نوفمبر (تشرين الثاني) مع الجماعات اليسارية المؤيدة للاستقلال من إقليم الباسك وكاتالونيا، في مقابل تصويتهم لصالح ميزانية عام 2021. والمفارقة هنا بطبيعة الحال هي أن وحدة إسبانيا وسلامتها الدستورية لم تتضرر أو تُهدَّد تاريخيًّا بسبب التوافقات المتبادلة بين الأحزاب، بل بسبب تدخل الجيش في سياساتها.

وبالنسبة للجميع باستثناء العناصر الأكثر رجعية من الطبقة السياسية والعسكرية في إسبانيا، فإن هذه الرسائل تشكل تذكيرًا مريرًا بالماضي. ففي يوليو (تموز) 1936، قاد الجنرال فرانسيسكو فرانكو تمردًا مسلحًا ضد حكومة الجبهة الشعبية، وهو تحالف يساري من الاشتراكيين والشيوعيين فاز في الانتخابات العامة في فبراير (شباط) من ذلك العام. وبعد ثلاثة أعوام من الحرب الأهلية الوحشية، انتصرت قوات فرانكو على الجمهوريين في عام 1939، ومن ثم حلَّت دكتاتورية عسكرية دامت طيلة العقود الأربعة التالية محل الحكومة المنتخبة.

نذير شؤم

وتابع الكاتب: وما ينذر بالسوء أن هذه الرؤية التي ألمحت إليها رسائل الضباط المتقاعدين الأخيرة إلى الأسرة المالكة والبيان المفتوح، والتي تشير إلى وقوف الجيش والنظام الملكي متحدين ضد الحكومة الإسبانية المعيبة وإن كانت منتخبة ديمقراطيًا، تبدو شبيهة بتلك التي كانت مصدرَ إلهامٍ لتمرد فرانكو منذ 84 عامًا.

Embed from Getty Images

وأشار الكاتب إلى حتمية المقايضة بين الأحزاب في السياسة الإسبانية الحديثة، خاصة بالنسبة لتحالف الأقلية التي يترأسها سانشيز، والذي لا يشغل سوى 155 مقعدًا من أصل 350 مقعدًا في الكونجرس الإسباني (120 مقعدًا للاشتراكيين، و35 مقعدًا لحزب «بوديموس» اليساري الراديكالي). ومع ذلك، غامر الزعيم الاشتراكي بعيدًا عن الوسط لتأمين الدعم الكافي لميزانيته لعام 2021، ومن خلال القيام بذلك، فقد روَّض الأحزاب الصانعة للملوك على العمل في الظلال الضبابية للسياسة السائدة (يمتلك اليسار الجمهوري لكتالونيا (إي آر سي)، وحزب الباسك القومي وشريكه حزب «أوسكال هريا بيلدو» (آي إتش بيلدو) 13 وخمسة مقاعد فقط في الكونجرس، على الترتيب).

وفي عام 1997، تولى أرنالدو أوتيجي القائد الحالي لتَحالف «آي إتش بيلدو» قيادة مجموعة يسارية من الباسك مؤيدة للاستقلال تدعى «هيري باتسونا»، والتي أعيدت تسميتها باتاسونا في عام 2001، وحظرتها المحكمة الدستورية الإسبانية بعد ذلك بعامين لعملها جناحًا سياسيًّا لمنظمة إيتا الانفصالية، وهي مجموعة متطرفة نفذت تفجيرات وعمليات اختطاف وقتل في سعيها لاستقلال إقليم الباسك.

وأدَّت محاولة أوتيجي لإعادة إحياء باتاسونا في عام 2009 إلى الحكم بسجنه 10 سنوات، والذي خفَّضته المحكمة العليا في إسبانيا إلى ست سنوات ونصف في عام 2012. وفي ثمانينيات القرن الماضي، أمضى عضو منظمة إيتا السابق نصف عقوبة مدتها ست سنوات لدوره في اختطاف رجل الأعمال الباسكي لويس أبيتوا.

ونوَّه الكاتب إلى شغف اليسار الجمهوري الكتالوني باستقلال كاتالونيا، ولكنه على النقيض من منظمة إيتا، لم يلجأ قط إلى التفجيرات أو الاختطاف في سعيه إلى إقامة جمهورية كاتالونيا (برغم الاحتجاجات العنيفة في برشلونة في أعقاب استفتاء عام 2017). وفي الوقت الحالي، يتولى أوريول جونكيراس، نائب رئيس كاتالونيا السابق، قيادة الحزب من السجن بعد أن صدر بحقه حكم بالسجن لمدة ثلاثة عشر عامًا على خلفية دوره في تنظيم محاولة الانفصال الفاشلة للإقليم في أكتوبر (تشرين الأول) 2017.

وإلى جانب الرئيس الكتالوني آنذاك كارليس بويجديمونت، نظَّم جونكيراس استفتاءً شعبيًّا على الاستقلال والذي أعلنت المحكمة الدستورية الإسبانية عدم شرعيته مسبقًا، وقد صوَّت 90% من 43% من الناخبين الذين خرجوا للإدلاء بأصواتهم لصالح الانفصال الكتالوني. وفضلًا عن جونكيراس، هناك ثمانية انفصاليين كتالونيين آخرين يقضون عقوبة السجن جرَّاء ترتيب عملية التصويت، وإعلان الاستقلال اللاحق من جانب واحد، وقد فرَّ بويجديمونت إلى بلجيكا لتجنب المصير ذاته، حيث يعيش هناك منذ ذلك الحين.

رفض الميول الانفصالية

وتابع التقرير: يُعد اتفاق سانشيز بشأن الميزانية سخِيًّا للغاية، وخاصة بالنسبة لليسار الجمهوري لكتالونيا، الذي كفل المزيد من التمويل لكاتالونيا، المنطقة الأكثر ثراءً في إسبانيا، فضلًا عن تعديل القوانين الضريبية لصالح برشلونة، ولكن المساومة على الميزانية مع هذه الأحزاب لا يعني بأي حال التعاطف مع ميولهم الانفصالية.

أعلن سانشيز مرارًا عن معارضته لانفصال كاتالونيا، وعندما حكمت المحكمة العليا بسجن جونكيراس وآخرين في أكتوبر 2019، وصف الحكم بأنه تتويج لـ«عملية قانونية مثالية». ولم تَعُد منظمة إيتا موجودة لإدانتها بعد الآن (فقد نُزِع سلاحها في عام 2017 ثم حُلَّت في عام 2018)، ولكن لطالما أعرب زعماء الحزب الاشتراكي عن استيائهم إزاء عنفها، إلى الحد الذي يجعل المرء يتساءل ما إذا كان أحد أسلاف سانشيز قد يعترض على اتفاقه مع أوتيجي. وبعد أن انفجرت سيارة مفخخة تابعة لمنظمة إيتا في مدريد في عام 2005، وأصابت 42 شخصًا بجراح، أعلن رئيس الوزراء الاشتراكي آنذاك خوسيه ثاباتيرو أن المنظمة «ليس لها مكان في السياسة أو المجتمع المدني».

Embed from Getty Images

وعلى الرغم من ذلك فمن الصعب أن نفكر في حزبين، باستثناء حزب بوديموس اليساري الشريك الأصغر للاشتراكيين في الحكومة، أكثر احتمالًا لإثارة تذمر الحرس الملكي القديم في إسبانيا. ويبدو أن الموقِّعين على هذه الرسائل يشعرون بالحنين إلى الماضي حين كان من الممكن استئصال الأيديولوجيات المناهضة للمؤسسة العسكرية بالقوة، وحين نجح الاشتراكيون وحزب المحافظين الشعبي في تبادل السلطة بسلاسة ذهابًا وإيابًا، من دون الاضطرار إلى إرضاء شبق الانفصاليين أو المتطرفين. (على أي حال، كانت الأحزاب الانفصالية والمُؤيدة للاستقلال من أي فئة غير قانونية أثناء حكم فرانكو الديكتاتوري).

ليست المرة الأولى

وأوضح الكاتب أن هذه ليست المرة الأولى منذ الحرب الأهلية التي تتدخَّل فيها المؤسسة العسكرية الإسبانية، أو على الأقل تُعرِب عن آرائها القوية بشأن النزاعات الإقليمية والدستورية في البلاد. وفي أوائل عام 2006، تخلَّى خوسيه مينا أغادو، وهو برتبة فريق في الجيش الإسباني، عن حياده السياسي وانتقد النظام الأساسي المقترح للحكم الذاتي في كتالونيا، والذي سعى إلى تعزيز الحكم الذاتي في المنطقة الشمالية الشرقية من خلال تعديل قانون مماثل لعام 1979.

كانت الفروع الرجعية للجيش، وكذلك حزب الشعب المحافظ، غاضبين، بزعم أن القانون المقترح مخالف للدستور على نحو صارخ (كان حزب الشعب هو القوة الوحيدة التي عارضت القانون في المؤتمر الوطني)، وقد وُضِع أغادو رهن الإقامة الجبرية لإعلانه أنه وفي حال تمرير القانون، فلن يكون أمامه خيار سوى تفعيل المادة 8 من الدستور الإسباني لعام 1978، والتي تنص على أن القوات المسلحة مسؤولة عن الدفاع عن «وحدة أراضي إسبانيا» و«النظام الدستوري».

Embed from Getty Images

وألمح الكاتب إلى أن قانون الحكم الذاتي الجديد بَدا في عام 2006 وكأنه صفقة أكبر بالنسبة لـ أغادو مما كان عليه الحال بالنسبة لـ الكتالونيين، إذ لم يشارك حتى نصف سكان الإقليم عندما طُرح القانون للاستفتاء في يونيو (حزيران) 2006، رغم تصويت 74% ممن أدلوا بأصواتهم لصالح القانون.

وقد أثار قانون 2006 قدرًا أكبر من الاهتمام بعد أربعة أعوام، حين فعلت المحكمة الدستورية الإسبانية ما كان الجيش يتوق إلى فعله فأبطلته على نحو فعَّال، إذ أعلنت المحكمة أن التعريف المفتوح لكتالونيا باعتبارها «أمة» ليس له أي أهمية قانونية، وأعادت كتابة 14 من قوانينها، وعدَّلت 27 قانونًا. وردًا على ذلك، احتج نحو مليون شخص في شوارع برشلونة.

وبحسب الكاتب، فقد يتصور المرء أن من صاغوا الرسائل التي أرسلت مؤخرًا إلى فيليب يفسرون أيضًا هذا الجزء من الدستور بالطريقة نفسها، لتبرير عمل المؤسسة العسكرية من جانب واحد والتي يُفترض أن تكون محايدة سياسيًّا. وإذا كان لأي عضو حالي في القوات المسلحة الإسبانية أن يتصرف وفقًا لهذا التفسير، فلا بد أن يواجه عقوبات قانونية لا تقل صرامة، إن لم تكن أشد قسوة، عن تلك المفروضة على الانفصاليين الكتالونيين المسؤولين عن استفتاء عام 2017.

ومن الواضح أن أغادو لا يزال يُفكر بالطريقة نفسها إزاء قضية كاتالونيا، فبعد تقاعده الآن، أضاف توقيعه إلى البيان الصادر في يوم الدستور، إذ أنه لا يواجه، ولا أي من الموقِّعين على الرسائل أو البيان المفتوح، أي عقوبات قانونية بسبب التوقيع على تلك الوثائق. وعلى وجه التحديد لأن وضعهم بوصفهم متقاعدين ينفي التزامهم بالحياد السياسي، وقد قال رئيس أركان الجيش في إسبانيا إن كلماتهم لا بد وأن تُقرأ باعتبارها تعبيرًا عن آراء شخصية لا تمثل بأي حال من الأحوال «الجهة التي كانوا ينتمون إليها ذات يوم».

وأضاف الكاتب أن القول نفسه ينطبق على مسؤولي القوات الجوية المتقاعدين الذين تحدثوا مؤخرًا عن «إعدام 26 مليون من أبناء العاهرات» في دردشة جماعية عبر تطبيق واتساب، في إشارة إلى الانفصاليين الكاتالونيين (كما وقَّعوا على الرسالة إلى فيليب). ولكن وزيرة الدفاع الإسبانية مارجريتا روبلز لا تستبعد مسؤوليتهم القانونية، وقد أرسلت تفاصيل المحادثة إلى النيابة العامة لتحديد ما إذا كانت تُشكِّل جريمة.

تدخل يستحق الإدانة

وأردف التقرير: لعبت التوترات الانفصالية كذلك دورًا في أسوأ تدخُّل للجيش في السياسة الإسبانية منذ الحرب الأهلية. وفي عام 1981، وبعد ست سنوات من الممارسة الديمقراطية المزدهرة، حاول ضباط عسكريون الانقلاب ضد الحكومة الائتلافية التي كانت تناضل لاحتواء الأعمال العدائية في إقليم الباسك. وفي أوائل شهر فبراير من ذلك العام قتلت منظمة إيتا مهندسًا مختطفًا، وبعد ذلك بأسبوع تعرض أحد أعضائها للتعذيب والقتل على يد الشرطة في مدريد. وقد كانت هاتان الحالتان العنيفتان نقطة اشتعال، ففي 23 فبراير اقتحم 200 جندي مسلح من الحرس المدني الكونجرس (كان أحدهم، القائد ريكاردو زانكادا، من بين 400 من الموقِّعين على البيان المناهض للحكومة الصادر في 6 ديسمبر. وحكم عليه بالسجن 12 عامًا لدوره في الانقلاب).

احتجز الخاطفون النواب المجتمعين رهائن لمدة يوم تقريبًا، وأثناء ذلك الوقت ألقى الملك خوان كارلوس الأول خطابًا متلفزًا يحث فيه على احترام الديمقراطية وحكم القانون (تدخل حظي بقدر كبير من الإشادة والذي ظللته مؤخرًا ادِّعاءات مخادعة ضد الملك السابق). وبعد 18 ساعة من الدراما الساخنة، والتي ظهر بعضها على شاشات التلفاز في بث مباشر، استسلم المتمردون دون إراقة دماء.

Embed from Getty Images

ووجَّه فيليب نجل خوان كارلوس نداءً مماثلًا للأمة في خريف عام 2017، ردًا على الوضع المتصاعد في كتالونيا، والذي كان بمثابة رحلة غير مسبوقة لعاهل مُقيد في العادة إلى دهاليز عالم السياسة، وربما دفعت تلك الخطوة الجنرالات المتقاعدين إلى الاعتقاد بأنه يشاركهم مخاوفهم بشأن تدهور الوحدة الوطنية. ومع ذلك، فهم مخطئون بالتأكيد في الاعتقاد بأن نجل خوان كارلوس سوف يُجيز أي نوع من الانتفاضة المسلحة ضد حكومة سانشيز، حتى لو كان يقودها الاشتراكيون وتعتمد على الانفصاليين الراديكاليين لتمرير الميزانية، بحسب ما يرى الكاتب.

وبطبيعة الحال، حسبما يختتم الكاتب مقاله، لم يكن التدخل المسلَّح موضع دعوة صريحة للموقِّعين على الرسائل الأخيرة، والذين لم يعودوا على أي حال أعضاءً فاعلين في القوات المسلحة الإسبانية. ولكن إذا حاولت القوات المسلحة الإسبانية القيام بتدخل آخر، فسوف يستحقون إدانة الملك فيليب، وليس تشجيعه، تمامًا كما استحق اعتداء 1981 على الديمقراطية أعنف الانتقادات التي وجَّهها والده إلى المعتدين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد