تتشارك جماعات الإسلام المتطرّف وأعداؤها من مكافحي الجهاد حبًّا عميقًا للمُقارنات التاريخية. يصف الجهاديون الجيوش الغربية في الشرق الأوسط بـ«الصهيو ـ صليبية»، بينما يصف صقور السياسة الخارجية أي توانٍ في سحق أعداء الوطن بأنّه «ميونيخ» أخرى، في إشارة إلى الأعمال الإرهابية التي شهدها أولمبياد ميونيخ عام 1972. أُسامة بن لادن، أنديرس بريفيك، داعش.. كلّهم يحملون فهمًا مسيّسًا للماضي يُضفي ثقلًا وضخامة عاطفيتين على «حروبهم»، عن طريق استحضار الحملات الصليبية أو العدوان العثماني.

لكن «ماثيو كار»، في مقاله بصحيفة «إنترناشونال بيزنز تايمز»، يُشير إلى فصلٍ من فصول التاريخ يغيب عن السرديات التاريخية في عصر حروب الإرهاب ومُكافحة الإرهاب، أجبرت فيه إسبانيا المُسلمين – قبل 400 عام – على التحوُّل إلى المسيحية، ثمّ لم ترض إلا بطردهم من البلاد. إنّها قصة «المورسيكيين»، أبناء آخر مسلمي الأندلس.

ذرية المسلمين

كان المورسيكيون كلّهم كاثوليكيين في الظاهر، ينحدرون من المسُلمين الذين تحوّلوا قسرًا إلى المسيحية في نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر. بين عامي 1609 و 1614 طردت إسبانيا عددًا يتراوح بين 300 و 350 ألفًا من المورسيكيين، ودمّروا آخر بقايا مملكة الأندلس المورسيكية عن عُمر ثمانية قرون.

قرار طرد المورسيكيين جاء بعد أكثر من قرنٍ من محاولات حكّام إسبانيا محو آثار الدين الإسلامي، وكل تقاليده الثقافية وحتى المطبخية من إسبانيا والمنطقة الإيبيرية بأسرها. لم يفرّق حكام إسبانيا بين الاعتقاد الديني والمُمارسات الثقافية، وعاقبوا المورسيكيين على أي تعبيرٍ ثقافي عن هويتهم، بما في ذلك رقصاتهم الشعبية، وارتداء النقاب، وحتى أكل «الكُسكُس».

لماذا يغيب المورسيكيون عن المشهد التاريخي؟

ومع أن الاقتلاع العنيف للإسلام من أوروبا الحديثة يمثّل مادةً خصبة للمظلمة الإسلامية، وكذلك لمن يصفون المهاجرين المُسلمين إلى أوروبا بأنّهم خطرٌ داهمٌ على أمن أوروبا وهويّتها، يقول «كار» إنّها نادرًا ما تجد طريقها للظهور وسط السرديات التاريخية الدعائية التي يعجّ بها العصر الحالي.

يُعزي «كار» الأمر إلى أنّ مأساة المورسيكيين «لا تخضع للتفسيرات التاريخية المتحزّبة»، على حد قوله. لم يقم حكام إسبانيا بأية محاولات جادّة لتعليم المُسلمين المتحوّلين عقيدتهم الجديدة، ولم يؤمنوا أصلًا بإمكانية ذلك التحوّل. كان رجال الدولة والدين يؤمنون ببساطة بأن المورسيكيين غير قادرين على اعتناق المسيحية، وغير جديرين بذلك، وفضّلوا القمع ومحاكم التفتيش على الرفق والإقناع.

ويُقارن «كار» بين حديث الديماجوجيين المُناهضين للإسلام في القرن الواحد والعشرين عن المناطق التي ينبغي منع المُسلمين من الدخول إليها وعن «اللندستانيين» في المُدن الأوروبية، وبين قُضاة محاكم التفتيش في القرن السادس عشر ممن كتبوا تقارير روتينية عن المقاطعات المورسيكية المحرّضة المتآمرة مع قراصنة شمال إفريقيا، الحالمة باستعادة السيطرة الإسلامية على إسبانيا.

بالتأكيد ينطبق ذلك الوصف على بعض المورسكيين، لكن نظريات المؤامرة – باعتراف بعض رجال الدولة الإسبانية آنذاك – كانت ضعيفة في أغلب الأحيان، واحتمالية أن ينجح أكثر المتمرّدين المورسيكيين مرارة في تحويل خيالاته الثورية إلى ممارسة على أرض الواقع كانت ضئيلة للغاية.

«مشكلة» الإسلام

يتحدّث «كار» عن فخٍ آخر وقع فيه الكتّاب المحافظين اليوم والأسبان في القرن السادس عشر، وهو الحديث عن «مشكلة الإسلام» ومعدّلات الولادة العالية لدى المُسلمين، والتي تشكل خطر توسّع نفوذ المسلمين الثقافي وحتى السياسي. خشي الإسبان من توالد المورسيكيين الذين سيفوقونهم عددًا في نهاية الأمر.

لكن تحليلًا أكثر دقّة كان ليكشف عن صورة أكثر تعقيدًا للمجتمعات المورسيكية التي تعيش في ظروفٍ مختلفة عن بعضها، وكانت أكثر اهتمامًا بالعيش وتربية الأولاد من محاولات إسقاط الدولة المزعومة.

وفقًا لـ«كار»، كان أغلب المورسيكيين يرون إسبانيا وطنهم، والعديد منهم أصبحوا بالفعل مسيحيين جيدين، ومخلصين إلى الحد الذي جعل كهنة الأبرشية يعترضون على طردهم.

ليس هذا التحوّل مفيدًا لجهاديي القرن الواحد والعشرين ممّن يصورون قصة المورسيكيين على أنّها ملحمة من الاضطهاد والمقاومة. كان هناك اضطهاد بالتأكيد، وكانت هناك مقاومة. بعض المورسيكيين كانوا مسلمين سرًا، وحلموا بإعادة فتح إسبانيا. ومنهم من تآمر مع القراصنة المُسلمين ممّن أغاروا على سواحل إسبانيا من شمال إفريقيا. لكن أغلب المورسيكيين عاشوا حيواتٍ مُسالمة بصفتهم أقلية مهمّشة على أطراف المجتمع الأسباني، حيثُ خافهم المجتمع، وكرههم، واضطهدتهم محاكم التفتيش بقسوة؛ بسبب تجاوزاتهم الدينية الحقيقية منها والمتخيّلة.

وكما يرى العديد من الأوروبيين والأمريكيين الإسلام والأقليات المسلمة اليوم على أنّها عدوٌ جمعي يشكّل وجوده خطرًا على الأمن والهوية والدينية، رأى فيليب الثالث ووزراؤه الشعب المورسيكي، كبارًا وصغارًا، بطريقةٍ لا تختلف كثيرًا. ظلّت هذه الرؤى والأصوات المُطالبة بإقصاء المُسلمين على الهامش، حتى وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقرّبنا خطابه المعادي للإسلام من بدايات القرن السابع عشر أكثر مما تخيلنا.

ينتهي «كار» إلى أنّ مأساة المورسيكيين تذّكّرنا، بعد 400 عامًا، بالجرائم ضد الإنسانية التي يُمكن أن تقع عندما تسقط المجتمعات القوية في هوّة العنصرية والتحيّز. وفي عالمٍ أكثر تنوّرًا، يُمكن أن يحفّزنا ذلك الفصل التاريخي إلى إيجاد حلولٍ للنزاعات الأمنية والثقافية المعقّدة، التي يبدو أنها تجرّنا إلى مستقبلٍ أكثر كآبة من ذي قبل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد