2,737

حلمٌ جميل، أن تقطن بلدًا يجبرك قانونها على أخذ قيلولة منتصف اليوم، هي إسبانيا. ربما تظن أن سكان هذا البلد ينعمون بقسط كبير من الراحة والاسترخاء والرفاهية كي ينص القانون على ذلك! حسنًا، ليست بواطن الأمور دائمًا براقة كظاهرها. الإسبان مجبرون على ذلك ويعانون لنفس السبب.

نشرت «الجارديان» تقريرًا يعرض أبرز المشاكل التي تعاني منها الأسر في إسبانيا بسبب قرار تقيدها بتوقيت وسط أوروبا. يذكر التقرير أن ذلك القرار الصادر إبان حقبة فرانكو، والتي عرفت أيضا بـ«ديكتاتورية فرانكو»، هو الملام على مشكلات إسبانيا، بدايةً من حوادث العمل إلى انخفاض نسبة المواليد، حتى الفشل الدراسي، إلا أن كل ذلك قد يتغير بفضل مساعي البرلمان.

عادات يومية خاطئة

يذكر التقرير أن قد ثارت نوبة انتقادات مؤخرًا من أعضاء البرلمان الإسباني، إذ طالبوا هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسباني RTVE، بأن يجدولوا برامج الأطفال على ألا تتعدى الساعة الحادية عشرة مساءً، بين يومي الأحد والخميس، فقد تسبب البرنامج التلفزيوني الشهير للأطفال MasterChef Junior، والذي يتابعه 3 ملايين طفل، في بقائهم أمام التلفاز إلى ما بعد الساعة الواحدة صباحًا، وذلك خلال أيام العمل الأسبوعية.

ومن بين الأمور التي نوقشت في البرلمان هي أن «عادات مشاهدة التلفاز تلعب دورًا في قلة الراحة الليلية» في إسبانيا. فكما هو الحال في العديد من الدول المتحضرة، يشاهد الكثير من الناس التلفاز، أو يستعملون حواسبهم الآلية، أو يتحدثون في الهاتف لأوقات متأخرة من الليل بشكل معتاد، وقال نواب البرلمان الإسباني، «إن الأطفال الذين لا يحصلون على القدر الكافي من النوم، عرضة للعديد من المشاكل، مثل حدة الطبع والنعاس وقلة التركيز».

أشار نواب البرلمان إلى أن البلد كله يعاني من نقص النوم-وبشكل عام تعد فترة نوم الشعب الإسباني «أقل من متوسط الساعات التي تحظى بها شعوب البلدان الأوروبية الأخرى».

ليست مصادفة أن ينام الإسبان عدد ساعات أقل، إذ تقع إسبانيا في منطقة زمنية خاطئة. تقع مدريد جنوب لندن مباشرة تقريبًا، لذا يجب أن تكون في نفس المنطقة الزمنية للمملكة المتحدة، إلا أنها ظلت ملتزمة بتوقيت وسط أوروبا لأكثر من 50 عامًا. بحثت اللجنة الوطنية الإسبانية الأمر عام 2013، وكشفت أن الشعب الإسباني ينام أقل من المتوسط الأوروبي بمقدار 53 دقيقة، ويتسبب ذلك النقص في معدل النوم في زيادة الغياب والإجهاد وحوادث العمل والفشل الدراسي.

لماذا الخمول والقيلولة؟

فرانسيسكو فرانكو، 1964

غالبًا ما نعتقد أن نوم القيلولة الإسبانية، وربما السلوك الخامل للحياة، يعني أن الإسبان لديهم الوقت الكافي للنوم، ولديهم المقدرة على الاستفادة من ذلك؛ أو أن هناك أسباب ثقافية تقف وراء سلوكهم في النوم، إلا أن ذلك أبعد ما يكون عن الحقيقة. إذ يعمل الإسبان لساعات أطول من معظم نظرائهم الأوروبيين. ويرجع السبب في ظهورهم بمظهر الخامل إلى أنهم بالفعل يشعرون بالنعاس طوال اليوم. فإسبانيا لديها خلل في منظومة الوقت، ما يحرم كل إسباني من ساعة نوم يوميًا.

أضف إلى ذلك، عادةً ما يعمل العامل الإسباني 11 ساعة يوميًا، من التاسعة صباحًا حتى الثامنة مساءً. ويأتي تناول العشاء في التاسعة مساءً، بالإضافة إلى ساعتين من مشاهدة التلفاز، فإنهم في المعتاد لا يخلدون إلى النوم قبل منتصف الليل. لذا، فمن غير المستغرب أن ينخفض معدل المواليد.

أعلنت فاتيما بانيز، وزيرة القوى العاملة الإسبانية في ديسمبر (كانون الأول) عام 2016، عن حملة لتقليص يوم العمل، ليصبح من التاسعة صباحًا حتى السادسة مساءً بدلًا من السابعة. وقالت إن الحكومة بصدد دراسة – كجزء من سلسلة تدابير رامية إلى تحسين التوازن بين العمل والحياة – إلغاء القرار المتخذ في فترة حكم فرانكو أيضًا، والذي وضع إسبانيا في منطقة زمنية خاطئة. إذا كُللت تلك المساعي بالنجاح، ستفتح إسبانيا الطريق ليصبح توقيت المجتمع أكثر عملية وواقعية.

إسبانيا.. لستِ وحدك!

ويضيف التقرير إن إسبانيا ليست وحدها من تعاني من التوقيت. فكل من الصين والهند لديهم منطقة زمنية وحيدة، أُنشئت عمدًا ليرتبط السكان معًا. فقد أُعد توقيت الصين الموحد لكي يناسب شرق البلاد. ما أدى إلى فوضى كبيرة في محافظة شينج يانج في أقصى الغرب، حيث أدت الانقسامات العرقية إلى استخدام المواطنن الأويغور نظام توقيت متأخر بساعتين عن النظام الذي يستخدمه المواطنون الآن. هناك أيضًا تقليد زمني سيئ -التوقيت الصيفي- لايزال شائعًا على مستوى العالم، إذ تعاني المملكة المتحدة على مدار نصف العام، من نفس الآثار السلبية التي تعانيها إسبانيا طوال العام.

ليس هناك شيء مميز يتعلق بالمخاوف الإسبانية من مشاهدة الأطفال والكبار للتلفاز، واستخدام شاشات الأجهزة الحديثة ليلًا التي تسبب اضطرابات النوم.

لا يعد نوم القيلولة شيء بغيض، فهناك بعض الدول التي يأخذ الناس فيها قسطًا من الراحة في ظل الحرارة الشديدة مثل مصر والهند والمكسيك، على سبيل المثال: في مصر، ينام المزارعون وأسرهم في المناطق الزراعية أوقات أطول من الأسر التي تعيش في القاهرة، على الرغم من اضطرارهم لأخذ قيلولة منتصف اليوم، وانتشار تشارك السرير واحد.

لدى إسبانيا الفرصة لتغيير طريقة استغلال الوقت. الوقت الكافي للنوم سوف يحسن من صحة السكان، وسوف تتحسن جودة الحياة. كما أن ساعات العمل المعقولة سوف تحسن من الإنتاجية والأداء. إن تغيير طريقة استغلال البلاد للوقت أمر حر تمامًا، كما أنه يمكن أن يجلب مكاسب ضخمة.

اقرأ أيضًا: «بي بي سي»: النوم على الطريقة اليابانية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك