كل الحكماء الذين قابلتهم في حياتي بلا استثناء، كانوا يقرؤون طيلة الوقت. * شارلي مونجر، الملياردير العصامي، وشريك وارين بافيت

في تقريره المنشور بموقع «كوارتز» طرح الكاتب، مايكل سيمون، عدَّة أسئلة تتعلق بأهمية القراءة، قال فيها: لماذا كان يخصص الرئيس الأمريكي السابق، أوباما، وهو واحد من أكثر الناس انشغالًا في العالم، ساعة على الأقل يوميًّا، في مكتبه من أجل القراءة؟ ولماذا يستثمر وارين بافت المستثمر الأعظم في التاريخ 80% من وقته في القراءة والتفكر؟ ولماذا يقرأ بيل جيتس، الرجل الأغنى في العالم، كتابًا كاملًا كل أسبوع؟ ولماذا يأخذ إجازة مدة أسبوعين سنويًّا من أجل القراءة فقط؟ وكيف يجد أكثر الناس ذكاءً وانشغالًا ساعة يوميًّا للتعلم، في حين أن البعض الآخر يتعلل بكثرة المشغوليات؟ وختم سيمون تساؤلاته قائلًا: ما الذي يراه هؤلاء، ولا يراه الآخرون؟

ثم أجاب سيمون عن ما سبق وأن طرحه من أسئلة، قائلًا: «الإجابة بسيطة للغاية، التعلُّم هو الاستثمار الأمثل للوقت»، مستشهدًا بقول بنيامين فرانكلين: «استثمارك في المعرفة وتطوير ذاتك، يمنحك العائد الأكبر».

ويضيف الكاتب: أن «هذه البصيرة أساس النجاح في اقتصادنا المعرفي، ولكن القليل من الناس يدركون ذلك. ولحسن الحظ، بمجرد أن تفهم قيمة المعرفة (التطوير الذاتي)، سيكون من السهل الحصول على المزيد، فقط كرس نفسك للتعلم المستمر».

قيمة المعرفة المهارية أعلى من قيمة النقود

رأس المال الفكري أكثر قيمة من رأس المال النقدي. – بول تودور جونز، المستثمر الملياردير العصامي

يقول الكاتب: إننا نقضي كل وقتنا في جمع المال وادخاره أو إنفاقه، ثم نقول لا يوجد لدينا أي وقت لتعلم أشياء جديدة. في الواقع هذا يرجع إلى انشغالنا الدائم بكيفية ربح المال، ولكن مهلًا، هناك جديد يوضح العلاقة بين المال والمعرفة. نحن الآن في بداية عهد جديد، يسميه المتنبئ المستقبلي بيتر ديامندس «التغيير السريع»، إذ ستقدم التكنولوجيا خدمات وسلعًا ثمينة بمقابل أقل، وربما مجانًا.

هذا التغيير سيتسارع بشدة في المستقبل، حتى أننا سنرى مركبات آلية تحل بديلًا لأحد أكبر اهتمامتنا، السيارة. وتكنولوجيا الواقع الافتراضي، ستجعل التجارب التي نريد تجربتها ولكن لا نستطيع، بسبب أنها باهظة الثمن، مثل الذهاب إلى الحفلات الموسيقية الكبرى، أو لعب الجولف تقريبًا، في متناول أيدينا. وبالرغم من أن الفرق بين عالم الواقع والواقع الافتراضي، لا يقارن، إلا أنه يتحسن يومًا عن يوم تحسنًا سريعًا جدًا.

ويقول الكاتب: إنه بالرغم من ارتفاع تكاليف التعليم والصحة، فإن الابتكار في تلك المجالات سيجعلها أيضًا عرضة للتغيير السريع. فعلى سبيل المثال، الكثير من مؤسسات التعليم العالي، لديها تكاليف عالية للحفاظ على تراثها، ومن أجل دعم طبقات التسلسل الهرمي، والحفاظ على فروعها. في حين أن مؤسسات التعليم الأحدث، خفضت الكثير من نفقاتها عن طريق تقديم الخدمات التعليمية أونلاين، والتركيز على ذوي المهارات العالية.

ويلفت الكاتب إلى أن تطور التكنولوجيا، وظهور بعض الأجهزة الحديثة مثل CRISPR وThe XPrize Tricorder، التي تقوم بالتشخيص عبر تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، سيتسبب في حدوث ثورة طبية كبرى، وسيقلل من تكاليف الرعاية الصحية، عن طريق منع المرض بدلًا من علاجه.

وبحسب الكاتب، فإن دور قيمة المعرفة والتطوير الذاتي، سيزداد كثيرًا، عندما يشمل التغيير السريع الخدمات والسلع. ويسرد مثالًا على ذلك بسماعة السيارات ذاتية القيادة، ويضرب سباستيان ثورن مؤسس جوجل إكس وفريق جوجل للسيارات ذاتية القيادة، مثالًا على شراء أوبر لشركة أوتو ذات الـستة أشهر، والسبعين موظفًا، مقابل 700 مليون دولار؛ واستحواذ جنرال موتورز على كروز مقابل مليار دولار، ويقول ثورن: إنه بناءً على المبلغ المدفوع، فإن قيمة كل موظف في الشركة، تبلغ حوالي 10 ملايين دولار.

ويقول سيمون: إنه وبناءً على ما سبق؛ فإن الموظفين الذين يعملون بجد طوال حياتهم المهنية دون تكريس أي وقت للتعلم وتنمية المهارات، يصنفون من فئة «المعرضين للخطر»، الذين يخاطرون ببقائهم عالقين في القاع السفلي، من المنافسة العالمية، ومعرضين لفقد وظائفهم لصالح التشغيل الآلي، مثلما حدث مع العمال ذوي الياقات الزرقاء، بين عامي 2000 و2010 عندما حلت الروبوتات محل 85% من وظائف التصنيع.

لماذا يجب علينا الاهتمام بالمعرفة وتنمية المهارات الذاتية؟

يقول الكاتب: إن الأشخاص الذين يعيشون في أسفل السلم الاقتصادي، هم الذين يتعرضون للسحق، ولا يتم تعويضهم تعويضًا ملائمًا، في حين أن من يعتلون السلم الاقتصادي، يحظون بفرص أكبر، ويحصلون على تعويضات مناسبة. ومن المثير للسخرية أن المشكلة ليست في ندرة الوظائف المتاحة؛ بل في ندرة المهارات والمعرفة الكافية لملء الوظائف الشاغرة المتاحة.

وطبقًا لمقال نشرته «ذي أتلانتيك»، واستشهد به الكاتب، فإن: «أرباب الأعمال في مختلف القطاعات والمناطق، اشتكوا من نقص العمالة الماهرة، التي اتضح صحتها في بيانات العمالة الأمريكية. ففي يوليو (تموز) 2015، وصل عدد الوظائف إلى أعلى مستوى له على الإطلاق، إذ بلغ نحو 5.8 ملايين، فيما كان معدل البطالة أقل بكثير من متوسط ما بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن، في الوقت نفسه، فإن أكثر من 17 مليون أمريكي إما عاطلون عن العمل، وإما في طور البحث عن وظيفة، وإما يعملون بدوام جزئي ويطمحون للعمل بدوام كامل».

وبحسب الكاتب، فإنه يمكن القول إن مستوى المعرفة الأساسية، أصبح بالتدريج في أهمية العملة النقدية، أو بعبارة أخرى، صارت المعرفة والإلمام المهاري هما العملة النقدية الجديدة. وعلى غرار تبادل النقود وتخرينها، فإن المهارات يمكن تبادلها وتخزينها هي الأخرى، لكنها على العكس لا تفقد قيمتها أو تتناقص إذا تم استخدامها، فنقل المعرفة المهارية في أي مكان حول العالم، أمر يحدث بشكل فوري ومجاني، كما أن قيمة المعرفة المهارية تتعاظم أسرع من المال؛ بل ويمكن تحويلها إلى صور عديدة، لا يستطيع المال توفيرها، مثل العلاقات وطيدة الصلة، والمستويات المرتفعة من مهارية الأفراد. فهي تساعدك على تحقيق أهدافك سريعًا، وتجعل دماغك يعمل بشكل أفضل، وتزيد من محصلتك اللغوية، وترفع من مهارات التواصل الخاصة بك، وتساعدك على التفكير خارج الصندوق، وتمنحك الفرصة كي تعيش حيوات أخرى لم تعشها، عن طريق التعرف إلى تجارب الآخرين وخبراتهم.

وفي مقابلة أجراها الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، مع صحيفة نيويورك تايمز، أوضح أن السبب في تكريسه ساعة يوميًّا من أجل القراءة، يعود إلى أن القراءة «منحته القدرة على التروي، والتفكير بموضوعية، ووضع نفسه مكان الآخرين»، في الوقت الذي تتسارع فيه الأحداث بشكل كبير، مؤكدًا أن «هذه الأشياء لا تقدر بثمن»، بحسبه.

وعما إذا كانت القراءة قد جعلته رئيسًا أفضل، قال أوباما: إنه «لا يعلم ذلك على وجه الدقة، لكنه يعرف يقينًا، أن القراءة سمحت له بالحفاظ على توازنه خلال ثماني سنوات».

6 مهارات أساسية للإتقان المعرفي الجديد ذي النفع الاقتصادي العالي

الأمية في القرن الحادي والعشرين، لا تعني الجهل بمبادئ القراءة والكتابة، بل تعني التوقف عن التعلم وطرح الأفكار وتطوير المعرفة. – ألفين توفلر

ويقول الكاتب: إنه بالتعرف إلى النقاط الست التالية وتطبيقها، فإنه يمكننا أن نتعلم المعرفة المهارية الصحيحة، التي ستعود علينا بنفع اقتصادي كبير.

1. تعرف إلى المعرفة ذات القيمة في الوقت المناسب

فقيمة المعرفة ليست أمرًا ثابتًا؛ بل متغيرة، تعتمد على تقييم الآخرين لها ومدى ندرتها أو تواجدها. ومع انتشار التقنيات الجديدة، وإعادة تشكيل الصناعات، فإن عدد الأشخاص الذين يملكون المهارات الكافية، يتضاءل؛ لذا يجب عليك أن تتعرف إلى المهارة ذات القيمة في الوقت المناسب.

2. تعلم تلك المعرفة وأتقنها سريعًا

فالفرص المتاحة في الطبيعة عابرة، ويجب على الأشخاص اقتناصها حال رؤيتها. الأمر الذي يعني تنمية قدراتك الذاتية على تعلم المهارات المعرفية وإتقانها سريعًا. ويوصي الكاتب بتعلم النماذج العقلية وفهمها، تلك التي توفر انتقالًا سلسًا بين مجالات المعرفة المختلفة.

3. وضح قيمة مهاراتك للآخرين

يقول الكاتب: إن بعض الأشخاص الذين يملكون المهارات ذاتها، يتقاضون رواتب مختلفة، وذلك بحسب قدرتهم على التواصل وإقناع الآخرين بمدى مهارتهم؛ لذا اسعَ لتعلم مهارات التواصل والعرض، كي تستطيع عرض ما تملكه من مهارات عرضًا جيدًا، يعود عليك بالنفع.

4. حوّل معرفتك المهارية إلى أموال

لا يكفي أن تملك مهارة معرفية ما؛ بل يجب عليك أن تنتفع من وراء هذه المعرفة المهارية، عن طريق تحويلها إلى مصدر أموال، وذلك عن طريق الحصول على وظيفة ذات راتب كبير، أو الحصول على ترقية في عملك، أو افتتاح مشروع خاص بك، أو حتى تقديم استشارات معتمدة على معرفتك المهارية، أو العمل على بناء سمعة خاصة بك بوصفك رائدًا في مجال ما.

5. استثمر في التعليم الذي سيعود عليك بالنفع

كل منا يبحث عن باقة كتب، أو دورات تعليمية عبر الإنترنت، أو برامج ذات شهادت معتمدة من أجل رفع كفاءة معرفتنا المهارية، ضمن حدود ميزانياتنا المتاحة. ولكي نحصل على مثل هذه الباقة، يجب علينا دراسة الفوائد، وهل ما سنتحصل عليه من هذه الكتب والدورات التعليمية، ذو قيمة أكبر مما سندفعه فيها؟

6. أتقن مهارة «كيفية التعلم»

إتقان مهارة كيفية التعلم يرفع من قيمة مهارتك المعرفية، ويعلي من معدل التعلم. فهناك فرق بين شخص يستطيع قراءة كتاب في أسبوع، وبين آخر يقرأ الكتاب نفسه في 10 أيام. فالشخص الأول يستطيع خلال عام أن يقرأ أكثر بحوالي 30% من الشخص الآخر.

ويقول الكاتب: إنه يجب علينا التخلص من النظرية السائدة التي تقول بأن التعلُّم يكون في الفترة العمرية من خمسة أعوام إلى 22 عامًا فقط، ثم بعد ذلك نتحصل على وظيفة نعمل فيها بكد واجتهاد. وذلك لأن النجاة خلال هذه الحقبة الزمنية وسوق العمل المتسارعة، يحتاج إلى صقل المهارات والتعلم باستمرار. ففي الوقت الذي يُعد فيه العمل الجاد هو عصب التقدم في المجال الصناعي، يُعد التعلم باستمرار وصقل المهارات المعرفية، هو أساس الاقتصاد ذي العائد.

ويضرب الكاتب مثالاً توضيحيًّا؛ فيقول: «إذا كان هناك حد أدنى لجرعات الفيتامينات والمعادن الموصى بها، والتي يجب على الجسم الحصول عليها بصورة يومية، وهناك أيضًا حد أدنى من الرياضة، يجب على كل شخص ممارسته، يوميًّا أو أسبوعيًّا، من أجل الحفاظ على الصحة البدنية؛ فنحن إذن، بحاجة لوضع حد أدنى من التعلم الإلزامي، من أجل المحافظة على أوضاعنا الاقتصادية».

لا تتكاسل ولا تختلق أعذارًا.. انهض وتعلم

عِش وكأنك ستموت غدًا، وتعلّم وكأنك ستحيا للأبد. – المهاتما غاندي

يذكر الكاتب، قصة رائد الأعمال الناجح بن كلارك الذي ظل ملتزمًا بجدول تعليمي يومي، في الفترة من 6.45 إلى 8:30 صباحًا، طيلة خمس سنوات، ثم تخلى عن طقسه التعليمي بعد ولادة ابنته، وتحول هذا الوقت الذي سبق وأن كرّسه من أجل التعلم إلى وقت خاص بابنته. الأمر الذي يفعله الكثيرون، ويكون نقطة النهاية للتعلم وصقل المهارات. لكن كلارك، قرر ألا يتخلّى عن جدوله التعليمي اليومي، وذلك عن طريق تقليص عدد ساعات عمله، وخلق مساحة زمنية من أجل التعلم. ويشير الكاتب إلى أنه وبرغم كون كلارك شخصًا مسؤولًا، ويعمل في شركته حوالي 200 شخص، إلا أنه استطاع تقليص ساعات عمله من أجل العودة إلى التعلم. ويقتبس كاتب التقرير من كلارك قوله: «ربما يبدو من العمل أقل، والتعلم أكثر، أن إنجازي اليومي يتقلص. لكن بالنظر للمحصلة العامة في نهاية العام، يظهر العكس، ويتضح مدى الإنجاز الذي أمّنه لي التعلم على مدار العام».

ويقول الكاتب: إن قرار خفض ساعات العمل على حساب التعلم، قرار صعب، خاصةً بالنسبة للموظفين الجدد، لكنه عاد وأكد أنه لا يجب التكاسل وخلق الأعذار من أجل ترك التعلم. فهناك الكثير من أوقات الفراغ التي يمكن الاستفادة منها، مثل: استراحات الغذاء، والوقت الضائع في المواصلات العامة… إلخ، وأن توفير 15 دقيقة يومية للتعلم، ستمنحك 100 ساعة في نهاية العام. ويلفت الكاتب إلى أنه بالرغم من صعوبة تطبيق ذلك، إلا أنه في النهاية ليس أمرًا مستحيلًا.

ويشير أيضًا إلى اعتقاد البعض بعدم قدرتهم على توفير الوقت الكافي للتعلم على حساب العمل، ويقول إن: «التعلم ليس رفاهية، بل هو أمر مُلِح وضروري».

3 خطوات من أجل الانتظام في طقس تعليم يومي

يختتم الكاتب تقريره، بالتأكيد أن أكثر الناس انشغالًا قادرون على تخصيص ساعة يوميًّا للتعلم، وبالتالي لا بد وأنك أيضًا تستطيع فعل ذلك، ويذكر ثلاث خطوات لمساعدتك في إنشاء طقس التعلم الخاص بك:

1. خصص وقتًا محددًا للقراءة والتعلم، مهما كنت مشغولًا.

2. التزم بهذا الوقت، مهما حدث.

3. اسع لتطبيق كل ما تعلمته خلال هذه الساعة بصورة عملية، كي تحقق أقصى استفادة ممكنة.

وينهي الكاتب تقريره بأنه بحث طيلة السنوات الثلاث الأخيرة، عن السبب وراء نجاح رواد الأعمال والشخصيات البارزة في المجتمع، وأن كلمة السر كانت: المداومة على التعلم، وصقل المعرفة المهارية!

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد