استعرض تقرير لموقع «opendemocracy» حال الثورة المصرية وما آلت إليه الأوضاع في بلد خرج فيه ملايين المتظاهرين للمطالبة باسقاط النظام.

 

ورأى التقرير المطول للموقع أن الربيع العربي الذي شهدته 5 دول في منطقة الشرق الأوسط قد تحول إلى شتاء لا يبشر بخير.

 

ماذا تحقق من الربيع العربي؟

 

يرى التقرير أن التفاؤل الذي كان مصدره تساقط الطغاة كأحجار الدومينو تحت زخم لا يقاوم من الثورات الشعبية انتهى بخيبة أمل كبيرة. غير أنه لا يعتبر هذا أمرًا مدهشًا، فنمط الأحداث التي أعقبت الربيع العربي لم يكن من النمط المألوف فيما يتعلق بديناميات ما بعد التمرد.

 

في مصر، حدث ذلك على نطاق واضح جدًا في ميدان التحرير. فبينما تدفقت الجموع إلى وسط القاهرة، فقد كان من السهل أن ننسى أن حالات عدم التوافق بين التحالفات السياسية كان لها نهايات مختلفة جدًا. ويتجلى ذلك بطريقة أكثر وضوحًا في التفاؤل المفرط لدى الشباب.

 

كانت حرية التعبير ولا سيما للشباب محور الطاقة، ولكن أصبح من الواضح الآن أن ما يريدونه هو معاد لنخب سياسية اعتادت على السيطرة المطلقة. كما هو متوقع، وبالنظر لسجل حقوق الإنسان في مصر، كانت التداعيات مؤلمة. شنت إدارة الرئيس السيسي، العازمة على الحفاظ على هيمنة الجيش على الحياة المدنية، حملة صارمة ضد أي تعبير علني يخالف وجهة نظر الدولة.

 

ولكن لماذا تبدو الدولة التي أظهرت شجاعة حتى في مواجهة دولة مبارك البوليسية معرضة للتضحية بمكاسبها التي حازتها بشق الأنفس؟ وكيف يمكن لعامة الناس أن يقبلوا بنظام ذهب إلى أبعد مما تجرأ عليه مبارك في أي وقت مضى؟

تكمن الإجابة – بحسب ما ذكره التقرير – في التفاعل المعقد بين العوامل التي تكتنف العملية السياسية في الشرق الأوسط. في مصر كان ثمة تنافر بين التوقعات والواقع الحياتي مما سبب تنامي العوامل المسببة لعدم الاستقرار.

 

يشير التقرير إلى أن العامل الأكثر إلحاحًا بين هذه العوامل كان الآثار الاقتصادية للطبيعة الطويلة من الاحتجاجات التي مزقت الدعم بين أولئك الذين تعتمد سبل العيش لديهم على العودة إلى الحياة الطبيعية. السيسي، وتحت راية استعادة الاحترام الوطني، كان قادرًا على استغلال حالة عدم الاستقرار، بإثارة قلق السكان المنهكين على نحو متزايد وتوليد العداء ضد «العناصر التخريبية». منارة الإصلاح التي سلطت الضوء في أحلك أركان مصر مبارك انطفأت تمامًا مع موافقة شعبية.

 

مما لا شك فيه أن المصاعب التي رافقت الثورة كانت واقعية جدًا. أولئك الذين ناضلوا بالفعل لتغطية نفقاتهم يواجهون أصعب الأوقات. الأثرياء على النقيض كان لديهم خيارات وتمكنوا من المضي قدمًا. ولكن بالنسبة للأغلبية، كانت القصة مختلفة.

 

أرقام صادمة

 

في البداية، كان ثمة اعتقاد بأن الحياة ستتحسن بشكل ملموس، ولكن بينما ظلت المحلات التجارية مغلقة وأصبحت الاحتياجات الأساسية على المحك، بدأت أعداد كبيرة تبدي قلقها من أنها ستفقد القليل الذي لديها.

وفقًا للتقرير، فإن النسيج الاجتماعي في مصر ذبل تحت الانهيار الاقتصادي الذي جاء في وقت عانى فيه الاقتصاد. ووفقًا للبنك المركزي، بلغت خسائر البلاد حوالي 480 مليون دولار و3 مليار دولار على التوالي في النصف الثاني من عام 2011.

ورصد التقرير في هذا الإطار بعضًا من الأرقام الصادمة التي تعكس حجم معاناة الاقتصاد في مصر. بلغ معدل التضخم 8.7 % وتراجعت معدلات النمو 2.2% في عام 2012. وتم تكثيف الضغط على المصريين من عامة الشعب خلال تضحيات الأيام الأولى للثورة. ارتفعت أسعار السلع الأساسية بما في ذلك الغذاء والدواء وارتفع معدل البطالة إلى 13% وأضيف 850 ألف عاطل إلى سوق العاطلين عن العمل.

 

رغم أنها لم تكن المرة الأولى التي يعاني فيه الاقتصاد في مصر من انتكاسات، إلا أنه في الماضي وفي مرحلة ما قبل الثورة، كان يتم اللجوء إلى السياحة خلال الأوقات الصعبة.

 

ولكن هذا القطاع تقلص بشكل كبير بعد الثورة. وكان لذلك حتمًا تداعيات على قيمة الجنيه المصري، التي تقلصت بشكل كارثي بالنسبة لبلد يعتمد بشكل كبير على واردات الغذاء والوقود. ووفقًا لوزارة الصناعة والتجارة الخارجية، تمثل المنتجات الغذائية نحو 17% من واردات البلاد، والمنتجات النفطية حوالي 18%. من عام 2011 إلى عام 2012، ارتفعت هذه الواردات ما لا يقل عن 10 و 28 % على التوالي، بحسب التقرير.

 

السيسي واستغلال الفرصة

إذا كانت المصاعب الاقتصادية التي نشأت أحد العوامل التي قوضت إرادة مصر لتحويل ربيعها العربي إلى إصلاح سياسي حقيقي، فإن العامل الآخر كان عبد الفتاح السيسي.

وقال التقرير أنه كان من حسن طالع الرئيس المصري الحالي أنه لم يكن يرتبط بنظام مبارك. المقارنات الاستبدادية للسيسي مع مبارك لا تقبل الجدل، ومع ذلك، فقد اكتسب شخصية مختلفة من الناحية الشرعية.

وأضاف بأنه ومما لا شك فيه فقد حظي السيسي بميزة الصعود إلى السلطة بينما كانت البلاد تمر بأزمة وكانت سمعة الرجل لا تشوبها شائبة آنذاك. لكثير من المصريين، فإن حقيقة أن الدولة السلطوية تبدو في طريقها لاستعادة ما خرجوا إلى الشوارع في يناير من أجل التخلص منه، هي حالة متناقضة تم التغلب عليها باعتباره السيسي المنقذ الوطني البعيد عن كل مساءلة.

 

في هذا الصدد، فإن مواجهة البلاد وطنيًا وإقليميًا مع الإسلام المتطرف تبدو مناسبة. ولد الخوف من الإسلام الكثير من شعبية السيسي وترتب على ذلك السلطة الكاملة لاتخاذ كل التدابير التي يراها ضرورية حتى وإن كانت مناهضة للديمقراطية.

وهو شعور كان راسخًا من خلال إدراك أن الديمقراطية الانتخابية قد رفعت حزب العدالة (الإخوان المسلمين) إلى السلطة مع تفويض لتغيير طابع الحياة المدنية المصرية.

 

أصبح سوء حكم مرسي دورًا فعالًا جنبًا إلى جنب مع الاقتصاد المتعثر في الرغبة للعودة لقيادة قوية. استغل السيسي المزاج من دون أي تأنيب للضمير، وبدأ بشكل منهجي في تقويض الحقوق السياسية بشكل أوسع. واستغرق الأمر فقط نظرة جانبية في الاضطرابات الجارية في سوريا واليمن وليبيا لإثبات غريزة أن هذا هو أفضل مسار في مصر.

في نهاية المطاف، تحولت الوعود التي رافقت بدايات الربيع العربي إلى ازدواجية الاختيار بين توسيع الحريات السياسية على حساب الاستقرار السياسي والاقتصادي أو تقييد الحريات ولكن مع وعود بالرخاء والأمن العلماني.

فشل الربيع العربي

في نقطة أخرى، ذكر التقرير أن نمط الاحتجاجات التي شهدها الربيع العربي فشل في الالتئام حول برنامج سياسي قادر على الشروع في التغيير الحقيقي، كما هو الحال مع معظم الثورات في مختلف أنحاء المنطقة. وفي مصر، كان القاسم المشترك هو كراهية النظام الذي عاش حياته في البذخ والفساد بينما كان يظهر للمجتمع الدولي قائمة من الإنجازات. الرغبة في شيء مختلف، للابتعاد عن الحاضر، لم يواكبها توافق بشأن ما سيبدو عليه المستقبل.

 

من دون وحدة الهدف هذه، فقد تفككت حالة التضامن التي شهدتها فترة ما بعد مبارك بشكل حتمي، وباتت هناك رغبة غالبة في عودة الجيش إلى مركز الصدارة. ووفقًا لبعض المراقبين، كانت هذه هي النتيجة الأكثر ترجيحًا على أي حال، بغض النظر عن العوامل الأخرى المذكورة أعلاه.

 

الحنين للناصرية

تاريخيًا، ارتبطت سمعة العالم العربي في كثير من الأحيان بصورة الرجل القوي العسكري والمنقذ الوطني. كان مصير مرحلة ما بعد التحرير في مصر متداخلًا بدقة مع هذا «المثل الأعلى». الحنين والجاذبية السياسية للناصرية، كان لا يزال يقع على مقربة من النفسية المصرية. نظرًا لبصمة الجيش التي اخترقت الحياة المدنية، فقد كان السيسي رجل المكان المناسب في الوقت المناسب.

 

ماذا عن الغرب إذًا؟ كان الارتباك بشأن كيفية الاستجابة لانقلاب السيسي فشلًا هائلًا. كانت الضمانات التي انبثقت من نظامه تتناقض مع أفعاله على الأرض ولكن الغرب كان يقع في مأزق.

 

ربما يكون الإسلام السياسي قد انتصر في انتخابات ما بعد الثورة ولكن كان تأثيره ضعيفًا ولم يستلهم الدوافع من وراء الثورة. تيار الإسلام السياسي، على الرغم من مزاعم قادته، لم يكن الزناد النفسي الذي جلب الجماهير إلى الشوارع في عام 2011. أيضًا فقد ولد الغضب عقلية مختلفة شكلتها مشاعر قوية لديناميات ضد الاستعمار والاستقلال التي حددت عصرًا سابقًا.

على وجه الخصوص، فقد غذت المعايير المزدوجة للجغرافيا السياسية الغربية وهيمنة النظم الاقتصادية، غذت الغضب ضد مبارك. الغضب الذي ملأ ميدان التحرير نظر إلى النفاق الغربي والاستبداد المحلي كمشروع مشترك. بينما كان الدبلوماسيون في العواصم الغربية ينطقون بخطاب الحرية وحقوق الإنسان، فقد غضوا الطرف عن انتهاكات مبارك وآخرين لسنوات.

 

سعى الربيع العربي في مصر لإحياء الاتصال مع ماض مثالي ولكنه ماض مميز من شأنه أن يمحو رؤى مبارك والسادات باعتبارهما مؤسسا التبعية المصرية للحيل الجيوسياسية الأمريكية والتحرر الاقتصادي. عدم التمكين، وخيبة الأمل والحرمان، كانت كلها أمور خلقت الظروف لعاصفة أطلقها الربيع العربي.

 

السيسي وناصر

وقد مر وقت طويل منذ وجود مثل هذه القوة والوحيد الذي حقق ذلك كان جمال عبد الناصر. يسعى العديد من رجال الجيش لارتداء عباءة ناصر كوسيلة لاكتساب السلطة والشرعية. ولم يكن السيسي استثناءًا عندما تولى السلطة.

 

تعكس شعبيته رغبة في التواصل مع القيادة التي كانت متجذرة في تراث عبد الناصر. إنها ظاهرة مثيرة للاهتمام لأسباب ليس أقلها أن مرور الوقت قد يطمس الحدود بين الواقع والأسطورة.

 

تم حجب تاريخ عبد الناصر كقائد بواسطة أيقونات السياسية التي تحيط بمكانه في التاريخ. من جهة، كان من الواضح أنه قائد يحظى بكاريزما نجح ببلاغته التي ألهمت حقًا الجماهير في مصر وعلى الصعيد الإقليمي، نجح في توليد ولاء للنموذج الخاص به فيما يتعلق بالاشتراكية العربية. في بعض النواحي، كانت هذه مسألة تتعلق بالتوقيت والفرصة بدلًا من التخطيط.

 

وكانت قوة عبد الناصر في مثلنة المجتمعات العربية الحديثة المبنية على القيم المناهضة للاستعمار العلمانية، جنبًا إلى جنب مع الدوائر الثلاث الإفريقية والعروبة والإسلام. لفترة من الوقت، كانت هذه الرؤية مصدر حماس وإعجاب من قبل السكان لرؤية مكانتهم في العالم. كان مشروعًا حيث أصبحت فيه هذه القيم جزءًا لا يتجزأ من حياتهم وعلاقاتهم.

 

في الحقيقة لم ينجح في مسعاه من هذا القبيل، مع التدخلات المكلفة في اليمن وسوريا، والتي كانت لها تبعات على كل من الاقتصاد المصري وجدوى الوحدة العربية. اكتسب نظام عبد الناصر بصمات الدكتاتورية العسكرية التي ازدهر فيها دور الجيش على نحو غير متناسب للمجتمع المدني. ولم يتم التسامح مع المعارضة وتم إعادة صياغة مؤسسات مثل القضاء لضمان ولايتها ضمن الحدود السياسية للاتحاد الاشتراكي العربي.

 

أخيرًا، خلص التقرير إلى أن السيسي سيستمر بطريقة انتقائية في «شراء» هذا النسب السياسي لميراث عبد الناصر على أمل أنه سوف يضمن له ثقة الشعب بما فيه الكفاية لترسيخ حكمه. الخطأ على الرغم من ذلك سيكون للاعتقاد في أن هذه الثقة ستكون سلعة غير محدودة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد