كان العام الماضي بمثابة ربيع للزعماء السلطويين في مختلف أنحاء العالم، سواء في الصين أو بولندا أو أمريكا اللاتينية أو الشرق الأوسط، وفقًا لما رآه المؤرخ والزميل الأقدم بمعهد بروكينجز روبرت كاجان بمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية. وتوقع الكاتب أن يشهد العام الحالي استمرارًا لذلك الازدهار الذي ربما يقضي على الديمقراطية في حال وقف دُعاتها مكتوفي الأيدي أمام التمدُّد الأوتوقراطي.

«نجاحات» السلطويين في 2018

ففي الصين، استطاع شي جين بينج العام الماضي القضاء على القيادة الجماعية للبلاد، ليصبح رئيسًا مدى الحياة، كما تمكن كذلك من دق المسمار الأخير في نعش مصداقية علماء الصين الأمريكيين الذي زعموا قدرتهم على توقُّع السلوك الصيني، إذ لم تُصِب تنبؤاتهم بعصرٍ من التحرير الصيني على مدار عقود. وشهد العام الماضي أيضًا نجاح زعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون في كسب احترام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفضل سيطرته الدكتاتورية عالية الجودة، بحسب الكاتب.

دروس للديكتاتور المبتدئ.. كيف خطط الرئيس الصيني للبقاء في الحكم مدى الحياة؟

وسرد الكاتب نجاحات الزعماء السلطويين مشيرًا إلى كيف أن حكومة بولندا المشكوك في ديمقراطيتها أصبحت من الحكومات المفضلة لدى ترامب، كما هو الحال مع فيكتور أوربان، رئيس وزراء المجر المتعصب بكل فخر. أما في أمريكا اللاتينية؛ فقد نجح دانييل أورتيجا، رئيس نيكاراجوا، في ترسيخ سلطته على غرار أناستاسيو سوموزا الذي أطاحه من السلطة باسم الشعب قبل أربعة عقودٍ مضت. وفي فنزويلا، تمكَّن نيكولاس مادورو من الصمود رغم كونه الدكتاتور الوحيد في العالم الذي لم تُعجَب به إدارة ترامب.

وفي الشرق الأوسط، اعتبر كاجان أن الحدث الأبرز كان إقدام حاكمٍ استبداديٍ – الرئيس التركي رجب طيب أردوغان – على كشف حاكمٍ استبداديٍ آخر – ولي العهد السعودي محمد بن سلمان – بعد أن أمر الأخير بتنفيذ عملية اغتيالٍ على طريقة العصابات.

لكن كاجان توقع أن محمد بن سلمان سيكون على ما يُرام، مرجعًا ذلك إلى حقيقة أن وسائل الإعلام الأمريكية المشتتة بدأت في تناسي عملية القتل الوحشية لخاشقجي، كما هو الحال بالنسبة للكونجرس الذي تغاضى عن الوحشية السعودية في اليمن لسنوات.

 

وأشار الكاتب إلى الصحف والقنوات الأمريكية نادرًا ما تتطرَّق «للدكتاتور العسكري المصري القاتل عبد الفتاح السيسي»، الذي يُستقبل بحفاوةٍ شديدةٍ على السجادة الحمراء كلما زار الولايات المتحدة. ورأى الكاتب أن السبب في ذلك هو أن إدارة ترامب، على غرار إدارة أوباما التي سبقتها، ترى في الزعماء الدكتاتوريين بالشرق الأوسط حصونًا أساسيةً تحمي مصالحها في وقتٍ سعت خلاله الإدارتان إلى تقليص الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط قدر الإمكان.

أمريكا هي السبب!

ورأى كاجان أن السبب وراء ازدهار الأوتوقراطية في عام 2018 هو أنه عندما تنتهج واشنطن ما يعرف بالسياسة الواقعية بتقليص تواجدها على الساحة العالمية فإنها تلجأ للزعماء الدكتاتوريين الذين تعتقد أن بإمكانها الاعتماد عليهم، مشيرًا إلى أن تلك هي الإستراتيجية نفسها التي تبنَّاها ريتشارد نيكسون وهنري كيسنجر في أواخر الستينات وأوائل السبعيناات.

وراهن مذهب نيكسون الشهير، الذي يهدف إلى تقليص التزامات الولايات المتحدة خارج حدودها، بكل ما تملكه واشنطن على شاه إيران والنظام الملكي السعودي. غير أن ذلك أدى إلى اندلاع الثورة الإيرانية التي لا تزال تعيث فسادًا في المنطقة حتى يومنا هذا، وإلى انتشار الوهابية، بحسب الكاتب، وكانت النتيجة أن 15 سعوديًا كانوا ضمن 19 إرهابيًا نفذوا هجمات 11 سبتمبر (أيلول).

واليوم، وبحسب كاجان، يجادل الأكاديميون من دعاة تقليص دور الولايات المتحدة على مستوى السياسة الخارجية بأن واشنطن يجب أن تتكيَّف مع «التنوُّع» العالمي، الذي يصفه الكاتب بأنه خليطٌ لطيفٌ من الطغاة وأولئك الذين قد يصيرون طغاة للتَّماشي مع أعداد الديمقراطيات المتناقصة. إذ يقول جراهام أليسون، أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد، إن على أمريكا التكيُّف مع «حقيقة أن الدول الأخرى لها آراءٌ معاكسةٌ في ما يتعلق بالحوكمة وتسعى لتأسيس أنظمتها الدولية الخاصة التي تخضع لقواعدها الخاصة». ولا يرى كاجان داعيًا للقلق؛ لأن هذا ما حدث بالفعل.

وأرجع الكاتب أيضًا عودة الأوتوقراطية للظهور مجدَّدًا إلى أن سلوك كثيرين في الغرب الذي يشبه الإمبرياليين العنصريين في أواخر القرن التاسع عشر، إذ يعتقدون أن العرب – وغيرهم ممن يفتقرون إلى التراث اليهودي المسيحي – ليس بإمكانهم التعامل مع الديمقراطية.

وأشار إلى أن هذا السلوك هو ما انتهجه الأمريكيون حين لم يُؤمنوا بأهلية الكاثوليكيين للديمقراطية أيضًا على مدار عقودٍ لأنهم من المفترض أن يُطيعوا الأوامر السلطوية التي تُصدِرها روما، ثم حلَّ محلهم الآسيويون وقيمهم الآسيوية، والآن حان دور المسلمين الذين لا يُمكن السماح لهم باختيار قادتهم لأن الأمريكيين ليسوا معجبين بخياراتهم. لذا تُفضِّل واشنطن أن يحكمهم الزعماء المستبدون، على غرار شعار «النظام أولًا، والحرية لاحقًا»، الذي جادل بصحته صامويل هنتنجتون وجين كيركباتريك في الستينات والسبعينات، وفقًا لكاجان.

المال في خدمة الاستبداديين

أما السبب الآخر لازدهار الحكم الاستبدادي، بحسب كاجان، فيتمثل في أن الدكتاتوريات تملك الكثير من المال لتنفقه على الجميع، موضحًا أن الزعماء الدكتاتوريين ليسوا مُجبرين على إخبار الجميع بجهات إنفاقهم، على عكس الزعماء الديمقراطيين. وهذا هو السبب وراء إنفاق الدول الأفريقية الفقيرة، مثل زيمبابوي ومصر، ملايين الدولارات على توظيف جماعات الضغط السياسي في واشنطن من أجل الدعاية لقضاياهم والحد من ضغوط الكونجرس المزعجة، في حين أن ملوك الدول الخليجية الغنية بالنفط يمتلكون واشنطن فعليًا، ويستقبلون ذوي النفوذ بحفاوةٍ داخل قصورهم لعقد اجتماعاتٍ عالية المستوى دون مجهود يُذكر، وفقًا للكاتب.

مترجم: لديها لوبي قوي.. هل تعرف كم أنفقت السعودية لتحسين صورتها في واشنطن؟

ومع انتشار الشائعات عن الامتيازات التي حصل عليها مسؤولون بارزون في إدارة ترامب من ولي العهد السعودي، وبعد الكشف عن أموال الأوليجاركية الروسية والأوكرانية التي تدفقت إلى حسابات بول مانافورت – المُدان حاليًا – وشركائه وكبرى مكاتب المحاماة التي وقفت في صف الزعيم السلطوي الأوكراني الفاسد سابقًا، يرى كاجان أن ما خفي سيكون أعظم.

وقال كاجان: «إن الدكتاتورية الصينية حظيت بنصيب الأسد في هذا السباق نحو السلطوية؛ إذ لم تُضطر لإنفاق مليمٍ واحدٍ على جماعات الضغط السياسي وتركت المهمة على عاتق الشركات الأمريكية التي ضغطت بقوةٍ لمنح الصين وضعية «الدولة الأولى بالرعاية» ودخول منظمة التجارة العالمية -في محاولةٍ يائسةٍ منها لدخول السوق الصينية. ونجحت تلك الشركات كليًا لدرجة أن الولايات المتحدة لن يكون بمقدورها قريبًا فعل أي شيءٍ حيال السلطة الشمولية العسكرية التي ظهرت مؤخرًا بعكس المتوقع».

وأشار الكاتب إلى أن أحد أسباب تقدُّم الأوتوقراطيين الآن أيضًا هو أن الأمريكيين أنفسهم ليسوا واثقين من مشاعرهم حيال الديمقراطية؛ إذ أصبحت السياسة الأمريكية سياسةً استقطابيةً أظهرت عدم كفاءة البيروقراطيين، كما أن تجاهل العالم لدور الولايات المتحدة مؤخرًا جعل الأمريكيين يلاحظون مدى كفاءة الصينيين وقوة الزعيم فلاديمير بوتين مثلًا؛ مما يدفعهم للشعور بأن أمريكا تفتقر – مثل بقية العالم – إلى زعيمٍ سلطويٍ يُمكنه تخطِّي كل الهراء وإنجاز الأمور. وقال الكاتب: «إن انتشار مثل هذا النوع من المشاعر، التي عادت إلى الوجود الآن مع تراجع الثقة في الديمقراطية،  أدى في ما مضى إلى ظهور أدولف هتلر في ألمانيا وشهرة بينيتو موسوليني في إيطاليا وخارجها».

وبنهاية المطاف، رأى كاجان أن الأوتوقراطية تنجح لأنها تبدو طبيعيةً بالنسبة للبشر بقدر الديمقراطية. ونقل عن الكات في مقاله عن يرى فرانسيس فوكوياما قوله إن البشر لا يسعون إلى الاعتراف بهم فقط، بل يتطلَّعون أيضًا إلى الأمان الذي ينبع من العائلة أو القبيلة أو الأمة، ولا يرغبون أحيانًا في الحصول على حرية الاختيار، بل يُفضِّلون منح السلطة لزعيمٍ قويٍ يَعِدُ بالعناية بهم. ولهذا السبب، «يظل الطريق مفتوحًا أمام الزعماء الدكتاتوريين دائمًا»، كما قال الكاتب.

فوكوياما: لقد فهموا نظريتي خطأً! متى تموت «نهاية التاريخ»؟

واختتم المؤرخ الأمريكي مقاله بالقول: إن استمرار ازدهار الأوتوقراطية في عام 2019 يتوقف على الموقف الذي سيتخذه المؤمنون بالتحرُّرية والديمقراطية، لافتًا في الوقت نفسه إلى أن هناك مؤشراتٌ خطيرةٌ داخل الديمقراطيات المُحتفى بها مثل الهند والبرازيل حول ازدهار الأوتوقراطية.

وعلى عكس حالة الاسترخاء والاستمتاع التي طغت على الأمريكيين والأوروبيين في أعقاب الحرب الباردة، يرى كاجان أننا يجب أن نُواصل القتال لتحيا الديمقراطية، لأن الغابة ستنمو من جديدٍ إذا لم نفعل ذلك.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد