«يشاهد كثير من الناس الذين أعرفهم مسلسل «نتفليكس» «لعبة الحبار (Squid game)»، هذه الدراما المأساوية التي يشارك فيها اللاعبون في نسخة سريالية من ألعاب الأطفال الكورية التقليدية، والتي يُعاقَب الخاسرون فيها بالإعدام حتى لا يتبقى سوى فرد واحد فقط على قيد الحياة». 

هذا ما استهل به عمر الشغري، اللاجئ السوري والناشط في مجال حقوق الإنسان، مقاله الذي نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، والذي تحدث فيه عن ذكرياته المؤلمة في المعتقلات السورية التي أثار شجونها في نفسه مسلسل «لعبة الحبار» ذائع الصيت التي تبثُّه منصة «نتفليكس».

مشاهدة مؤلمة

يواصل عمر قائلًا: يرى أصدقائي هذا المسلسل على أنه فيلم رعب، وتعقيب بشع على الفجوة بين الأغنياء والفقراء في المجتمعات الرأسمالية الحالية. ومن وجهة نظرهم أن ما يأتي في هذا المسلسل محض خيال وأساطير مرعبة. ولكنني فُتِنتُ بهذا المسلسل لأسباب مختلفة تمامًا؛ إذ ذكَّرني بسنوات عمري الثلاث التي أمضيتها في غياهب السجون السورية. ورغم الألم الذي أصابني أثناء المشاهدة، فإنني أردت أن أرى إن كان سيساعدني هذا المسلسل على فهم ما لاقيته خلال تلك السنوات الثلاث.

والمسلسل، الذي يحفل بتفاصيل عالم متقلب ومتوحش، أثار بداخلي مشاعر عنيفة، لكن الحلقة السادسة منه «Gganbu» كانت هي الأصعب. وهي الحلقة التي وضعت اللعبة فيها شخصيات المسلسل في اختبار أكثر وحشية وبربرية، حين وضعت الأصدقاء والحلفاء في مواجهة ضد بعضهم بعضًا. 

وعندما يُطلب من اللاعبين اختيار شركائهم يكون اختيارهم البديهي الأول هو اختيار الشخص المفضل لديهم. ولا يعرفون أنهم سيندمون على اختيارهم هذا لاحقًا. فحين يُعلن عن قواعد اللعبة يكتشف اللاعبون الحقيقة المرَّة: الشريكان يتواجهان وكل من يخسر اللعبة «يُستبَعد».

نسخة من لعبة النظام السوري

يعلّق الكاتب: في داخل سجن صيدنايا السوري السيئ الذكر، عِشتُ نسخة واقعية من هذه الحلقة حين دخل السجانون إلى الزنزانة وطلبوا من صديقي جيهان أن يُسمي أقرب أصدقائه من المساجين. وكنت مستغربًا لماذا لم يُعطهم اسمي، ففي نهاية المطاف كنتُ صديقه هناك لمدة أطول من أي شخص آخر.

ولكن جيهان أخبرهم باسم صديق آخر لنا. ثم ناوله السجَّان مِفكًا وقال له بصوت هادئ: «استخدم هذا المفك لقتل صديقك وإلا سيقتلك. وأمامك 10 دقائق لإنجاز المهمة». أغلق السجّان الزنزانة وذهب بعيدًا، وبدأ صديقنا على الفور بالتوسل لجيهان بأن لا يقتله قائلًا: «إن قتلتني، سييتِّم طفلي». 

لكن جيهان لم يجد مخرجًا آخر من هذا المأزق؛ إذ كان يعلم أن أحباءَه هو الآخر سيعانون جرَّاء موته، وفي الثواني الأخيرة، اتخذ قرارًا بقتل صديقه والعيش بهذا الذنب إلى الأبد. كانت هذه واحدة من أكثر اللحظات رعبًا في حياتي داخل السجن. فقد شاهدتُ واحدًا من أصدقائي يقتل صديقنا الآخر أمام عيني، ومشاهدة مسلسل «لعبة الحبار» أيقظت نواعس الذكريات كلها في مُخيلتي. 

التضحية بالنفس بين الواقع والخيال

يواصل عمر: وفي جزء آخر من الحلقة السادسة، أعاد لي تطور الحبكة الدرامية، الذي شاركَت فيه الشخصيتان الشابتان، ساي بيوك وجي يونج ذكرى لحظة أخرى عشتُها هناك. ففي هذه اللقطة تُقرر جي يونج أن تضحي بنفسها حتى تسمح لساي بيوك بالفوز. إذ كانت تعتقد أن ساي بيوك أمامها مستقبل أفضل وحياة أجمل في انتظارها بعد انتهاء اللعبة، ولذلك سمحت لها بالفوز.

Embed from Getty Images

أضاف الشغري: ذكَّرتني جي يونج بقوة بابن عمي بشير الذي أمضى شهورًا معنا وراء قضبان السجن. وعلى عكس ما حدث مع جي يونج، لم يُوضع بشير أبدًا في اختبار مباشر للتضحية بنفسه، ولكنني أعتقد اعتقادًا جازمًا بأنه لم يكن ليتردد لو وُضِع أمامه هذا الخيار. ولكنه فعل الأمر نفسه على نحو غير مباشر عندما بثَّ القوة في رَوْع الآخرين للثشبُّث بالبقاء على قيد الحياة.

ويستطرد: ومع أنه كان يتضور جوعًا كغيره، إلا أنه شارك طعامه مع أولئك الذين هم أضعف منه بِنية. وتمامًا كما فعلت جي يونج، حافظ على ابتسامته على الرغم من الرعب الذي كان يسري في أوصاله داخل السجن. أتذكره دائمًا جالسًا مُسْلِمًا ذقنه إلى كفيه ويقابل الجميع وعلى وجهه ابتسامته التي استخدمها لمساعدتنا في الحفاظ على إنسانيتنا. 

كان يخبرني باستمرار عن المستقبل المشرق الذي ينتظرني خارج السجن، باذلًا كل ما في وسعه لإعطائي سببًا لأتمسك بحبل الأمل كي أبقى على قيد الحياة. وفي مارس (آذار) 2014 مات بشير بين ذراعي. وعندما كان يحتضر نظر إلي وقال: «مئة وردة»، هدية رمزية تُعبر عن أنقى مظاهر الحب وأسمى آيات الغفران. وفي اعتقادي أصبحت عبارة «مئة وردة» مرادفًا للخير والإيجابية حتى وسط الشر الكبير. 

وعندما شاهدت هذا المشهد في مسلسل «لعبة الحبار»، لم أرَ ساي بيوك وجي يونج، بل شاهدتني أنا وبشير وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة ليودِّع الحياة بين ذراعي.

الإفلات من العقاب

وفي المسلسل يُخاطر ضابط الشرطة النبيل الذي يبحث عن أخيه المفقود بكل شيء ليضع حدًّا لآلة الموت هذه. وما يثير الدهشة أن هناك شخصيات مشابهة لشخصية هذا الشرطي النبيل في الواقع، مثل المنشق المعروف باسم «القيصر» الذي كان يعمل في أحد السجون السورية ونجح في تسريب آلاف الصور للمعتقلين هناك، بحسب تعبير المقال.

Embed from Getty Images

واليوم تستمر لعبة الحبار بالنسخة الخاصة بنظام الأسد التي تُقزِّم مستوى السادية والإجرام المصوَّرة في المسلسل، إلا أنها تبقى دون عقاب. ويصوِّر المسلسل شخصيات تتمرد على الأعمال الوحشية التي تعرضوا لها، وهو الأمر الذي يشفي غليل المشاهدين الذين يتساءلون كيف يمكن لوحشية كهذه أن تفلت من العقاب؟ 

ويختم الكاتب بالقول: ولكن على أرض الواقع، هناك العديد من الأشخاص الرَّاضين تمامًا عن مصالحة النظام السوري المسؤول عن تعذيب عدد لا يحصى من الأشخاص حتى الموت. كل ما يمكنني قوله: إن «الحياة فعلًا تكون أغرب من الخيال في بعض الأحيان».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد