كتب جاكوبو بريسكو – صحافي يعيش في العاصمة البريطانية لندن، ويغطي الأخبار والتحقيقات لمحطة «سي إن إن» إنترناشيونال – تحقيقًا نشره موقع المحطة الإخبارية العالمية، يستقصي فيه تاريخ الطائرة «إس آر-71»، التي لم تزل حتى يومنا هذا أسرع طائرة في العالم، وصاحبة أعلى ارتفاع في الطيران. غير أنه مع ظهور تكنولوجيات جديدة مثل الأقمار الصناعية والطائرات من دون طيار جرى الاستغناء عنها.

ويستهل الكاتب تحقيقه بالإشارة إلى سمات الطائرة الفريدة. فيقول: أثناء الحرب الباردة كان بإمكان هذه الطائرة التحليق بكفاءة أعلى وأسرع من أية طائرة أخرى، وبعد 55 عامًا من رحلتها الأولى لم تزل تحتفظ هذه الطائرة بهذا المركز.

دولي

منذ شهرين
«ذا دبلومات»: قصة تطوُّر أسطولين بحريين.. كيف امتلكت الهند والصين حاملات الطائرات؟

كانت طائرة لوكهيد إس آر-71 – المصممة بسرية في أواخر الخمسينات من القرن الماضي – قادرة على التحليق بالقرب من حافة الفضاء والطيران بسرعة تفوق سرعة صاروخ. وحتى يومنا هذا تحتفظ الطائرة بالأرقام القياسية لأعلى ارتفاع في الطيران الأفقي، وأعلى سرعة لطائرةٍ لا تعمل بقوة صاروخية.

لقد كانت جزءًا من عائلة من طائرات التجسس التي صُمِّمت للمغامرة بدخول أراضي العدو، دون أن يجري إسقاطها أو حتى اكتشافها، في وقت سابق لظهور الأقمار الصناعية والطائرات من دون طيار.

ووظيفة الطلاء الأسود، المصمم لتبديد الحرارة، أكسبها لقب «بلاك بيرد (Blackbird)»، أي الطائر الأسود، واقتران ذلك بالخطوط الأنيقة لجسم الطائرة الطويل، جعلها تبدو مختلفة عن أي شيء أُنتِج من قبل، وهو تصميم لم يفقد أيًّا من تألقه.

أسرع طائرة في العالم

يقول بيتر ميرلين، مؤرخ الطيران ومؤلف كتاب «تصميم «بلاك بيرد» وتطويرها»، في مقابلة عبر الهاتف: «لم تزل تبدو وكأنها شيء من المستقبل، على الرغم من أنها صُمِّمت في الخمسينات من القرن الماضي».

وأضاف ميرلين: «ونظرًا للطريقة التي ينحني بها جسم الطائرة وتقوسات الجناح وتعارِيجه تبدو الطائرة عضوية أكثر من كونها ميكانيكية. وتبدو معظم الطائرات التقليدية وكأن شخصًا ما صنعها، ولكن هذه الطائرة تبدو كما لو كانت قد طوَّرت نفسها بنفسها».

جاسوس لوكالة المخابرات المركزية

ولفت التحقيق إلى أنه في مايو (أيار) 1960 أسقطت طائرة تجسس أمريكية من طراز «يو-2 (U-2)» في المجال الجوي السوفيتي أثناء التقاط صور من الجو. وفي البداية قالت الحكومة الأمريكية إنها طائرة أبحاث مناخية ضلت طريقها، لكن القصة انهارت بمجرد أن نشرت الحكومة السوفيتية صورًا للطيار الأسير، ومعدات المراقبة الخاصة بالطائرة.

Embed from Getty Images

وكان للحادث تداعيات دبلوماسية فورية على الحرب الباردة، وعزز الحاجة إلى نوع جديد من طائرات الاستطلاع التي يمكن أن تطير بكفاءة أسرع وأعلى، وأن تكون آمنة من النيران المضادة للطائرات. وقال ميرلين: «أرادت وكالة المخابرات المركزية طائرة يمكن أن تطير أعلى من 90 ​​ألف قدم، أو ما يقرب من ذلك، وبسرعة عالية وغير مرئية للرادار بقدر الإمكان».

ووقعت مهمة تصميم مثل هذه الآلة الطموحة على عاتق كلارنس كيلي جونسون، أحد أعظم مصممي الطائرات في العالم، وقِسْمه السري المكوَّن من المهندسين في شركة «لوكهيد»، والمُسمَّى «سكانك وركس (Skunk Works)». ويتذكر جونسون – الذي توفي عام 1990، وهو العام نفسه الذي تقاعدت فيه طائرات «بلاك بيرد» من الخدمة – «كان لابد من ابتكار كل شيء. كل شيء بمعنى كل شيء».

وكانت الطائرة الأصلية في عائلة «بلاك بيرد» تحمل اسم إيه-12، وقامت برحلتها الأولى في 30 أبريل (نيسان) 1962. وفي المجموع أُنتِجت 13 طائرة من طراز إيه-12، وكانت الطائرة عبارة عن برنامج وصول خاص وسري للغاية تديره وكالة المخابرات المركزية.

جسم الطائرة مصنوع من التيتانيوم

ونظرًا لأن الطائرة صُمِّمت لتطير بأسرع من ألفي ميل في الساعة، فإن الاحتكاك مع الغلاف الجوي المحيط من شأنه أن يسخن جسم الطائرة إلى درجة من شأنها أن تذيب هيكل الطائرة التقليدي. لذلك كانت الطائرة مصنوعة من التيتانيوم، وهو معدن يُعد قادرًا على تحمل درجات الحرارة العالية، إلى جانب أنه أخف وزنًا من الفولاذ.

غير أن استخدام التيتانيوم يسبب مشاكل أخرى. أولًا كان لابد عن تصنيع مجموعة جديدة كاملة من الأدوات – مصنوعة أيضًا من التيتانيوم – لأن الأدوات الفولاذية العادية تكسر التيتانيوم الهش عند ملامسته. ثانيًا تبين أن الحصول على المعدن نفسه أمر صعب. قال ميرلين: «كان اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية في ذلك الوقت أكبر مورد للتيتانيوم في العالم. وتعين على حكومة الولايات المتحدة شراء الكثير من ذلك، ربما باستخدام شركات وهمية».

وحلَّقت الطائرة الأولى وهي غير مطلية بالمرة، ويظهر أن غشاء جسمها من التيتانيوم الفضي. وطُلِيت باللون الأسود لأول مرة عام 1964، بعد اكتشاف أن الطلاء الأسود – الذي يمتص الحرارة ويطلقها بكفاءة – من شأنه أن يساعد في خفض درجة حرارة هيكل الطائرة بأكمله. وهكذا وُلِدت «بلاك بيرد».

الطائرة نفسها ولكن بأسماء مختلفة

وسرعان ما تطورت طائرة إيه-12 إلى طراز جرى تصميمه ليكون بمثابة طائرة اعتراضية – نوع من الطائرات المقاتلة – بدلًا عن طائرة استطلاع. وعمليًّا كان هذا يعني إضافة صواريخ جو – جو، وقمرة قيادة ثانية، لفرد طاقم لتشغيل معدات الرادار اللازمة. وكانت هذه الطائرة الجديدة، التي بدت متطابقة مع إيه-12 باستثناء مقدمة الطائرة، تسمى يو إف-12.

Embed from Getty Images

ويوضح الكاتب أنه في الوقت الذي ظلت فيه طائرة إيه-12 سرية للغاية، جرى الكشف عن وجود يو إف-12 من قِبل الرئيس ليندون جونسون في عام 1964، وصُمِّمت ثلاث منها، وشُغِّلت من قِبل القوات الجوية الأمريكية. وأُنتِج طراز ثالث في هذا الوقت تقريبًا يسمى إم-21، والذي كان يحتوي برجًا على ظهر الطائرة لتركيب وإطلاق واحدة من أولى الطائرات من دون طيار. كما صُمِّمت طائرتان، لكن البرنامج توقف عام 1966، بعد اصطدام طائرة من دون طيار بالطائرة الأم التي أطلقتها؛ مما أسفر عن مقتل أحد الطيارين.

وكان المشتق النهائي للطائرة إيه-12، مع قمرة القيادة المزدوجة وسعة وقود أكبر، يحمل اسم إس آر-71، وإس آر هي الأحرف الأولى بالإنجليزية لمصطلح «الاستطلاع الإستراتيجي» – وحلقت لأول مرة في 22 ديسمبر (كانون الأول) 1964. وهذه هي النسخة التي ستنطلق لأداء مهام استخباراتية للقوات الجوية الأمريكية لأكثر من 30 عامًا، وبُنِي ما مجموعه 32 منها؛ مما رفع العدد النهائي لعائلة «بلاك بيرد» إلى 50 طائرة.

التخفي قبل الشبح

يضمن جسم الطائرة إس آر-71 بعضًا من المواد المركبة التي جرى استخدامها للمرة الأولى على الإطلاق في طائرة؛ مما جعل رصد رادار العدو للطائرة أمرًا صعبًا. قال ميرلين: «لقد كان الطائرة مخفية تمامًا قبل استخدام كلمة الشبح».

ولأنها تحلق على ارتفاع أعلى مما يمكن أن تصل إليه النيران المضادة للطائرات، وتطير أسرع من الصاروخ، ولا يكاد الرادار يرصدها، كان يمكن لبلاك بيرد أن تدخل المجال الجوي المعادي دون عائق عمليًّا. وأوضح ميرلين أن «الفكرة كانت أنه بحلول الوقت الذي يكتشفها العدو ويطلق صاروخه، تكون بالفعل في طريقها إلى الخروج من مجاله الجوي. ولكن كان هذا قبل أن يكون لدينا روابط بيانات في الوقت الفعلي، لذلك كانت الطائرات تلتقط صورًا على فيلم، وتعيد الفيلم إلى القاعدة، لتُجرى معالجته ودراسته».

تحضير مرهق وقوى عاملة كثيرة

ونتيجةً لذلك لم تسقط طائرة «بلاك بيرد» بنيران العدو. غير أنه كانت هناك مشكلة في التعويل عليها، وفقدت 12 طائرة من 32 بسبب الحوادث. وكانت أيضًا طائرة معقدة فيما يتعلق بتشغيلها وطيرانها. يقول ميرلين: «لقد تطلب الأمر جيشًا من الأشخاص لإعداد الطائرة. وكانت عملية تشغيل «بلاك بيرد» أساسًا لها عد تنازلي، كما هو الحال في المهام المنطلقة إلى الفضاء، لأنه كان هناك كثير من التحضير في كل من تجهيز الطاقم والمركبة، وهو قدر هائل من الجهد والقوى العاملة».

Embed from Getty Images

وكان على الطيارين أيضًا ارتداء ملابسهم بطريقة خاصة؛ بسبب الظروف القاسية الموجودة على ارتفاعات عالية. قال ميرلين: «لقد كانوا يرتدون حلة فضاء في الغالب، وهو الشيء نفسه الذي ستجد لاحقًا أن أطقم مكوك الفضاء يرتدونه. كما أن قمرة القيادة تصبح شديدة الحرارة عند الطيران بسرعات عالية، لدرجة أن الطيارين اعتادوا تسخين وجبتهم في المهام الطويلة عن طريق وضعها وتثبيتها على الزجاج».

ولم تطلق طائرة «بلاك بيرد» فوق المجال الجوي السوفيتي – وهو أمر توقفت الحكومة الأمريكية عن فعله تمامًا بعد حادثة عام 1960 – لكن الطائرات ظلت تلعب دورًا مهمًا في الحرب الباردة، وقامت بمهام في مسارح حرجة أخرى، مثل الشرق الأوسط، وفيتنام، وكوريا الشمالية.

أرقام قياسية

وفي عام 1976 وصلت إس آر-71 إلى الأرقام القياسية التي لم تزل تحتفظ بها: تحلق على ارتفاع مستمر يبلغ 85 ألفًا و69 قدمًا، وتصل إلى سرعة قصوى تبلغ ألفين و193.2 ميلًا في الساعة، أو 3.3 ماخ. وجرى إيقاف البرنامج في عام 1990 – مع إحياء قصير في منتصف التسعينات – بمجرد أن أصبحت التكنولوجيات مثل أقمار التجسس الصناعية والمركبات الجوية من دون طيار أكثر جدوى، وتتيح الوصول الفوري إلى بيانات الاستطلاع.

ويختتم الكاتب تحقيقه بآخر تحليق للطائرة قائلًا: حلَّقت إس آر-71 آخر مرة من قبل وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) عام 1999، والتي استخدمت اثنتين من الطائرات لأبحاث الطيران والفضاء العالية السرعة والارتفاع. ومنذ ذلك الحين وجدت طائرات «بلاك بيرد» الباقية طريقها إلى المتاحف.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد