في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، سافر مندوب شركة سيلبرايت الإسرائيلية إلى الرياض قادمًا من لندن، من أجل اختراق هاتف خلوي من نوع سامسونج بناءً على طلب من مكتب المدعي العام السعودي. 

نشرت صحيفة «هآرتس» تقريرًا للكاتب جو مجيدو كشف فيه عن استفادة السعودية من خدمات شركة إسرائيلية لاختراق الهواتف الخلوية الخاصة بمعارضيها، ويأتي هذا الكشف في وقت يتصاعد فيه تيار تطبيع العلاقات مع إسرائيل في دول الخليج العربي.

استهل الكاتب تقريره قائلًا: في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، حطت الطائرة التي يسافر على متنها مندوب شركة سيلبرايت الإسرائيلية في مطار الملك خالد الدولي بالعاصمة السعودية الرياض، وقد وصل المندوب، الذي يحمل جنسية أجنبية، والذي يعرف موقع «ذا ماركر» العبري (الملحق الاقتصادي لصحيفة هآرتس) هويته، على متن رحلة تجارية قادمة من لندن وكانت مهمته اختراق هاتف خلوي بحوزة وزارة العدل السعودية. واتفقت الشركة على كافة التفاصيل قبل وصول القرصان (المخترق) إلى أراضي المملكة.

كيف دخل المُخترق إلى السعودية لإنجاز مهمته؟

وذكر التقرير أن مسؤولي الشركة الإسرائيلية طالبوا النظام السعودي أن يستقبل مندوبَهم مندوبٌ حكومي في مطار الرياض، وأصروا على ضرورة اجتيازه لإجراءات مراجعة جوازات السفر دون ختم جواز سفره أو فحص الأجهزة الإلكترونية التي سيجلبها معه، وألا يُسمح لأحد باستخدام تلك الأجهزة سواه كما لا تخرج من حوزته.

واتفقت الشركة مسبقًا على نقل المُختَرِق على الفور إلى غرفة في فندق معزول، ويتعهد السعوديون بعدم وضع كاميرات في هذا الفندق، حيث نفَّذَّ مهمته باختراق الهاتف الخلوي ونسخ المعلومات التي بداخله. وبعد إنجاز مهمته، عاد مندوب الشركة إلى المطار ومنه إلى لندن.

ولفت التقرير قائلًا: صحيحٌ أن شركة سيلبرايت ليست الشركة الإسرائيلية الوحيدة التي تُزود النظام السعودي بخدمات القرصنة أو خدمات الأمن السيبراني الأخرى، لكنها على ما يبدو الشركة الوحيدة التي تُنفِّذ ذلك دون أي إشراف أو مراقبة من وزارة الدفاع الإسرائيلية.

عربي

منذ شهرين
«بيزنس إنسايدر»: كيف يثبّت ابن سلمان حكمه بالإخفاء القسري ومحاولات الاغتيال؟

من يراقب شركة سيلبرايت

وفي الآونة الأخيرة، اكتُشف أن شركة سيلبرايت ليست مُسجلة باعتبارها شركة مُصدرة للأغراض المتعلقة بالأمن، كما يقتضي القانون، نظرًا للطبيعة غير الأمنية لأجهزة اختراق الهواتف- بحسب زعمهم. ونتيجة لذلك، فإن الشركة الإسرائيلية ومعداتها لا تخضع لإشراف شعبة مراقبة الصادرات الأمنية التابعة لوزارة الدفاع- وهذا ما وصفه النقاد بأنه فشلٌ طال كلًا من الشركة ووزارة الدفاع أيضًا.

وأوضح التقرير أن سيلبرايت، التي قالت إنها تزود قوات الشرطة وأجهزة الأمن في 150 دولة بخدماتها، صُنِّفت، حتى الآن، على أنها مُصدرة للخدمات المدنية ثنائية الاستخدام تحت إشراف وزارة الاقتصاد الإسرائيلية. لكن الوزارة قالت في أغسطس (آب) إنها ليست مسؤولة عن الإشراف على أي خدمات تُقدمها الشركة لأجهزة الشرطة، بعد ادعاءات تقول إن الشركة تُقدم خدمات إلى شرطة هونج كونج جزءًا من حملتها القمعية ضد المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية، وألقت المسؤولية في ذلك على وزارة الدفاع التي بدورها ترفض التعليق على استفسار حول عدم مطالبة شركة سيلبرايت بالتسجيل مُصدرًا دفاعيًّا.

 

السعودية

وردًا على المقال الذي كشف عن تزويد الشركة للخدمات لشرطة هونج كونج، أفادت سيلبرايت قائلة إنها تُوفر تقنيتها «للجهات المسؤولة فحسب» وتُنفذ «مجموعة من الإجراءات للطريقة المتبعة في استخدام خدماتنا».

اختراق سامسونج 

وأضاف التقرير قائلًا: أن الشركة الإسرائيلية طوَّرت نظام استخلاص يُسمى UFED، والذي يمكن استخدامه في الاحتياجات المدنية مثل برامج النسخ الاحتياطي على الهواتف الذكية، ويمكن استخدامه أيضًا في الإجراءات المتعلقة بالأمن الداخلي والعسكري، مثل التحقيقات.

وبين التقرير أن تقنيات الشركة لا تتيح اختراق الهواتف الذكية ونسخ كافة المعلومات المحفوظة عليها، ومنها المراسلات ومحفوظات الموقع والملفات الصوتية ومقاطع الفيديو والصور فحسب، بل بإمكانها أيضًا استعادة المعلومات التي حُذفت من الهاتف. وعلى عكس التكنولوجيا الخاصة بالعديد من الشركات الإسرائيلية الأخرى التي عملت أيضًا في السعودية، فإن خدمات سيلبرايت لا تتضمن الاختراق عن بُعد، لكن برامجها تستخدم لاستخلاص معلومات الهواتف الموجودة في حوزة عملائها.

وألمح التقرير إلى أن الاختراق الذي كشفت عنه «ذا ماركر»، كانت حالة اختراق لهاتف سامسونج إس10 نُفِّذت بناءً على طلب مكتب المدعي العام في الرياض. لكن «ذا ماركر» لا يعرف هوية مالك الهاتف، وثمة شك أن تكون سيلبرايت على علم بهويته أيضًا. وبقدر ما هو معروف، أن الشركة لم تستقص لمعرفة هوية المالك الأصلي للهاتف، لكنها اشترطت لتنفيذ خدمة الاختراق، تعهد النظام السعودي أن يكون استيلاؤهم على الهاتف واختراقه وفق القانون السعودي.

القانون السعودي يقرره ابن سلمان 

ومع ذلك، عندما قدَّمت الشركة خدماتها للسعوديين، كانت طبيعة نظام ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي يقرر في السنوات الأخيرة بدرجة كبيرة ما هو القانون السعودي؟ وكيف يُنفذ؟ حقيقة معروفة جيدًا للعالم بأسره، وهذا ما أثار العديد من التساؤلات حول قانونية هذه الممارسة.

وأشار التقرير إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحلفائه، ومنهم إسرائيل، بذلوا جهودًا كبيرة للتهرب من التساؤلات المثارة حول حملات الاضطهاد والاعتقالات، بل وأحيانًا البراهين على ممارسة نظام ابن سلمان التعذيب ضد معارضيه. لكن الدفاع عن الرياض، في نهاية عام 2018، بعد اغتيال جمال خاشقجي المعارض للنظام في تركيا، أصبح أكثر صعوبة.

السعودية - إسرائيل - اختراق الهواتف

وكما كان معلومًا أن شركة سيلبرايت قدمت خدماتها للسعوديين في ذلك الوقت، قامت مجموعة قوامها نحو 15 شخصًا من الموالين لولي العهد باغتيال خاشقجي وقطعوا جثته، وتخلصوا منها فيما بعد في عملية نُفذت في مبنى القنصلية السعودية في إسطنبول.

اختراق الهواتف والروابط الإسرائيلية

واستطرد التقرير قائلًا: إنه بعد اكتشاف هذه العلاقة، سُلطت الأضواء على عملية هجومية أخرى للشركة انطلقت من إسرائيل. إذ ادعى أحد المقربين من خاشقجي ومختبر سيتيزن لاب، ومقره في مدينة تورونتو الكندية، أن الهاتف الخلوي الخاص برفيقه تعرض للاختراق وأشار بإصبع الاتهام إلى شركة إن إس أو/ NSO الإسرائيلية، التي زودت نظام ابن سلمان بخدمات اختراق الهواتف الخلوية عن بُعد، ونفت شركة إن إس أو مزاعم تورطها في عملية الاغتيال لكنها استمرت في تقديم الخدمة للسعوديين.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2019، بعد عام من اغتيال خاشقجي، وبينما كانت سيليبرايت على اتصال بالسعوديين بشأن عملية الاختراق، التي نُشرت تفاصيلها هنا لأول مرة، نشر موقع يديعوت أحرنوت الإخباري الإسرائيلي مقابلة مع الرئيس التنفيذي لشركة سيليبرايت، يوسي كارميل. وعندما سُئل عن الاختلافات الأخلاقية بين الخدمات التي تقدمها شركتي إن إس أو وسيليبرايت، عبر عن غضبه إزاء المقارنة، قائلًا إن شركته تعمل في قطاع إنفاذ القانون «وسلطته محدودة جدًا، على عكس عالم عملاء شركة إن إس أو وغيرها، إذ ينفذون أمورًا غير قانونية وأخرى في الخفاء. أما شركتنا فتعمل في النطاق الصحيح بالكامل وضمن اللوائح القضائية، كما أننا لا نزود الكيانات الخاصة أو وكالات التجسس بأي أجهزة اختراق».

من مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى لوكاشينكو

تأسست سيليبرايت في عام 1999. وركَّزت في عملها، في بداية نشأتها، على النسخ الاحتياطي ومزامنة البيانات بين الهواتف. وفي عام 2007، بيعت سيليبرايت إلى الشركة اليابانية صن كوربوريشن مقابل 17 مليون دولار. وأبقت على عمليتها الإسرائيلية، المتمركزة في مكاتبها في ضاحية بيتاح تكفا في مدينة تل أبيب، حيث يعمل مئات الموظفين. وفي الفترة التي بيعت فيها للشركة اليابانية، بدأت سيليبرايت بالتركيز على المجال المعروف باسم الأدلة الجنائية للهاتف الخلوي.

ونوه التقرير أنه مع تسويق الشركة خدماتها للعملاء ذوي المسؤوليات، واستخدمت منتجاتها أيضًا في أغراض صالحة، مثل حل الجرائم وعمليات مكافحة الإرهاب. واجتذبت الشركة في عام 2016، قدرًا كبيرًا من الاهتمام العالمي بعد مساعدتها مكتب التحقيقات الفيدرالي في الولايات المتحدة على اختراق جهاز آيفون لمنفذ عملية إرهابية أطلق النار على المركز الإقليمي الداخلي في سان بيرناردينو بكاليفورنيا، ما أسفر عن مقتل 14 شخصًا.

السعودية

ورجَّح التقرير أن تكون هذه العملية، التي تقول التقارير إن مكتب التحقيقات الفيدرالي دفع 900 ألف دولار مقابل تنفيذها، سببًا في استغناء الهيئة المسؤولة عن تنفيذ القانون عن الاستمرار في متابعة الإجراءات القانونية التي حظيت بتغطية إعلامية كبيرة، والتي كانت تسعى إلى إجبار شركتي آيفون وآبل على منح مكتب التحقيقات الفيدرالي حق الوصول إلى المعلومات الموجودة على الهاتف.

خدمة الأنظمة القمعية

وفي الآونة الأخيرة، ذكر تقرير لصحيفة هآرتس أن سيلبرايت سوَّقَت خدماتها لنظامين يقمعان بشدة الاحتجاجات الشعبية ضدهم، وهما بيلاروسيا وهونج كونج. إذ كان ديكتاتور بيلاروسيا، ألكسندر لوكاشينكو، يقمع المظاهرات الحاشدة التي اندلعت عقب ادعاءات بتزوير انتخابات الشهر الماضي، والتي تطالب بتغيير النظام. وشن ألكسندر حملة اعتقالات طالت آلاف النشطاء بمن فيهم قادة الاحتجاجات في محاولة من السلطات لوقف المظاهرات، وهذا ما أجبر بعض القادة على مغادرة البلاد.

أما بالنسبة لهونج كونج، التي تُعد جزءًا من محاولة الصين لفرض مزيد من السيطرة على المنطقة، والتي تضمنت منع حرية التعبير السياسي، وسن قانون أمني يُصنّف في بعض بنوده أنشطة الاحتجاج الأساسية على أنها أعمال إرهابية.

وتابع التقرير قائلًا: صحيحٌ إن شركة سيلبرايت زودت شرطة هونج كونج بخدماتها من قبل، لكن تقنيات الشركة استمرت في خدمة جهاز الشرطة حتى عند مصادرة هواتف الآلاف من المحتجين المحتجزين. إذ اخترقت بعض الهواتف باستخدام تقنيات الشركة، بما في ذلك هاتف أحد قادة الاحتجاج، جوشوا وونج، كما توضح المستندات المرفقة في الالتماس الذي قدمه مؤخرًا المحامي إيتاي ماك إلى المحكمة في إسرائيل.

وتواصل المحامي ماك، في أغسطس، مع مديرية التجارة الخارجية في وزارة الاقتصاد الإسرائيلي، التي تشرف على عمليات شركة سيلبرايت، للمطالبة بوقف تصدير خدمات الشركة إلى هونج كونج. ورد مدير المديرية، أوهاد كوهين، ردًا مفاجئًا كشف خلاله أن الأنشطة «المدنية» للشركة ليست خاضعة للرقابة. إذ قال كوهين: «إن مسؤولية مراقبة الصادرات من صلاحيات قوات الشرطة أو الأجهزة الأمنية، وبالتالي فإن سلطة مراقبة هذه الصادرات، بموجب القانون، من اختصاص وزارة الدفاع». ومن ناحية أخرى، لم تحاول الشركة ولا وزارة الدفاع حتى الادعاء أن الشركة تخضع لرقابة من هذا القبيل.

وأكمل التقرير قائلًا: إن المحامي ماك ومعه قرابة 60 من نشطاء حقوق الإنسان الإسرائيليين قدموا دعوى إدارية إلى المحكمة المحلية في تل أبيب، طالبوا فيها وزارة الدفاع بمراقبة أنشطة سيلبرايت وإصدار أمر للشركة بالتوقف عن تزويد حكومة هونج كونج بخدماتها.

السعودية

الشركة تُفند الادعاءات 

وردًا على تقرير هآرتس عن تزويد الشركة سلطات هونج كونج بخدماتها، قالت شركة سيليبرايت «إنها تُطور تقنية تساعد هيئات تنفيذ القانون على جمع الأدلة الرقمية وتسريع التحقيقات المُعقدة بموجب القانون. إن التكنولوجيا الخاصة بشركتنا تخدم 154 دولة وتمكنت من إثبات الإدانة في أكثر من 5 ملايين قضية من الجرائم الخطيرة، مثل: القتل والاغتصاب والاتجار بالبشر والتحرش الجنسي بالأطفال».

وتتابع الشركة: «نحن لا نقدم أي معلومات عن عملائنا وطبيعة أنشطتهم. كما أننا نوفر خدماتنا وحلولنا للهيئات والأجهزة الرسمية وحدها وننفذ مجموعة من الإجراءات لضمان الوسيلة المتبعة في استخدام خدماتنا. وبالإضافة إلى ذلك، نحن نعمل وفق سياسة واضحة وقواعد دولية معترف بها من أجل منع أي علاقات تجارية مع الجهات الخاضعة لقيود دولية».

واستشهد التقرير في ختامه بما ردَّت به وزارة الدفاع للتعليق على ما سبق قائلة: «إنها لا تكشف عن معلومات تتعلق بسياسة التصدير الدفاعي والأمني، ولا تُعلق على تراخيص شركات معينة أو حالات محددة سُجلت باعتبارها شركات مُصدرة، وذلك لاعتبارات أمنية ودبلوماسية واستراتيجية».

دولي

منذ 8 شهور
«ذي أتلانتك»: هل تسامح أمريكا محمد بن سلمان على اختراق هاتف بيزوس؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد