أثناء قيام الحفار الميكانيكي بحفر خنادق متوازية في الأرض الرملية، أخذ متخصصو الطب الشرعي في تفحص أعماق التربة بحثا عن العظام البيضاء.

لقد ارتُكِبَت المجازر في سربرينيتشا منذ 20 عامًا تقريبا، ولكن المكان لا يزال يشهد بالجريمة التي ترفض أن تتوارى في الماضي. إن بعض الجرائم كبير جدا، مدمر جدا، وصادم جدا، لدرجة أنها لا تُنسى بمرور الزمن. يتسرب الألم عبر العقود والأجيال. على الأقل هذا ما يشعر به الناجون من المذبحة وعائلات القتلى الذين يتجمعون حول المكان، في انتظار معرفة عظام من هي التي ستظهر.

في يوليو 1995، تم إعدام أكثر من 8000 رجل وصبي مسلم في الحقول المحيطة بسربرنيتشا. توجه السائق وضابط الشرطة والمحققون إلى مقهى محطة البنزين القريبة للاستراحة. وكان معهم عمر ماسوفيتش، رئيس معهد الأشخاص المفقودين في البوسنة، الرجل المكلف من قبل الدولة بمهمة لا نهاية لها.

وفقا لما ذكره معهد ماسوفيتش، تم العثور على بقايا 7100 من القتلى من مجموع 8372 في عداد المفقودين. اللجنة الدولية للأشخاص المفقودين (ICMP)، التي تساعد في أعمال التعرف على الحمض النووي، لديها أرقام مماثلة. وهكذا، لايزال 1200 شخص مفقودين، ويبقى أقاربهم في عذاب دائم.

لكن هذه الجثث الأخيرة هي الأصعب في العثور عليها. بعد مذبحة سربرنيتشا، أمرت قيادة الحرب بصرب البوسنة بنبش القبور وإعادة دفن الجثث في محاولة لإخفائها. تم إنجاز المهمة بالجرافات والشاحنات، مما تسبب في تمزق الجثث أثناء هذه العملية.

يقول ماسوفيتش:

 نحن الجيل الأول في الحضارة الإنسانية التي يتم فيها دفن الجثث ثم نبش قبورها وبعثرتها

إن اكتشاف عظام جديدة يمكنه أن يجلب السلام إلى بعض الأسر بينما يحرم منه آخرون. إذا كانت تلك العظام تخص شخصا قد تم بالفعل العثور على جزء من بقايا جثته، تواجه الأمهات والأرامل في هذه الحالة اختيار ترك العظام الجديدة في المقابر الجماعية، أو نبش قبر الابن أو الزوج حتى يمكن أن يعاد دفن عظامه معا. وهكذا، يمكن لنفس العذاب أن يتكرر مرارا.

أما بالنسبة لهجرا كاتيك، فهي تتمنى لو منحت الفرصة لاختيار مكان لدفن ابنها، نينو، الذي اختفى في سن الـ 26. كان يعمل بإذاعة المدينة، وكان هو من أرسل نداءاتها اليائسة الأخيرة لطلب المساعدة. عندما سقطت سريبرينيتشا، كان واحدا من آلاف الرجال الذين اختاروا الفرار إلى الجبال بدلا من الوثوق في القوات الصربية أو مبعوثي الأمم المتحدة المفترض بهم حمايتهم.على طول الطريق، كان على الهاربين عبور خطوط الجبهة الملغومة، ومواجهة كمين تلو الآخر في حين قصفتهم قذائف الهاون والمدفعية من خلال الأشجار من حولهم.

لا زالت تجري إزالة الألغام من الغابة، وفي هذه الأثناء، يتم العثور على المزيد من العظام المتناثرة. قيل لكاتيك أن رفات خمسة أشخاص قد عثر عليها في الأشهر الأخيرة، تم التعرف على اثنين فقط حتى الآن. وقالت إنها تعتقد أن نينو قد يكون أحد الثلاثة الباقين.

“أنا أعيش في انتظار مكالمة هاتفية. في كل عام أظن أن هذا العام سوف أدفن ابني”. لقد مرت بتجربة الشعور بمزيج من اليأس والراحة، حينما تلقت مكالمة عن زوجها، جونوز، الذي أصيب بطلق ناري في واحدة من عمليات الإعدام الجماعية، والذي عثر عليه في عام 2005 مع العديد من الجثث تحت كومة قمامة في بلدة كوزلوك. وقالت انها قد تركت مساحة بجوار زوجها لابنهما.

إنه لأمر فظيع، ولكن أود لو أن نينو كان في المقبرة الجماعية. أستيقظ في كل ليلة أفكر به. بالنسبة لنا، إنه ليس حدثا تاريخيا، إنما نشعر وكأن ذلك قد حدث بالأمس.

في عام 2012، ذهبت إلى الغابة مع أحد أصدقاء نينو، كان على استعداد لتحمل المخاطر، وقالت أنه أخذها إلى مكان قيل إن نينو شوهد فيه جريحا من قذيفة هاون. لكنها لم تجد شيئا. ولكن أثناء عودتها، وجدت جمجمة بجوار جدول ماء، فوضعتها في حقيبة و أخذتها معها، وبقيت عندها 18 شهرا قبل أن يأتي أحد ليتسلمها. ولكنها لم تكن جمجمة نينو، فقد كانت لصبي في سن المراهقة.

إن بلدية سريبرينيتشا هي واحدة من عدد قليل جدا من البلديات المختلطة في جمهورية صربيا، النصف الصربي من البوسنة التي مزقها التطهير العرقي، بسبب الأعداد الكبيرة من البوشناق (مسلمي البوسنة) الذين أصروا على العودة، والدرجة غير العادية من الحماية الدولية التي حصلوا عليها من المجتمع الدولي. إنها المدينة الوحيدة في صربيا التي يرأسها بوسني مسلم، ويرجع ذلك إلى أن حتى تلك الأسر البوسنية التي لم ترجع أصرت على التسجيل للانتخابات البلدية لهزيمة الصرب، الذين يشكلون 55٪ من السكان.

يرفرف علم البوسنة خارج قاعة مدينة سريبرينيتشا، ويعمل نائب رئيس البلدية الصربي ومسؤولون صرب آخرون جنبا إلى جنب مع زملائهم البوشناق. ولكنه تعايش سطحي. في مكتب نرمين أليفوكوفيتش، كبير مستشاري رئيس البلدية، لا يوجد ما يظهر أن أي شيء خارج عن المألوف حدث في سربرنيتشا. يقول أليفوكوفيتش: “يمكنك التحدث عن أي شيء ولكن عندما نبدأ الحديث عن 1995، يتوقف الحديث. قبل كل ذكرى ليوم 11 يوليو، يمكنك أن تشعر بتصاعد التوتر. يبدأ الصرب بالانزواء اجتماعيا ويتجنبون الحديث أو التواجد معنا”.

أما ميلوس ميلوفانوفيتش، رئيس المجلس البلدي الصربي، فقال أنه ليس لديه النية لحضور الاحتفالات بمناسبة الذكرى العشرين لمذبحة سربرنيتشا. يقول ميلوفانوفيتش: “إن البوشناق لا يذكرون أبدًا الضحايا الصرب”.

وقد بدأ الصرب يقيمون احتفالات لتخليد ذكرى قتلاهم في شمال شرق البوسنة، الذين يقدر عددهم بـ 3700 على مدار الحرب، معظمهم من الجنود. يشكك ميلوفانوفيتش في أعداد الضحايا من البوشناق، بالرغم من كونه جندي سابق، وقد شارك لواؤه في عمليات الإعدام الجماعية، لكنه يقول أنه تم نقله إلى جهة أخرى أثناء سقوط سربرنيتشا، ولم يكن موجودا في أثناء المذابح.

زعيم صرب البوسنة ميلوراد دوديك، يصر على التشكيك في حقيقة مذابح سربرنيتشا. ففي الشهر الماضي، أطلق عليها “أكبر خدعة في القرن 20″، ويؤيده في ذلك القوميون في صربيا وفي موسكو، التي تمنع حاليا قرار مجلس الأمن الدولي لإعلان مذابح سريبرينيتشا جريمة إبادة جماعية.

تقول لارا نتلفيلد، أستاذة العلاقات الدولية في جامعة لندن: “عشرون عاما مرت على جريمة الإبادة الجماعية، وتستمر صربيا وجمهورية صربسكا في إذلال وتقويض حقوق الناجين من سريبرينيتشا”.

أما رفيق هودزيتش، رئيس الاتصالات في المركز الدولي للعدالة الانتقالية في نيويورك، فيصف بلاده بأنها “لا تزال تهيمن عليها الحرب” حيث يضطر أسر الضحايا “لتحمل العزلة مع عدم الاعتراف بحقوقهم وقلة العدالة، وذلك بسبب صناعة الخوف والكراهية”.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد