نشرت صحيفة «ذا ناشونال» الأسكتلندية مقالًا للكاتب أنجوس روبرتسون عن الإبادة الجماعية التي وقعت في بلدة سريبرينيتشا في البوسنة قبل 25 عامًا مضت، وضرورة العمل على عدم تكرار هذه الذكرى الأليمة مرة أخرى.

يقول الكاتب: قبل 25 عامًا ارتُكبت إبادة جماعية في أوروبا. وبعد مضي أربعة عقود من الإبادة المُمنهجة لليهود الأوروبيين على أيدي النازيين، عانت القارة مجددًا جروحًا مماثلة إثر أعمال الإبادة الجماعية التي ارتكبت ضد أناس لمجرد أنهم مسلمون.

على مدار عدة أيام في عام 1995، قتلت القوات الصربية البوسنية أكثر من ثمانية آلاف من الرجال والفتيان العُزّل. وكان كل هؤلاء الضحايا يعيشون تحت حماية الأمم المتحدة في بلدة سريبرينيتشا.

واليوم بعد مضي ربع قرن من الزمان، تنظم البوسنة والهرسك وسائر دول العالم بعض الفعاليات إحياءً لذكرى الضحايا، ولزيادة الوعي وضمان عدم تكرارها مرة أخرى.

«تطهير عرقي».. تعبير مخفف عن المذبحة الجماعية

يشير الكاتب إلى أنه بالنسبة للشباب الذين لم يعاصروا الحرب في يوغسلافيا سابقًا، من الصعب فهم الوحشية التي وقعت في منطقة البلقان خلال بداية التسعينات من القرن الماضي.

إذ حمل الثوار الصرب الذين رفضوا قبول استقلال البوسنة والهرسك السلاح في الجمهورية متعددة الجنسيات، وحاولوا اقتطاع أراضيهم عنوة عن طريق «التطهير العرقي»، وهو تعبير مُلَطَّف عن سوء المعاملة والقتل الذي أدى إلى طرد مسلمي البوسنة من منازلهم وقراهم ومدنهم.

وفي شرق البوسنة والهرسك، حيث تقع بلدة سريبرينيتشا والقرى المحيطة بها في وادي درينا، حاصرت القوات الصربية المنطقة التي تتمتع بأغلبية مسلمة.

Embed from Getty Images

أما ما حدث خلال الحرب فكان موضوعًا للعديد من التقارير الدولية التي جرى التحقق منها والقضايا المنظورة أمام المحاكم الدولية: «فقبل أكثر من ثلاث سنوات من حدوث الإبادة الجماعية في سربرنيتشا عام 1995، دمر القوميون من صرب البوسنة – بدعم لوجستي، ومعنوي، ومالي، من صربيا والجيش الشعبي اليوغوسلافي – 296 قرية يقطنها في الأغلب مسلمون بوسنيون في المنطقة الكائنة حول سريبرينيتشا؛ مما أدى إلى اقتلاع نحو 70 ألف مسلم بوسني قسرًا من منازلهم، وذُبح ما لا يقل عن 3166 مسلمًا بوسنيًا (حالات وفاة موثقة) من بينهم العديد من النساء، والأطفال، وكبار السن».

قتل عمد على أساس الهوية

ويصف الكاتب الوضع قائلًا: بعد محاولة تجويع سكان سريبرينيتشا التي اجتاحها عشرات الآلاف من اللاجئين من المنطقة المحيطة، استولت قوات صرب البوسنة والقوات شبه العسكرية الصربية على «المنطقة الآمنة» التابعة للأمم المتحدة بالقوة، دون أية مقاومة من قوة الحماية التابعة للأمم المتحدة.

وقُتل 8372 رجلًا وصبيًا عُزّل دون محاكمة في الفترة ما بين 11 إلى 25 يوليو (تموز) عام 1995. وأصبحت المشاهد داخل الجيب السابق وحوله عصيَّة على الوصف، إذ حفلت بمطاردة الفارين، واغتصاب النساء ، وقتل الأطفال، وإطلاق النار الجماعي.

في عام 2001، قضت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة بأن مذبحة سربرينيتشا عام 1995 كانت إبادة جماعية. وأكد رئيس المحكمة تيودور ميرون في قضية لاحقة أن مذبحة سربرينيتشا كانت إبادة جماعية.

وقرر رئيس المحكمة أنه «من خلال سعيها إلى القضاء على جزء من مسلمي البوسنة، ارتكبت قوات صرب البوسنة إبادة جماعية؛ إذ استهدفت 40 ألف مسلم بوسني يعيشون في سريبرينيتشا بهدف القضاء عليهم، وكانت هذه المجموعة بمثابة رمز للمسلمين البوسنيين بوجه عام.

وجردت قوات صرب البوسنة جميع السجناء المسلمين الذكور، العسكريين منهم والمدنيين، المسنين والشباب، من متعلقاتهم الشخصية وهويتهم، وقتلوهم عمدًا بوتيرة ممنهجة على أساس هويتهم فقط».

حتى لا تتكرر المذابح

ويضيف الكاتب: على مر السنين، ساعد كثيرون في أسكتلندا الناس في البوسنة والهرسك، واستأنفوا بذل الجهود الخيرية عبر «هيئة مساعدات إدنبره المباشرة» والمتطوعين من جميع أنحاء البلاد الذين أرادوا مساعدة السكان المدنيين في سراييفو.

وقُتلت عاملة الإغاثة الأسكتلندية كريستين ويتكت بنيران قناصة خارج العاصمة المحاصرة، أما زوجها آلان، الذي توفي قبل أسابيع قليلة، فواصل التفاني في عمله الخيري بالبوسنة والهرسك طوال حياته.

ويشغل صهره ديفيد هاميلتون، الذي كان أيضًا في قوافل المساعدة البوسنية، الآن منصب سكرتير منظمة «تذكروا سريبرينيتشا»، المؤسسة الخيرية التي ترأسها مدير الجمعية العامة السابق لكنيسة أسكتلندا لورنا هود.

Embed from Getty Images

ويتابع الكاتب: انضم كلاهما إليّ في أول وفد أسكتلندي ترأسته تحت رعاية مؤسسة «تذكروا سريبرينيتشا» الخيرية إلى البوسنة والهرسك في عام 2014. وبصفتي صحفيًا غطى الحرب في يوغوسلافيا سابقًا، كنت على صلة وثيقة بالمنطقة منذ الحرب، تمامًا مثل ديفيد برات، الصحافي المهتم بالشؤون الدولية الأسكتلندية، والذي كان أيضًا جزءًا من الوفد (الإنساني).

واستمرت الزيارات إلى سريبرينيتشا بانتظام من أسكتلندا منذ ذلك الحين وشملت الوزير الأول (رئيس الوزراء) نيكولا ستورجون، وزعيمي حزبي المحافظين والعمال السابقين روث ديفيدسون وكيزيا دوجدال.

وعُقدت فعاليات إحياء ذكرى سربرينيتشا في البرلمان الأسكتلندي، وكاتدرائية سانت جايلز، وبوت هاوس (المقر الرسمي لرئيس الوزراء الأسكتلندي). وجاء الناجون من الإبادة الجماعية، مثل حسن حسنوفيتش، إلى أسكتلندا ليدلوا بشهادتهم في المدارس الأسكتلندية التي تقدم دروسًا تعليمية تساعد في إطلاع الأجيال القادمة على الأحداث المأساوية.

ومع الاحتفال بالذكرى السنوية الخامسة والعشرين للإبادة الجماعية خلال الأسابيع المقبلة، من المهم دعم عمل المؤسسات الشبيهة بـ«تذكروا سريبرينيتشا» الأسكتلندية الخيرية، و«وقار عزمي» و«ريساد تربونجا» والزملاء في «تذكروا سريبرينتشا» البريطانية.

ويختم المقال بالقول: لقد مضى أقل من عام منذ منح جائزة نوبل في الأدب لمنكر الإبادة الجماعية الأديب بيتر هاندكه. ومن خلال الجهل والإنكار سوف ننسى دروس التاريخ القيمة، ويُكتب علينا تكرار أسوأ المآسي الإنسانية. لذا يجب ألا ندع ذلك يحدث.

منطقة الشرق

منذ 6 شهور
تجربة الروهينجا والإيغور في الشتات.. كيف أسمعوا العالم أصواتهم؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد