771

في مقال نشره موقع «بوليتيكو» الأمريكي، تحدثت الكاتبة جريس كينان، ابنة الدبلوماسي الأمريكي السابق جورج فورست كينان، يتضمن جزءًا من كتابها «ابنة الحرب الباردة» الذي يتحدث عن انشاق ابنة الديكتاتور السوفيتي جوزيف ستالين وسفرها إلى الولايات المتحدة.

تحكي جريس في الكتاب عن والدها الدبلوماسي جورج ف. كينان، وتقول كان يكره الهاتف؛ لذلك عندما اتصل بها في مارس (آذار) عام 1967، علمت أنه أمر هام. أراد والدها إخبارها أن وزارة الخارجية الأمريكية كلفته بالذهاب إلى سويسرا في مهمة سرية ليلتقي بامرأة فرّت من الاتحاد السوفيتي وزعمت أنها ابنة الديكتاتور جوزيف ستالين.

على الرغم من كونه متقاعدًا في ذلك الوقت، اختير كينان لهذه المهمة لمعرفته بتاريخ عائلة ستالين، وقدرته على طرح الأسئلة المناسبة. تقول جريس إن والدها كان سعيدًا لعودته من خلال هذه المهمة. في اليوم التالي، وعلى متن طائرة خاصة، سافر كينان إلى جنيف. حكى كينان إلى ابنته عن هذه الرحلة بعد عودته، وكان قد تأثّر كثيرًا بسفيتلانا ستالين، وتعاطف معها كثيرًا في وحدتها.

عندما التقى كينان بالابنة الوحيدة لستالين، وكانت وقتها في الحادية والأربعين من عمرها، أعربت عن رغبتها في اللجوء إلى الولايات المتحدة. عرض كينان عليها إقامة هادئة في مزرعة العائلة في بنسلفانيا، لكنها رفضت. كانت سفيتلانا قد وضعت خطة بالفعل للعيش مع مترجمتها بريسيلا جونسون في جزيرة لونج آيلند بنيويورك. كانت جونسون قد ترجمت مذكرات سفيتلانا بعنوان «عشرين رسالة إلى صديق» والتي دوّنت فيها عن حياتها داخل دائرة ستالين، والتي لاقت اهتمامًا كبيرًا عند نشرها في الولايات المتحدة فيما بعد.

استقبال حار

كان هناك اهتمام كبير بانضمام سفيتلانا إلى الولايات، والذي تحكيه جريس قائلة «سافرت من كاليفورنيا إلى مطار جون إف كينيدي في نيويورك لأكون مع والداي وشقيقتي جوني وقت وصولها -سفيتلانا- في 21 أبريل (نيسان)، الأمر الذي ظل سرًا حتى اللحظة الأخيرة. انتقل والداي ليكونا مع لجنة الاستقبال الرسمية التي تقف على مدرج الطائرة، بينما جلست أنا وجوني في شرفة مرتفعة لمبنى يطل على المشهد من بعيد. اندهشت من مستوى الحراسة الأمنية المشددة، خصوصًا مع وجود قناصة أعلى المباني المجاورة».

في مشهد درامي مليء بالإثارة، نزلت سيدة شابة المظهر حمراء الشعر من الطائرة، يرافقها رجل اتضح فيما بعد أنه محاميها، آلان شوارتز، واتجهت لتتحدث في ميكروفون لتعبر عن سعادتها بالوصول إلى الولايات المتحدة.

سفيتلانا ستالين

حظيت سفيتلانا باهتمام صحفي بالغ، فانشقاقها الدرامي عن الاتحاد السوفيتي وإدانتها له، وتركها طفليها المراهقين، وسفرها للولايات المتحدة كانت أحداثًا جديرة بالمتابعة الصحفية. بعد عقدها أول مؤتمر صحفي في فندق بلازا في مانهاتن، رفضت سفيتلانا جميع المقابلات الصحفية، وخرجت في حراسة خاصة من رجليّ أمن وسيارة شرطة؛ لذلك زاد اهتمام الصحافة بها خصوصًا مع صعوبة الوصول إليها.

بعد أشهر قليلة، انتهت صداقة سفيتلانا بـ«بريسيلا جونسون»، الحدث الذي أبرز نمط غالبية علاقات سفيتلانا. وجه كينان الدعوة إلى سفيتلانا مجددًا للإقامة في مزرعته في الصيف. لكن مع قيام كينان وزوجته برحلتهما الصيفية السنوية إذ كانا يخططان للسفر إلى النرويج، طلب كينان من ابنته جوني، التي كانت تقيم في بلدة برينستون بولاية نيو جيرسي، استضافة سفيتلانا.

وافقت جوني بحماسة شديدة، واستضافت سفيتلانا لمدة ستة أسابيع في بيتها حيث عاشت مع زوجها لاري جريجز، وابنيها براندون وباركلي. خلال تلك الإقامة، اصطحب لاري وجوني سفيتلانا في رحلات، واعتنت جوني بإعداد الطعام والنظافة، واشترت ملابس لسفيتلانا. نظرًا للاهتمام والحب الذي أظهرته، أصبحت جوني صديقة مقربة لسفيتلانا، التي قضت وقتها في قراءة بريدها الضخم، وفي كتابة كتابها الجديد.

الحياة مع جريس

لكن بعد فترة، اضطر لاري وجوني إلى المغادرة للمشاركة في برنامج «فِرق السلام» التطوعي، لذلك وُكِّلت مهمة استضافة سفيتلانا –إضافة إلى ابنيّ جوني- إلى جريس. كانت جريس وقتها منشغلة بأطفالها وبعملها التطوعي، بالإضافة إلى صعوبة تركها لصديقها، مما تطلب منها البقاء في سان فرانسيسكو. لكن لدراستها التاريخ والأدب الروسيين، أدركت جريس أن أمامها فرصة لا تقدر بثمن للتعرف إلى ابنة ستالين وإلقاء نظرة على سياسات الكرملين من الداخل.

كانت من المفترض أن تكون مهام جريس في بنسلفانيا بسيطة للغاية، فكل ما عليها هو مشاركة طعامها مع سفيتلانا والقيادة إلى صندوق البريد الخاص بسفيتلانا لاستقبال الرسائل الخاصة بها. بدت سفيتلانا فتاة صغيرة السن، وتمتعت بروح بريئة جذبت الجميع إليها، خاصة الرجال.

سفيتلانا رفقة والدها جوزيف ستالين

بعد وقت قصير من لقائها بجريس، قالت لها سفيتلانا إن وزارة الخارجية عرضت عليها توفير حماية، لكنها رفضت العرض؛ لأنها تريد أن تشعر بالحرية. لكن هذه الحرية كانت مصدر قلق لجريس، فقد حذّرها والدها من وجود خطر حقيقي بأن يقوم جهاز المخابرات السوفيتي باختطاف سفيتلانا، وذكّرها باغتيال السياسي الماركسي البارز ليون تروتسكي في المكسيك بعد فراره من الاتحاد السوفيتي. نظرًا لاحتمالية اغتيال سفيتلانا، شعرت جريس بالقلق الشديد، وحاولت جعل الأمر سريًا إلى أقصى درجة، فلم تخبّر أيًّا من أصدقائها، ولم تستطع إيجاد من يساعدها في أعمال المنزل.

توقعت جريس أن تعيش تجربة فكرية كاملة وأن تمارس اللغة الروسية، لكن الواقع كان مختلفًا، فالاعتناء بخمسة أطفال، إضافة إلى سفيتلانا، لم يكن بالأمر السهل عليها. لم تكن هناك في المنزل غسالة ملابس، فكانت جريس تضطر إلى نقل حمل ملابس سبعة أشخاص إلى مغسلة في البلدة، وكان أقرب متجر كبير يبعد عن المنزل عشرة أميال، كما اضطرت جريس إلى اصطحاب الأطفال في رحلات. كانت جريس تضطر إلى تحضير وجبة الإفطار مرتين؛ نظرًا لعدم تزامن استيقاظ الأطفال مع استيقاظ «أميرة الكرملين»، كما سمتّها بعض الصحف.

لم تنته معاناة جريس عند هذا الحد، فقد كانت سفيتلانا تتبع حمية نباتية؛ لذلك فإن «الهامبرجر» و«الهوت دوج» والدجاج التي أحبها الأطفال لم تكن مناسبة لها، واضطرت جريس لطهي وجبات من الأرز والخضروات. ولتزداد معاناة جريس، انتقل مترجم سفيتلانا الإنجليزي ماكس هايوارد للعيش معهم في المنزل ليستطيع العمل معها عن قرب. كان هايوارد يتعافى من شرب الكحوليات، لذلك كان يحتاج إلى تناول السكريات، فاضطرت جريس للعمل ساعات إضافية في المطبخ. كان المحامي الخاص بسفيتلانا حاضرًا في المنزل لبضعة أيام كذلك، فكانت جريس تضطر لإعداد الطعام لتسعة أشخاص في بعض الأحيان. عندما أدركت جريس أن الأطفال لا يحصلون على الاهتمام الكافي، دعت ابنة أحد أصدقائها من واشنطن لتساعدها في الاعتناء بالأطفال، وتعهدت –بالطبع- بالحفاظ على سرية الأمر، لكنها كانت شخصًا إضافيًا يحتاج إلى طعام على أية حال.

كانت مشاعر سفيتلانا تجاه الناس قوية للغاية، فبالنسبة لها إما أن يكونوا رائعين بلا عيوب، وإما أن يكونوا سيئين، لا يوجد منطقة رمادية في المنتصف. زعمت سفيتلانا حبًا شديدًا لأمها التي ماتت إثر طلق ناري عندما كانت في السادسة فقط، والذي من المفترض أن يكون انتحارًا أو –بحسب بعض الشائعات- بناءً على أمر من ستالين. أهدت سفيتلانا كتابها «20 رسالة إلى صديق» إلى أمها، لكنها كانت تتحدث عن والدها –وليس بشكل سيء تمامًا- أكثر مما كانت تتحدث عن أمها.

ستالين مجرد متفرج؟

في إحدى ليالي الصيف، كانت جريس تحتسي النبيذ رفقة ماكس هايوارد وسفيتلانا قبل تناول عشاء متأخر. تقول جريس إن سفيتلانا كانت تحاول جذب انتباه هايوارد، وأصبحت سفيتلانا باردة تجاهها خلال زيارته؛ إذ رأتها منافِسة لها. كان ماكس يقرأ نسخة أولية من السيرة الذاتية للكاتبة الروسية يفجينيا جينزبرج بعنوان «رحلة إلى الزوبعة» والذي يحكي عن حياتها والوقت الذي قضته في معتقل سيبيريا، وقام بمشاركة الكتاب مع جريس. بمجرد أن بدأت جريس النقاش مع ماكس حول الكتاب، قطعت سفيتلانا الحديث وأرادت تحويل النقاش إلى كتابها.

سفيتلانا ستالين مع لافرينتي بيريا

عندما تحدثت سفيتلانا عن حملات التطهير أو غيرها من أهوال الاتحاد السوفيتي، ألقت باللوم على لافرينتي بيريا رئيس جهاز الشرطة السوفيتية السرية منذ عام 1938 حتى وفاة ستالين في 1953. وفقًا لسفيتلانا، فإن بيريا هو الذي صنع من ستالين ديكتاتورًا وحشيًا، وكان مسئولًا عن الفظائع التي حدثت، أما والدها فقد كان متفرجًا بالدرجة الأكبر.

«نوبة قلبية»

غادر ماكس وآلان في الوقت المناسب، وعادت صداقة سفيتلانا وجريس. وقت وصول جاك لزيارته المخطط لها، علمت جريس أن فترة إقامته ستكون كارثية، فكلاهما –هو وسفيتلانا- يريد أن يكون مركز الاهتمام، في حين لم تكن هناك مساحة لشخصين. أخذ جاك وسفيتلانا يتبادلان نظرات غير مريحة، وفي أول ليلة له، أخبر جاك جريس بأنه من السخيف أن تقوم هي بكل أعمال المنزل فهي تتصرف كخادمة لها. عندما شرحت جريس له أهمية إبقاء هوية سفيتلانا سرية، قال لها «إذا كان من الخطير الحصول على مساعدة هنا، فلتتصلي بوزارة الخارجية ودعيهم يساعدونك».

بعدما غادر جاك بعد يومين لاجتماع عمل عاجل –ظاهريًا-، شعرَت جريس بالراحة، فقد احتاجت إلى الدعم، في حين لم يقدم جاك شيئًا سوى النقد.

بعد أيام قليلة، جاءت سفيتلانا إلى الطابق السفلي للمنزل تلهث وقالت «جريس، يجب أن تساعديني. إني أعاني من نوبة قلبية». اقترحت جريس نقلها للمستشفى، لكن سفيتلانا رفضت، وقالت إنها بحاجة لاحتساء بعض من براندي الكمثرى فقط. علمت جريس فيما بعض أن الروس يصفون جميع مشاكل التنفس بالنوبات القلبية، لكنها لم تعرف ذلك وقتها. بعدما تفقدها مخزن الخمور المحلي بولاية بنسلفانيا، أجرت جريس عدة اتصالات إلى واشنطن، تطلب من كل شخص تعرفه زجاجة براندي كمثرى، حتى أقنعت أحد أصدقائها بترك أعماله والقيادة إلى المزرعة في بنسلفانيا برفقته زجاجة الشراب «المنقذ للحياة».

صارت سفيتلانا تشرب بعضًا من الزجاجة كل ليلة، وبدأت في التحدث عن طفولتها وأبنائها وزوجيها. أخبرت سفيتلانا جريس عن صفع ستالين لها بشدة أصابتها بالإغماء عندما علم بحبها لليهودي ألكسي كابلير، والذي حُكِم عليه بعد فترة قصيرة بالحبس في معتقل سيبيريا.

نكران للجميل

على الرغم من كون قصص سفيتلانا مثيرة للاهتمام، إلى إن جريس دائمًا ما كانت تشعر بالإرهاق والنعاس، بعد يوم طويل مليء بالأعمال المنهكة. تقول جريس «دفتر ملاحظاتي الجديد الذي خططت فيه للكتابة كل ليلة كان فارغًا إلى حد كبير. شعرت أنني فشلت بطريقة ما، لقد أهدرت هذه الفرصة العظيمة للتعرف على ابنة أحد أكثر الديكتاتوريات قسوة في العالم، وانتهى بي المطاف في أغلب الوقت في المطبخ».

بعد مرور بعض الوقت، انقلب موقف سفيتلانا تجاه عائلة كينان بأكملها، وكانت البداية من جريس. على الرغم من علمها بأنها لم تكن المفضلة لدى سفيتلانا، صُدِمت جريس عندما قرأت الكتاب الذي كانت تعمل عليه سفيتلانا في المزرعة والذي يحمل عنوان «سنة واحدة فقط». تحمست جريس لمعرفة انطباع سفيتلانا عن الوقت الذي قضياه معًا، فالتقطت الكتاب وتفقدت صفحاته لتكتشف أنها لم تكن موجودة بالأساس. بالنسبة لسيفيتلانا، فقط جوني ولاري كانا موجودين في المزرعة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك