أثيرت في الآونة الأخيرة ضجة كبيرة حول عملية القرصنة المنسوبة إلى المخابرات الروسية، وما ترتب عليها من تأثير على الانتخابات الأمريكية الأخيرة. لكن هل كانت هذه العملية هي الأولى من نوعها؟ وهل ارتكبت الإدارة الأمريكية شيئًا مشابهًا؟ هذا ما حاول هذا التقرير المنشور في مجلة «فورين بوليسي» الإجابة عليه.

منذ أن فاز دونالد ترامب بانتخابات الرئاسة شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، لم تنشغل الطبقة السياسية الأمريكية بأي شيء أكثر من التساؤل حول تدخل روسيا في الانتخابات الأمريكية من عدمه. يقول البيت الأبيض، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، وباقي العاملين في جهاز المخابرات إنَّ روسيا تدخلت بالفعل، على الرغم من أنَّ الحكومة لم تقدم للجمهور، حتى الآن، أي دليل ملموس على ذلك الأمر.

ولمَّا كانت شرعية نتيجة الانتخابات على المحك، فقد انتقل ترامب من نفي هذه الادعاءات بالكلية (والحط من قدر أجهزة الاستخبارات) إلى القول بأنَّ أية أنشطة روسية محتملة لم يكن لها أي تأثير على نتيجة الانتخابات. فقد كتب ترامب تغريدة على موقع تويتر، قال فيها إنَّ الروس لم يخترقوا أيًا من آلات التصويت، ومن ثم فأي شيء آخر ربما يكونون قد اقترفوه غير ذي صلة بنتيجة الانتخابات.

وقال التقرير إنه في خضم الضجة التي أثيرت حول ما إذا كانت موسكو قد تدخلت أم لا، وأي تأثير لذلك التدخل، إن كان ثمة تأثير، تاه السؤال الأهم عما تخبرنا به هذه الحادثة عن النوايا والأهداف الروسية. وإلى أي مدى يعد تدخل القوى العظمى في العمليات الانتخابية للدول الديمقراطية أمرًا غير عادي؟ وما مدى الغضب الذي ينبغي للأمريكيين أن يشعروا به جراء هذه الأنشطة المزعومة؟

اقرأ أيضًا: القصة شبه الكاملة للاتهامات الأمريكية بتدخل روسيا في الانتخابات لصالح ترامب

نقل التقرير عن المؤرخ البارز، والأستاذ المتقاعد بجامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس، مارك تراتشنبرغ، اعتقاده أنَّ كل هذا الغضب سذاجة، ودليل على ازدواجية المعايير. فقد عرض تراتشنبرغ، في أحد مقالاته، منظورًا تاريخيًا للأمر قد يساعد على التخفيف قليلًا من الغضب الجمعي للأمريكيين. بحسب التقرير، لم تكن وجهة نظر تراتشنبرغ أنَّ الأمريكيين ينبغي لهم أن يكونوا راضين أو غير مهتمين بمثل هذه الأنشطة، وإنما أنه ينبغي لهم ألا يكونوا مندهشين أو متشرعين في اعتبارها أدلة على عدائية روسية لم تكتشف إلا مؤخرًا. ويقول تراتشنبرغ إنَّ هذا التدخل سلوك ساعدت الولايات المتحدة على إرسائه، ذلك أنَّ التدخل في سياسات الدول الأخرى كان تخصصًا أمريكيًّا لوقت طويل.

ونقل التقرير عن تراتشنبرغ قوله: «يمكن لأحدنا حتى أن يذهب إلى القول بأنَّ هذا السلوك (عمل معتاد) في عالم السياسات الدولية التنافسي: فلطالما تدخلت الدول في السياسات الداخلية لدول أخرى في عصر اليونان القديمة، وعصر النهضة، بل حتى في النصف الأول من القرن العشرين. وما دام الأمر كذلك، فالدرس الحقيقي أن نصلح نظامنا حتى لا تؤثر عليه مثل هذه التدخلات، بدلًا من التركيز فحسب على ما فعله بوتين أو ما لم يفعله».

ازدواجية في المعايير؟

وقال التقرير إنَّ الطبقة السياسية الأمريكية قد ثارت ثائرتها بسبب اختراق المخابرات الروسية لعدد من حسابات البريد الإلكتروني المرتبطة بالحزب الديمقراطي، وما تلا ذلك من تسريب للمعلومات من هذه الحسابات خلال الحملة الانتخابية التي جرت مؤخرًا. وقيل إنَّ هذه التسريبات أضرت بهيلاري كلينتون وربما تكون قد كلفتها الانتخابات.

وقال التقرير: وجهة النظر السائدة أنَّ ما فعله الروس أمر لا يغتفر، وأنه تدخل سافر لقوى أجنبية في عمليتنا الانتخابية الديمقراطية. لا تسمع هذه الأيام كلامًا حول الشفافية و«حق الجمهور في المعرفة»، فقط كلام عن التهديد الذي تتعرض له الديمقراطية الأمريكية من قبل هذه الأفعال الروسية. أية جرأة تلك التي حدت بالروس إلى اختراق الاتصالات الخاصة بالزعماء السياسيين الأمريكيين! كيف يجرؤون على محاولة التأثير على انتخاباتنا الرئاسية!

وتساءل التقرير: لكن ألا يحمل هذا الكلام بعضًا من ازدواجية المعايير؟ أولئك المشتكون يعلمون يقينًا أنَّ حكومة الولايات المتحدة تتنصت، بطبيعة الحال، على الاتصالات الشخصية للكثير من الناس حول العالم. إنَّ ميزانية وكالة الأمن القومي، المنوط بها القيام بمثل هذا النوع من التنصت، تصل إلى حوالي عشرة مليارات دولار، وبحسب مقالة نشرت في صحيفة الواشنطن بوست منذ بضعة أعوام، فالوكالة تعترض وتخزن «1.7 مليار رسالة بريد إلكتروني، ومكالمة هاتفية، ووسائل اتصال أخرى» بشكل يومي.

حازت وكالة الأمن القومي بعض النجاحات الاستثنائية في الأعوام الفائتة. فبحسب وثائق أفرجت عنها الوكالة مؤخرًا، كانت إحدى عمليات الاعتراض، في وقت ما من الحرب الباردة، والتي كانت تجري خارج السفارة الأمريكية في موسكو «تجمع وتستغل اتصالات هواتف السيارات الخاصة لزعماء المكتب السياسي الشيوعي» وكما قال بوب وودوارد عام 1987 فإنَّ «نخبة فرق وكالة الاستخبارات المركزية، ووكالة الأمن القومي» كانت تسمى «عناصر الجمع الخاصة»، وكان بإمكانها «أداء معجزات تجسسية، وكانت تنقل نقلًا نصيًا ما حدث في اجتماعات رفيعة المستوى لحكومات أجنبية في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، والمحادثات الهاتفية بين سياسيين بارزين». ولم تكن الولايات المتحدة تتجسس على الإرهابيين والأعداء فحسب، وإنما كانت الولايات المتحدة، ويفترض أنها ما زالت، مهتمة جدًا بما يقوله زعماء البلدان الصديقة لبعضهم البعض. ففي عام 1973، على سبيل المثال، كتب رئيس مجلس إدارة الاحتياطي الفيدرالي في ذلك الوقت، آرثر برنز، في مذكراته، أنَّ حكومة الولايات المتحدة فيما يبدو تعرف «كل ما يحدث في اجتماعات مجلس الوزراء الألماني».

وتساءل كاتب التقرير: هل ينبغي لنا أن نشعر بالغضب حيال أي من هذه الأمور؟ هذا النوع من التجسس يحظى بالقبول العام عندما نقوم نحن به. أشك في أنَّ عضوًا واحدًا من أعضاء مؤسسة مجلس الأمن القومي الأمريكي يفضل العودة إلى الأيام «التي لم يكن الرجال يقرؤون فيها رسائل بعضهم البعض». لكن لو كنا سوف نتجسس على الدول الأخرى، فلا ينبغي لنا أن نكون شديدي الاندهاش ــ فضلًا عن أن نغضب ــ عندما تفعل دول أخرى معنا الشيء ذاته.

ومع ذلك، ففي حالتنا هذه، ليس الاختراق فقط هو ما يعترض الناس عليه، ولكن استخدام هذه المعلومات في التأثير على انتخاباتنا. لكن حتى هنا ثمة ازدواجية في المعايير. لقد اعتادت الولايات المتحدة الأمريكية أن تتدخل في الشؤون السياسية الدولية لدول أخرى، منذ عام 1945. لقد كان موقفنا الأساسي أنَّ الانتخابات الحرة شيء عظيم، طالما لم تسفر عن نتائج على غير هوى الولايات المتحدة الأمريكية. الكثير من هذه الحالات التي تدخلت فيها الولايات المتحدة ــ الهند الصينية، والكونغو، وتشيلي، وجمهورية الدومينيكان… إلخ ــ حالات معروفة. لكنَّ بعض الحالات ــ مثل غيانا، حيث مارست إدارة كينيدي ضغوطًا هائلة على البريطانيين لمنع شيدي جاغان من الوصول للسلطة من خلال العملية الديمقراطية ــ أقل شهرة. وكانت هذه الممارسة أثناء الحرب الباردة أكثر شيوعًا مما يدرك الكثيرون.

وأضاف التقرير: لقد شعرت الولايات المتحدة بأنَّ من حقها التدخل، أحيانًا على نطاق واسع، في الشؤون السياسية الداخلية لحلفائنا الديمقراطيين. أكثر الناس واعون، بشكل ما، أنَّ هذه التدخلات كانت شائعة في أواخر الأربعينيات. لنذكر مثالاً واحدًا: قال السفير الأمريكي في باريس، حسبما ذكر في مذكراته، لرئيس الوزراء الفرنسي عام 1947 «لا شيوعيون في الحكومة وإلا…» لكن حتى بعد استقرار الوضع في أوروبا الغربية، لم تكن التدخلات المباشرة بعيدة لو كان ما على المحك كبيرًا كفاية. فقد أوضحت إدارة أيزنهاور، على سبيل المثال، للشعب الألماني كيف أرادت منهم أن يصوتوا في الانتخابات التي جرت عام 1953. هذا التدخل، بحسب أساتذة العلوم السياسية الألمان الذين درسوا هذا الأمر عن كثب، نتج عنه انتصار ساحق لحكومة كونراد أديناور المحافظة. ومع ذلك، وبعد عقد من هذا التاريخ، عندما تدهورت العلاقات مع حكومة أديناور، قامت الولايات المتحدة بدور كبير في إبعاده عن السلطة، وهي حلقة استثنائية من التاريخ ما زال بعض الناس على جانبي المحيط الأطلنطي، حتى اليوم، يعرفون الكثير عنها.

لا ينبغي أن ينظر إلى أي من هذه الأحداث على أنها من الماضي. ذلك أنَّ العادات التي تكونت خلال فترة الحرب الباردة ما زالت بحالها إلى حد كبير. ما زالت الولايات المتحدة تشعر بأنَّ لها الحق في التأثير على نتائج الانتخابات في دول أخرى. الجميع يتذكرون كيف حذر الرئيس باراك أوباما البريطانيين، قبل التصويت على بريكسيت بوقت قليل، أنهم لو اختاروا ترك الاتحاد الأوروبي، فسوف يكونون «في مؤخرة الصف» عندما يتعلق الأمر بعقد اتفاقات تجارية مع الولايات المتحدة. ربما كان أوباما يحذر الناخبين البريطانيين فحسب من العواقب الحتمية للتصويت، لا أنه كان يهددهم (ولو ضمنيًا)، لكنه على أية حال، كان يحاول التأثير على نتائج الاستفتاء.

لكنَّ قضية التورط الأمريكي في السياسة الأوكرانية أكثر دلالة بكثير. ففي عام 2014 سُجل لفيكتوريا نولاند، وهي مسؤولة رفيعة المستوى بوزارة الخارجية، ويفترض أنَّ المخابرات الروسية هي من سجل لها، وهي تتكلم مع السفير الأمريكي في كييف، جيفري بيات. سرعان ما نشرت هذه المحادثة الهاتفية المسجلة على موقع يوتيوب. كان من الواضح أنَّ كلًّا من نولاند وبيات لديهما آراء قوية عمن ينبغي له أن يدير الأمور في أوكرانيا. كان من الواضح أيضًا أنَّ الولايات المتحدة كان لديها «سيناريو» (حسب المصطلح الذي استخدمه بيات) يتعلق بتحقيق التغيرات السياسية التي توافق هواها. وكما قالت الواشنطن بوست، فقد تكلما «كما لو كانا مخططيْن استراتيجيّيْن، أو كما لو كانا زعيميْن حزبييْن في غرفة مظلمة. كانا يستخدمان مختصرات وألقابًا، ويخططان لما يريدان من شخصيات المعارضة فعله وقوله، ويناقشان أفضل الطرق للتأثير على بعض قرارات المعارضة». لم يعتبر أي من هذه الأشياء مجاوزًا للحدود، بل إنَّ مكالمة نولاند لم تحز حتى على الكثير من الاهتمام في وقتها. طبعًا لم تفصل نولاند من وظيفتها، وإنما وجهت أصابع الاتهام، في المقام الأول، إلى الروس لتجرؤهم على التنصت على المكالمة الهاتفية ومن ثم تسريبها.

وقال التقرير: إنَّ الافتراض أنه في حين أنَّ لدينا الحق في التدخل في الشؤون السياسية الداخلية لكل البلاد في العالم، فإنَّ من المشين أن تحاول أي من هذه الدول أن تفعل بنا الشيء ذاته. لدينا الحق في التنصت على الاتصالات الخاصة لقادة الدول الأجنبية، لكن من المشين أن يخترقوا حسابات البريد الإلكتروني للقادة الأمريكيين ومساعديهم. فأمريكا هي «الأمة التي لا غنى عنها» والقواعد التي تنطبق على البلاد الأخرى، لا تنطبق علينا ببساطة. هذه هي الافتراضات المضمرة، وليس من الصعب أن نتخيل كيف يتفاعل الأجانب مع السلوك الذي ينتج عن هذه الافتراضات. هل يخطر ببالكم هنا كلمة «غطرسة»؟

واختتم كاتب التقرير بالقول إنَّ رأيه أنًّ ازدواجية في المعايير هذه أمر مثير للاشمئزاز أخلاقيًا وضار سياسيًا. لا أعتقد أنه ينبغي لنا أن ننتحل لأنفسنا حقوقًا لا نمنحها للآخرين. لكنَّ ما يعنيه ذلك، بالنظر إلى سلوكنا، أنه لا ينبغي لنا أن نكون شديدي الانزعاج لو سلكت دول أخرى السلوك ذاته معنا.

ويضيف: لو تعاملنا مع القرصنة الأخيرة على حسابات البريد الإلكتروني، واضعين في اعتبارنا هذه الأفكار، فسوف نكون قادرين على قبول ما فعله الروس باعتباره من طبائع الأمور. فما فعلوه متسق مع كيفية سير الأمور في العالم. العالم الذي صنعناه نحن إلى حد كبير.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد