ربما ما تعرفه عن تاريخ العالم والجغرافيا ليس محايدًا تمامًا كما يبدو، فحتى الخرائط ليست خالية من الانحيازات. هذا ما يحاول بيتر فرانكوبان مدير مركز أكسفورد للبحوث البيزنطية، والباحث البارز في جامعة ورسيستر بأكسفورد، وهو مؤلف كتاب The Silk Roads: A New History of the World، أن يشرحه في مقال نشر على موقع مجلة أيون الإلكترونية، ويوضح فيه كيف تغير التقلبات السياسية أشكال الخرائط.

يقول الكاتب إن مركز أي خريطة يخبرنا كثيرًا من المعلومات، كما هو الحال بالنسبة لاختيارنا بداية قصة، أو تاريخ، مشيرًا إلى أن الجغرافيين العرب اعتادوا وضع بحر قزوين في مركز الخرائط العالمية، أما على خريطة تركية تعود إلى العصور الوسطى، فنجد مدينة بلاساغون في قلب العالم. ويضيف الكاتب أن كيفية تدريس تاريخ العالم اليوم هو سؤال ينمو كل يوم، ويزداد أهمية.

مترجم: هل يوجد حقًا ما يسمى بـ«العالم الإسلامي» ومن أين جاء هذا المصطلح؟

تغيير مثير للجدل

وبحسب المقال، فقد اندلع نقاش الصيف الماضي في الولايات المتحدة، عندما أعلن برنامج التعيين المتقدم، وهو هيئة اختيارات تنتشر على نطاق واسع، إجراء تغيير في مواده العلمية، وهو تغيير سيبدأ فيه «تاريخ العالم» عام 1450.

ويرى الكاتب أن بدء تاريخ العالم من عام 1450 سيحوله إلى قصة عن كيف سيطر الأوروبيون ليس على واحدة من القارات، بل عليها كلها، ويستبعد منه أصول الكتابة والزراعة والمدن والحضارة، موضحًا أنه قبل القرن الخامس عشر، كان الآخرون هم من بنوا الإمبراطوريات، وقادوا العلوم والطب والفلسفة، وسعوا إلى الاستفادة والتوسع في الشبكات التجارية التي سهلت تدفق السلع والأفكار والمعتقدات والأشخاص وتبادلهم.

ويضيف الكاتب أن مجلس الهيئة تراجع تحت الضغوط التي تعرض لها، وقال في بيان: «تلقينا تعقيبات مدروسة ومبدئية من معلمي برنامج التعيين المتقدم والطلاب». ونتيجة لذلك تقرر إرجاع التاريخ الذي تبدأ منه المادة 250 عامًا ليبدأ سنة 1200. وبالتالي «يمكن للمعلمين والطلاب بدء المادة بدراسة الحضارات في أفريقيا والأمريكتين وآسيا المؤسسة للعصر الحديث»، وفق ما قاله المجلس.

وبحسب الكاتب فهذا الأمر يجعل موضع أفلاطون وأرسطو، أو اليونان وروما القديمتين، غير واضح في التاريخ، لكن يفترض أن أيًّا منهما ليس «مؤسسًا للعصر الحديث». غير أنه قال إن هذا في حد ذاته أمر غريب، نظرًا إلى أن العديد من أشهر المباني العاصمة واشنطن (على سبيل المثال) صممَّت على الطراز الكلاسيكي، لاستحضار روح العالم بشكل متعمد قبل ألفي عام، أو لأن مارك زوكربيرج أيقونة التكنولوجيا الجديدة والقرن الحادي والعشرين، يرى في الإمبراطور أغسطس مثالًا يحتذى به.

ويتجاهل هذا أيضًا، وفقًا للكاتب، تاريخ الصين تحت حكم أسرة هان (206 ق.م- 220م)، والشبكات التي ربطت المحيط الهادي بالمحيط الهندي والبحر المتوسط ​​منذ ألفي عام، والتي تسمح لنا بأن نفهم أن آسيا وأفريقيا وأوروبا كانت متصلة منذ قرون عديدة في عالم «معولم» بفعالية. ولا توجد مساحة أيضًا لحضارة المايا وثقافتها في أمريكا الوسطى، أو مملكة بنين في غرب أفريقيا، التي جرى إهمال إنجازاتها الاقتصادية والثقافية والعسكرية والسياسية باعتبارها غير ذات صلة «بالعصر الحديث»، بحسب مقال فرانكوبان.

ويتساءل الكاتب مستنكرًا: «من يهتم بالإمبراطور الهندي أشوكا، أو سلالة تشولا جنوب الهند التي انتشرت شرقًا إلى جنوب شرق آسيا في القرنين العاشر والحادي عشر؟»، مشيرًا إلى أن الروابط بين الدول الإسكندنافية وآسيا الوسطى التي ساعدت على إخراج كل شمال أوروبا مما كان يسمى «العصور المظلمة» ستُتَجاهل أيضًا.

ووفق الكاتب، فلا يقتصر الأمر على ما مضى، لكن سيكون ذلك سيئًا للغاية في ما يتعلق بتغير المناخ والطرق التي أدت بها التغيرات في درجات الحرارة العالمية قبل 1500 عام إلى انهيار المدن، وهروب السكان، وانتشار الأوبئة.

ويرى أن التاريخ هو الوسيلة الأشد إثارة وتحفيزًا للطلاب والمعلمين على حد سواء، عندما يكون هناك مجال للنظر في العلاقات والتشابهات، واستكشاف الماضي عبر تحدي الافتراضات التي ترسم قصة العالم بشكل خطي، وهو ما يبدو أن هيئة الاختبارات تفكر فيه ببيانها الذي يربط بين عام 1200 و«العصر الحديث».

«نظرة حمقاء» لتاريخ العالم

يبرهن الكاتب على «حماقة» تلك النظرة، وضيق أفقها في ما يتعلق بمسار تاريخ العالم؛ قائلًا إنه بمطالعة الصفحات الأولى في أي بلد في العالم في الوقت الحالي، نجد على سبيل المثال في الصين أن مبادرة الحزام والطريق تهيمن على الأخبار، -وهي الخطة التي تقودها الصين لإعادة إحياء الشبكات القديمة التي كانت موجودة في الماضي عبر طرق الحرير الحديثة- وهناك العديد من وجهات النظر المتباينة حول الأهداف والدوافع والنتائج المحتملة لمبادرة الحزام والطريق.

وعلى الرغم من أن هذه المبادرة هي التطور الجيوسياسي الأكثر أهمية في العالم الحديث اليوم، من وجهة نظر الكاتب، وفي حين أن فهم السبب الذي يجعل بكين تحاول العودة إلى سنوات مجد طريق الحرير (التي تعود إلى ألفي عام مضت) يبدو مثيرًا ومهمًا، إلا أنه سيجري إغفاله بشكل كبير في المنظور الجديد لتاريخ العالم.

ويضرب المقال مثالًا آخر على حماقة تلك النظرة، ولكن هذه المرة من الطرف الآخر من آسيا، من إسطنبول، حيث يخرج مئات الآلاف من الناس إلى الشوارع في تركيا كل عام لإحياء ذكرى معركة مانزكرت التي وقعت عام 1071، ويقول الكاتب إنه قد يكون من المفيد معرفة السبب.

ويرى أن تقييم العلاقة بين روسيا، وأوكرانيا قد يكون أيضًا ذا قيمة في فترة قامت فيها الأولى بضم جزء من أراضي الأخيرة. كما اندلع خلاف كبير في الصيف الماضي بين البلدين حول ما إذا كانت الملكة آن الكييفية روسية أم أوكرانية، وقد توفيت عام 1075.

ويقول الكاتب إن الوضع لا يتطلب وجود خبير لرؤية صدى القرن السابع في جميع أنحاء الشرق الأوسط، حين حاول الأصوليون بناء «دولة إسلامية» مبنية على تصورهم للعالم الإسلامي المبكر، دون أن يكتفوا بتدمير الحياة والمنطقة خلال العملية، بل تعمدوا تدمير التاريخ نفسه في أماكن مثل تدمر، لكنه أشار إلى أن الأمر الذي سيتطلب خبيرًا حقًّا هو فهم لماذا يحاولون إعادة عقارب الساعة 1400 سنة، وما يبدو عليه عالمهم الطوباوي.

وهذا أمر فارق من وجهة نظر الكاتب؛ لأن هناك الكثير من الأشخاص الآخرين الذين يريدون أن يفعلوا الشيء نفسه، فعلى سبيل المثال قال عمران خان رئيس وزراء باكستان، إنه يريد تحويل بلاده، التي يبلغ عدد سكانها 200 مليون نسمة، إلى «دولة رفاهية مثالية» على النموذج الذي وضعه محمد في المدينة المنورة في الفترة بين عامي 620 و630، وهو النموذج الذي أنشأ واحدة من «أعظم الحضارات في العالم».

ويأسف الكاتب لأن الطلاب الذين سيدرسون مادة التاريخ العالمي التي تبدأ من عام 1200 لن يعلموا شيئًا عن أي من هذه الموضوعات، على الرغم من أن أقرانهم في الكليات والمدارس في جميع أنحاء العالم سوف يفعلون ذلك. ورأى أن التعليم يجب أن يوسع الآفاق والعقول المنفتحة، لا أن يساهم في تضييقها كما هو الحال في هذه الحالة.

وما هو عار أيضًا، من وجهة نظر الكاتب، هو أن يحدث هذا في وقت يشهد تغيرًا عالميًّا عميقًا، يجعل فهم عمق عالمنا المتصل ببعضه أكثر أهمية من أي وقت مضى، معتبرًا أن هذا الاستنتاج بالنسبة له أكثر الاستنتاجات «المؤسسة للعصر الحديث» أهمية.

من العصر الحجري إلى الاستقلال عن بريطانيا.. موجز 5 آلاف عام من تاريخ الهند

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات