ركزت أخبار الأسابيع الأولى من ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على كبير استراتجيي البيت الأبيض ستيف بانون، فهو حاز على الاهتمام بقدر الرئيس ذاته، حتى أن موقع مجلة «تايم» الأمريكية نشر تقريرًا بعنوان «هل ستيف بانون هو ثاني أقوى رجل في العالم؟»

وكانت مجلة «GQ» الأمريكية، نشرت تقريرًا بعنوان «إن لم يكن الأمر واضحًا بعد فـ ستيف بانون هو رئيسنا»، وأشارت المجلة إلى ترامب باعتباره «دمية» يحركها بانون، حيث وصل الرئيس إلى البيت الأبيض رأسه خاوية من الأفكار، بينما يحركه بانون الجائع للسلطة، والذي يحاول جاهدًا أن «يدمر أسس ومبادئ الأمة»، مؤكدة أنها جملة غير مبالغ فيها على الإطلاق.

ويتخذ بانون قرارات غير مسبوقة في البيت الأبيض، ضاربًا قواعد المدنية، ويطلق التقرير مثالًا على ذلك، بأن بانون كان هو مهندس قرار «حظر المسلمين»، بالإضافة إلى رفضه وتخطيه قرار محامي وزارة الأمن الداخلي، الذي أقر باستثناء حاملي «جرين كارد» من قرار الحظر.

وفي خطوة غير مسبوقة وقع ترامب على قرار بترقية بانون ليكون عضوًا في مجلس الأمن القومي، وأوضحت الصحافة الأمريكية أن ترامب لم يكن يعلم بأنه وقع على مثل هذا القرار، واصفين أنه رجل توقيعات ولا يعلم ماهية الأوراق التي توضع أمامه. ورقي بانون في الوقت الذي خفضت فيه درجات كل من رئيس هيئة الأركان المشتركة، ومدير الاستخبارات الوطنية، وهو ما قالت عنه صحيفة «نيويورك تايمز».

«يستطيع كل من يجلس على طاولة مجلس الأمن القومي حيث تناقش الإدارة قضايا الحرب والسلام، أن يصنع فارقًا في القرارات. وبإعطاء السيد بانون دورًا رسميًا في إرساء سياسة الأمن القومي، فإن ترامب لم بكسر القواعد فحسب، وإنما جعل خطر تسييس الأمن القومي أمرًا حتميًا».

جانب من التظاهرات المعارضة لقرار حظر دخول المسلمين إلى أمريكا

وعبر بانون، وهو الرجل الذي أصبح الآن صوته أكثر تأثيرًا في تشكيل السياسة الخارجية للولايات المتحدة، في مقابلة مع موقع «The Daily Beast» منذ سنوات عن توجهاته السياسية، وعن رغبته التي يريد تحقيقها فقال «أنا لينيني. لينين أراد أن يدمر بلاده، وهذا هو هدفي، أريد أن أجعل كل شيء ينهار، وأدمر كل مؤسسات الحاضر».

ولم تتغير رغبته بعد تلك السنوات، حيث قال في مقابلة مع صحيفة «واشنطن بوست» الأسبوع الماضي في حديثه عن جيف سيشنز المرشح لمنصب المحامي العام والمعروف بعنصريته ضد السود «كان سيشنز خلال الحملة الانتخابية الأكثر حماسة، متفانيًا لأقصى درجة، والمروج الأكثر ولاءً لبرنامج ترامب داخل الكونجرس، ولعب دورًا حاسمًا كأنه مركز للمعلومات السياسية والفلسفية لإنجاز ذلك البرنامج. ما نشهده الآن هو ميلاد نظام سياسي جديد، وكلما اشتد هياج عدد من النخب الإعلامية، كلما زاد هذا النظام الجديد من قوة في حد ذاته».

ويشير التقرير إلى السهولة التي يتحدث بها بانون عن «نظام سياسي جديد»، وكأنهم لا يخشون ما يقترن مع ذلك من ضرب عرض الحائط بحقوق الجميع سوى «الأغنياء والبيض والرجال غير الشواذ».

ولفهم العلاقة بين بانون وترامب يجب العودة إلى أندرو بريتبارت الصحفي المحافظ، الذي أسس عدد من المواقع الصحافية على الإنترنت في عام 2007 منها «Big Hollywood» و«Big Government»، و«Big Journalism»، بهدف تحدي المؤسسات الإعلامية التي يطلق عليها «الإعلام الليبرالي»، ولم تكن مواقع بريتبارت تقوم على أسس الصحافة التقليدية، إنما كانت تتغذى على غضب الحكومة والسياسيين والديموقراطيين، وحتى الصحفيين.

وبذلك أوصل بريتبارت أصوات الملايين أغلبيتهم من ذوي البشرة البيضاء من الطبقة العاملة المتوسطة، والتي فقدت مكانتها وفقدت يقينها بالحصول على رفاهيات في الحياة طال انتظارها، وأصبحوا يلومون الكونجرس والإعلام، والمشروعات الكبيرة، ومؤسسات الحزب الديموقراطي على تلك الأوضاع. حتى إن مجلة «النيويوركر» وصفت تلك المواقع بأنها لا تقدم محتوى، إنما تقدم «سخط»، كما أنها «تعطي أصواتًا مهتاجة ومحتقرة لهؤلاء الذين يدعي أنهم الأغلبية الصامتة».

وتوفي بريتبارت عن 43 عامًا إثر أزمة قلبية عام 2012، ولكن مواقعه لم تتوقف عن عملها، خصوصًا وأن لها قاعدة عريضة من المتابعين، حيث أظهرت إحصاءات موقع «ComScore» أن المواقع زارها حوالي 13.8 مليون مستخدم في يونيو (حزيران) الماضي، والذين شكلوا أغلبهم قاعدة ناخبي ترامب، حيث تربط علاقة قوية بين ترامب وبريتبارت، حتى إن البعض أطلقوا على مؤسسة بريتبارت اسم «ترامبارت».

ولم ينتظر ستيف بانون بعد وفاة بريتبارت طويلًا حتى قرر شراء شركته الإعلامية وإدارة المواقع الإخبارية، ولم يغير من سياساتها، حيث لا تزال تعبر عما يعرف بـ«اليمين البديل».

وأرسى بانون بمساعدة ستيفن ميلر الذي يشغل حاليًا منصب كبير مستشاري الرئاسة للسياسات العامة، الأسس السياسية والأيدولوجية من أجل صعود ترامب من قبل أن يظهر ترامب في الصورة من الأساس. وكان بريتبارت هو الأساس في ترويج فكرة أن المشرعين الجمهوريين هم من خانوا الطبقة العاملة من الأمريكيين، في قضايا مثل الهجرة والتجارة، وهي الفكرة التي أسست لفوز ترامب في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وبحسب تقرير نشر في مجلة «بوليتوكو» الأمريكية أن الثنائي، بانون وميلر، هما المسؤولان عن وضع «خطة العمل» للأسابيع الأولى من حكم ترامب، ومنها صياغة القرارات التنفيذية والمذكرات الدبلوماسية، وحتى تحديد الأوقات التي سيوقع فيها ترامب على كل مستند جديد، ونتج عن هذه الخطة حتى الآن تقويض نظام الرعاية الصحية «أوباما كير»، وتطبيق إجراءات جديدة على الهجرة، وتجميد التوظيف الحكومي، بالإضافة إلى الحظر الذي فرض على اللاجئين من سبع دول إسلامية يمنعهم من الدخول إلى الولايات المتحدة. وبذلك حظي بانون بثقة الرئيس، حتى إنه فضله على زوج ابنته ومستشاره جاريد كوشنر.

ويشير التقرير أن بانون بحسب ما جاء على لسان مقربين منه، أنه تجنب خلال الفترة الانتقالية اللقاءات والاجتماعات مع فريق الرئيس، وعكف على تشكيل المجلس الاستشاري الذي سيعينه ترامب. وعلى عكس مستشاري ترامب الآخرين، فإن بانون لا يظهر غالبًا إلى الإعلام، ولا يحضر الحفلات الكبيرة في واشنطن، ويرتدي عادة ثيابًا غير رسمية بخلاف كل من يعملوا في البيت الأبيض، وعادة ما يتبادل الحديث مع ترامب على انفراد، أو يتنحى جانبًا في الاجتماعات الكبرى.

ويقول رودي جيولياني عمدة نيويورك السابق «لدى بانون قدرة كبيرة على فهم الرأي العام الأمريكي، ويخبر ترامب بما يغضب الناس حقًا وما هم قلقين حياله، وذلك هو مفتاح فوز ترامب بالرئاسة».

ستيف بانون يستعرض أفكاره في مؤتمر لـ«مؤسسة استعادة الحرية» في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2011

وأثار سطوع نجم بانون قلق ناقدي ترامب، حيث إنه أدار مواقع بريتبارت التي ترتبط، بل تناصر اليمين البديل ومجموعات دعم القومية. وبعد تعيينه في البيت الأبيض وصفه مركز «قانون الفقر الجنوبي SPLC» بأنه وراء جعل مواقع بريتبارت «مصنعًا» للبروباجندا القومية والعرقية للبيض، ولكن بحسب التقرير فإن بانون أنكر ذلك، وأكد أنه ليس عنصريًا أو معاديًا للسامية.

ويشير التقرير إلى أن الرجلين الحليفين، بانون وميلر، تصادما في بعض الأحيان مع موظفين آخرين في البيت الأبيض، والذين اتهموهما بالإبقاء على بعض المعلومات دون مشاركتها معهم، بينما عبر آخرون عن قلقهم إزاء تنفيذ السياسات المتفق عليها بسرعة كبيرة ودون تخطيط كاف، ولكن يبدو أن ترامب مقدر لمجهودات الحليفين.

وتعود العلاقة بين ميلر وبانون إلى عام 2013، حينما كان ميلر يعمل مساعدًا لجيف سيشنز، وعمل الثنائي على إحباط مشروع قانون لإصلاح منظومة الهجرة الذي أعد بواسطة ثمانية أعضاء في مجلس الشيوخ نصفهم من الديموقراطيين، والآخر من الجمهوريين.

وحينها زود ميلر مواقع بريتبارت بسيل من المعلومات لتقويض مشروع القانون، والتي ظهرت في مقالات وتقارير كانت تنشر على المواقع وتنتشر في أنحاء واشنطن. وهي المعلومات نفسها التي بدأت بها حملة ترامب، حيث طرحت الحملة النقاش حول ذلك القانون، مشيرة إلى إعداده من قبل نخبة من السياسيين ورؤساء الشركات من المستفيدين من ذلك، لاستيراد عمالة رخيصة من الخارج على حساب العمالة الأمريكية الباهظة. وفي النهاية لم يقر مشروع القانون بالفعل، حينما رفض رئيس مجلس النواب جون بوينر عرضه للتصويت.

حتى إن مواقع التواصل الاجتماعي مؤمنة بفكرة أن محرك ترامب الرئيس هو بانون، حيث صعد وسم بعنوان «أوقفوا الرئيس بانون StopPresidentBannon» في قائمة الأكثر تداولًا على موقع التغريد «تويتر»، في صباح يوم الأحد 29 يناير (كانون الثاني) الماضي، حينما اتسع رفض قانون «حظرالمسلمين» الذي أقره ترامب قبل ذلك بساعات، حيث احتشد المتظاهرون في المطارات في أنحاء أمريكا، وحتى أمام البيت الأبيض.

«إنهم جاءوا من أجل المسلمين ونحن قلنا ليس اليوم»

وينقل التقرير تصريحًا عن بول بيجالا المستشار السياسي السابق لدى الرئيس بيل كلينتون، يؤكد فيه أن بانون من ضمن فريق البيت الأبيض ليس لخبراته الأمنية، ويضيف «إنه هناك لأنه ناجح في إدارة مؤسسة صحفية يطلق عليها أنها منصة لليمين البديل وهو جزء من قاعدة جماهير ترامب. هذه هي السياسة. ولكن يجب ألا يكون هناك مقعد لذلك الشخص في مجلس الأمن القومي».

وفي معرض المقارنة بين علاقة عدد من رؤساء الولايات المتحدة بمستشاريهم السياسيين، أشار التقرير إلى أن الرئيس السابق جورج بوش الابن كان يمنع كبير مستشاريه السياسيين كارل روفي- والذي كان يشار إليه في الصحافة بـ«عقل بوش» وأن له تأثير كبير على الرئيس- من حضور اجتماعات مجلس الأمن القومي. وكذلك الرئيس السابق باراك أوباما، صرح مستشاره السياسي ديفيد أكسلرود في مقابلة صحفية أنه كان يراقب أحيانًا الاجتماعات في «غرفة العمليات»، لكن «كانت هناك أحداثًا يخبروني صراحة أنه لا يمكنني حضور الاجتماعات بشأنها».

ومن ناحيته، قال نيوت جنجريتش رئيس مجلس النواب السابق، ومؤيد ترامب، أن تعيين بانون في مجلس الأمن القومي أمر ليس بغريب، مدللًا على ذلك بالعودة إلى هاري هوبكنز المستشار السياسي المقرب للرئيس السابق فرانلكلين روزفلت، ودوره المؤثر في السياسات الأمريكية أثناء الحرب العالمية الثانية.

وأضاف جنجريتش «بانون يفكر في التخطيط طوال الوقت، وجزء كبير من أعمال ذلك المجلس تتعلق بالتخطيط»، مشيرًا إلى أن بانون كان ضابط سابق في البحرية الأمريكية، وهو السبب ذاته الذي أبداه شون سبنسر السكرتير الصحفي للبيت الأبيض، ما يجعل بانون مؤهلًا ليكون عضوًا في مجلس الأمن القومي.

وفي المقابل، فإن جون ماكين العضو الجمهوري بمجلس الشيوخ وضابط سابق في البحرية، اختلف مع وجهة نظر جنجريتش، في تصريح لشبكة «CBS»، ورأى أن خطوة ترقية بانون في هذا المنصب هي «تحول جذري» للرفع من صلاحيات المستشار السياسي، في حين الحد من دور هيئة الأركان المشتركة، معبرًا عن «قلقه على مجلس الأمن القومي».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد