كانوا فنانين، وطلابًا، ومحبين للموسيقى، وآباء، وحديثي الزواج. إننا نتحدث عن ضحايا باريس، الذين قضوا في الهجمات الأخيرة التي ضربت المدينة، وهم قَدِمُوا من مختلف الاهتمامات والمناحي الحياتية، لم يريدوا بأي حال أن يحدثوا ضجيجًا لهذا العالم، ومقتطفات حياتهم  تثبت ذلك، ولكنها الحرب التي تدور رحاها ببعض أجزاء الوطن العربي، وتُسمِع أصداؤها غير مُسمعٍ في أوروبا.

من بين المائة والثلاثين الذين قتلوا، جلبنا طرفًا من سير بعضهم:

عندما تجمع أصدقاء (فريدريك هينينو) في البنك المركزي الفرنسي ووقفوا دقيقة حداد على روح صديقهم، لم تكن تلك هي المرة الأولى خلال هذا العام التي يقف فيها العاملون بالبنك حدادًا على أحد زملائهم جرّاء هجمات إرهابية. فقد قُتل أحد أعضاء الجمعية العمومية للبنك، وهو رجل الاقتصاد والصحفي (بيرنار ماريس)، خلال الاعتداء الدامي على المجلة الأسبوعية الساخرة (شارلي إيبدو) في يناير الماضي.

ونشر الموقع الخاص باتحاد العاملين بالبنك المركزي الفرنسي بيانًا حول وفاة هينينو، قال فيه: “الإرهاب يضرب فرنسا ومؤسستنا للمرة الثانية ويدفعهما نحو الحداد”.

وقد قُتل هينينو، الذي كان يبلغ من العمر 45 عامًا، ويعمل بفرع البنك ببلدية )سيرجي( أحد ضواحي باريس، جراء الهجمة الإرهابية على مسرح باتكلان، حيث أصيبت صديقته واثنان من أصدقاء العمل، وفقًا لما ذكرته صفحة اتحاد العاملين بالبنك على موقع فيسبوك. كما ذكرت صحيفة لوباريسيان أن هينينو ترك خلفه طفلين.

___

كان (تيبو روس لاكوردير)، صاحب السبعة والثلاثين عامًا، موظفًا مصرفيًّا استثماريًّا وذا قلبٍ كبير. كان يعمل بالنهار في شركة لإدارة الأسهم بالعاصمة باريس، وبعد أن ينتهي من فترة عمله اليومية كان يشارك باعتباره متبرعًا بأحد أماكن تقديم الطعام والحساء بالمدينة. قُتل لاكوردير في الهجمة الإرهابية التي طالت مسرح باتكلان. لكن كانت سيرته الذاتية تحوي الكثير، بدءًا من دراسته بمدرسة كاثوليكية بإحدى ضواحي باريس، ومرورًا بدراسة الاقتصاديات والإدارة بجامعة باريس دوفين، كما حصل على درجة علمية عالية في التمويل من جامعة  باريس فال دو مارن.

كان لاكوردير مراقبًا ماليًّا بفرع مؤسسة كولوني كابيتال بباريس، يختص بالعمل على صفقات المستثمرين وإجابة استفساراتهم، وذلك وفقًا لما ذُكر بملفه الشخصي على موقع (لينكد إن) الإلكتروني. أمّا عن أوقات فراغه، فكان يقضيها متبرعًا لأحد مطابخ تقديم الحساء والطعام للمحتاجين بالمدينة، ويجلس معهم في تواضع على المنضدة كأنهم عائلة واحدة، بالإضافة إلى مشاركتهم المحادثات التي كانوا يتحدثونها فيما بينهم. وقد ذكر في مناسبة خلال أحد المواد الفيلمية المعروضة بموقع  المطبخ على شبكة الإنترنت، أنه ذهب في إجازة مع العديد من الأشخاص الذين قابلهم بالمطبخ.

___

لم تكن (آنلور إيريبو) و(سيسيل كيودون بيكيدو ديلايل) مجرد زميلتي عمل، بل كانت كلتاهما الصديقة الأقرب للأخرى.

وقد أحضرتهما تلك الصداقة وكذلك الأجواء المعتدلة غير الموسمية في هذا المساء، للجلوس بالجزء الخارجي لمقهى (رو دي تشارن)، واحتساء الشراب.

وقد قُتلتا سويًّا مثل الكثير من الباريسيين الذي قضوا في تلك الجمعة المرعبة، التي وافقت الثالث عشر من هذا الشهر. لم يستطعا الهروب من وابل الرصاص الذي أطلقه الإرهابيون واكتسح الرصيف.

عملت إيريبو، التي كانت تبلغ من العمر 36 عامًا، وبيكيدو ديلايل، التي تكبرها بعام واحد، مفتشتي جمارك بنفس المكتب.

ونشر الموقع الفرنسي الصحفي لاديبيش ما قاله أحد معارف إيريبو عن أنها كانت فتاة سعيدة وتحب الحياة، وكانت ترمي بنفسها في غمار وظيفتها. كما قال: “إن أسرتها تدمرت”.

وقد نشر اتحاد عمال الجمارك نعيًا للسيدتين على موقعه الإلكتروني في الجمعة التالية، والذي قال فيه: “لقد افتقدناهما”.

___

قالت صحيفة بريس أوسيون الفرنسية إن (جوليان جاليسن) كان رحالة يطوف العالم، وأضافت أنه عمل بوظائف غير اعتيادية من أجل ادخار أمواله، ثم الاستعداد وشد الرحال لزيارة أماكن مختلفة حول العالم.

كان جاليسن يبلغ من العمر 32 عامًا، ويعيش في نانت. كما كان مولعًا بالموسيقى ويعزف الساكسفون. وقد حضر العديد من الحفلات الموسيقية بما في ذلك حفل فريق (إيجلز أوف جولد ديث) الأمريكي، الذي استضافه مسرح باتكلان مساء جمعة الأحداث الدامية، عندما هاجم الإرهابيون المسرح.

وكان جاليسن في صحبة أحد أصدقائه، لكن صديقه هذا قد نجا من الموت.

أصدقاء جاليسن اعتادوا تسميته “الرجل ذو القبعة” وذلك لأنه دائمًا ما كان يرتدي قبعة ملونة حصل عليها هدية خلال إحدى سفراته إلى تايلاند.

___

شبّ (غيوم لو درامب) بين أصدقائه معتادًا على أن ينادونه باسم مستعار، وهو عبارة عن إعادة لترتيب أحرف اسمه الأصلي: (ميوغل ليبلمارديو)، وهي عبارة عن لعبة كلمات يمكنها أن تفسر طبيعة صاحب الشخصية: مهرج، ومحب للمزاح. فاتن وأينما حلَّ لا تجده كلًّا، بل يناسب تمامًا الدور الذي هُيأ له.

“فكاهي ولا يمكن مقارنته. ويعطينا لحظات لا تُنسى وضحكات مجنونة لا تُحصى”، بهذه الكلمات نعاه أصدقاء الطفولة (نيكولاس كوتشارد)، و(توماس ليبرزلا)، و(غيوم ليكيف) في مقالة وداع لصديقهم نُشرت على موقع هافينغتون بوست الفرنسي. كما ذكروا في مقالهم أيضًا أنه كان: “شخصًا حساسًا أيضًا، يتخفى خلف وجه المهرج، حتى أنه أحيانًا كان هشًّا. وكان مثقفًا وغنيًّا بالمراجع،  ومتحدثًا بسرعة البرق… كان ميغويل المتلون كالحرباء حاضرًا في أي موقف”.

وكان لو درامب يبلغ من العمر 33 عامًا عندما قُتل بمقهى لابيل إيكويبي، حيث كان يحتفل مع عمال مطعم مجاور بعيد ميلاد أحد أصدقائه، وذلك وفقًا لما قال زملاؤه لصحيفة نيويورك تايمز، وكان الرجل يعمل في مطعم قريب من المكان اسمه (تشي جاناو)، وطلب من الإدارة الحصول على هذا اليوم إجازة من أجل التحضير للاحتفال.

وقد ذكر قسم اللغة الإيطالية بجامعة السوربون الجديدة في باريس، إن لو درامب الذي عاش سنوات عديدة في مدينة بارما الإيطالية، كان يدرس الماجستير في اللغة الإيطالية. حيث نعاه موقع القسم على الإنترنت قائلًا: “شخص نشيط ذو طلعة واسعة، وشخصية مرحة للغاية”.

وقالت أخته غير الشقيقة (أناي نيكولاي) لصحيفة نيويورك تايمز، إن أسرته عزته في مدينة شيربورغ الفرنسية المطلة على بحر المانش حيث مسقط رأسه، من خلال زيارة مسجد محلي بالمدينة.

وأضافت نيكولاي قائلة: “هذا ما كان سيرغب في القيام به إن كان على قيد الحياة. فإن غيوم كان كل ما يشغله أن يكون متفاهمًا لطبيعة الآخرين، وأن يستمتع بحياته، وأن يجمع الناس معًا. كان لا يكترث سوى بالمحبة”.

___

أمّا (ريتشارد رامانت)، فكان يبلغ من العمر 53 عامًا. يعشق موسيقى الروك وركوب الدراجات النارية وكذلك زوجته. وقد مات بجانبها عندما أراد حمايتها خلال الهجمة التي طالت مسرح باتكلان.

وصرح رئيس مهرجان البلوز كاهور، حيث شارك رامانت في المهرجان متطوعًا لسنوات عديدة، لوكالة الأسوشيتد برس إن الرجل قُتل عندما حاول الذود بجسده عن زوجته (ماري دو) التي نجت.

وقال روبرت موريس رئيس المهرجان: “رقد كلاهما على الأرض، لكنه رمى بجسده فوقها لكي يحميها، وفي هذه اللحظة لفت تحرك ريتشارد انتباه الإرهابي فأطلق الرصاص عليه. أما هي فقد نجت لأنها تظاهرت أنها ميتة”.

وأضاف موريس أن زوجة رامانت التي أُصيبت برصاصة في ساقها، روت له إنها رقدت تحت جسد زوجها للثلاث الساعات التي استمر خلالها الهجوم، وإنها خضعت لعملية جراحية ناجحة هذا الأسبوع، وستبقى في المستشفى لفترة.

وقال موريس إن رامانت اعتاد أن يحصل على إجازة لمدة أسبوع كل عام لكي يتبرع بمشاركته في إقامة المهرجان، حيث كان مسئولًا عن تنظيم الصوت والضوء.

وقد وصفه موريس قائلًا: “كان شخصًا استثنائيًّا. لطيف ومتعاون، ودائمًا في حالة مزاجية رائعة. إنه شخص رائع”.

عاش الزوجان في منطقة سيرجي بنتواز بباريس، وكان جانب من شخصية رامانت يبدو من هواة دراجات هارلي دافيدسون البخارية، فلحيته الكثّة والقرط الذي يرتديه وصلعته جعلت جانبًا منه يبدو كذلك. وأضاف موريس أن رامانت كان عضوًا بفريق عروض راكبي الدراجات البخارية المسمى (شوتايم رايدرز) بنادي هارلي دافيدسون.

وقد نعاه الفريق على موقعه الإلكتروني قائلًا: “أخونا ريتشارد.. حمى زوجته ودفع حياته ثمنًا لذلك، لقد فجعنا لما حدث”.

وقد ترك رامانت خلفه طفلين.

___

كان من المفترض أن تكون تلك الليلة مليئة بالشامبانيا ومظاهر الاحتفال الأخرى.

ولذا فقد حجز (تيري هاردوين) أفضل منضدة بمطعم لابيل إيكويبي من أجل الاحتفال بعيد ميلاد صديقته، لأنه أراد أن يسير كل شيء فيه على أكمل وجه. وبدلًا من ذلك، سقط المحبان أرضًا إثر طلقات النار بشارع دي شارون الموازي للمطعم، عندما هاجمت الخلية الإرهابية المطعم الباريسي.

عمل هاردوين، صاحب الواحد والأربعين عامًا، ضابطًا للشرطة ببلدية بوبيني لمدة 15 عامًا، حيث كان ضابطًا مخضرمًا، وفقًأ لما صرح به أصدقاؤه الشرطيون، الذين مررتهم الحسرة على وفاة زميلهم.

وأخبر الضابط (جون لوك دوبو) صحيفة لوباريسيان أنه كان يعرف هاردوين منذ أن كانا في أكاديمية الشرطة. وأضاف قائلًا: “كان زميلًا وصديقًا رائعًا. سنحتفظ دائمًا بصورة الرجل الذي أحب الحياة، فقد كان كان مرحًا ومتعاونًا ومحترفًا في مهنته. لقد أوجد روح الدعابة الجميلة بين قوات الشرطة”.

أما أرنو لوديك، صَفّ الضابط ببلدية بوبيني، فقال عنه إنه كان يحظى بقدر عالٍ من الاحترام بين الجميع.

وكان هاردوين يعرف باسمه المستعار (تيتي)، كما قال أحد أصدقؤه إنه كان محبًّا لآلة الجيتار، وتدخين السيجار، والسفر والرحلات. وقام زملاؤه بحملة لجمع الأموال اللازمة لتكاليف جنازته، وكذلك إيداع بعض المال من أجل مساعدة أبنائه الثلاثة على استكمال تعليمهم.

وأخبر منظم الحملة (رومين جومليت) التليفزيون الفرنسي إن الأموال لن تعيد صديقهم تيري إلى الحياة، وأنهم سيفتقدونه للأبد، لكن تلك الحملة ما هي إلا محاولة لمساعدة عائلة صديقهم الفقيد.

___

كان (فرانك بيشيت) يبدو ويكأنه ينتمي إلى عصر النهضة، فقد عمل مهندسًا كما شهد العديد من مشاريع التشييد. كان يهوى التزلج ولعبة تبادل الكرات بين اليدين وقيادة الدراجات البخارية والجري.

كما كان محبًّا للموسيقى، فقد كان يستمع إلى فريق (إيجلز أوف ديث ميتال) عندما هاجم الإرهابيون مسرح باتكلان.

رحل بيشيت وعمره 33 عامًا، وكان موظفًا بشركة إم سي سي إف، إحدى شركات مجموعة فينسي للتشييد. يخبرنا ملفه الشخصي على موقع (لينكد إن) أنه حصل على درجته العلمية في الهندسة المدنية من المدرسة المركزية للفنون والصناعات بباريس.

وقد أنهى دراسته الجامعية في المدرسة المركزية التي تقع بمدينة نانسي بشمال فرنسا عام 2006. ونشرت المدرسة نعيًا لأحد أبنائها على حسابها الرسمي بموقع تويتر من خلال تغريدة قالت فيها: “المدرسة المركزية بنانسي تعلن الحداد”.

ويحوي ملفه الشخصي على موقع (ليكد إن) قائمة من اهتمامات بيشيت، يتذيلها ويزينها اهتمامه بـ”الإنسانية”.

___

قضى أنطوان ماري معظم حياته منذ الطفولة في مدينة كاين شمال غربي فرنسا، لكنه انتقل إلى باريس قبل عامين، حيث عمل، صاحب الأربعة والثلاثين عامًا، مطورًا لتكنولوجيا المعلومات بشركة ميلكي للدعاية والإعلان بالعاصمة الفرنسية.

وكان ماري قد استقال لكي يعمل مستقلًا، وأنشأ موقعًا إلكترونيًّا من أجل زيادة فرصه العملية بالمجال. وكان ماري ضمن الحشد المتواجد بمسرح باتكلان، يحتفل مع صديق مقرب له يدعى (غيرماين فيري) ويبلغ من العمر 36 عامًا، وقد قُتل الصديقان معًا.

نشر صاحب الشركة التي عمل لها في الماضي تغريدة على موقع تويتر قال فيها: “نرثي اليوم فقدان أحد أفراد مجموعتنا. لن ننسى روحك المتحررة، وروح الدعابة المحببة لديك- لن ننساك يا أنطوان، ولترقد في سلام”.

واعتاد ماري التعبير عن حبه لموسيقى الروك والتكنو على مواقع التواصل الاجتماعي. أما في مسقط رأسه، فقد تسببت وفاته في صدمة وحزن للكثيرين. تقول (آن ماري ليتشات) من مدينة كاين: “نعيش حالة كبيرة من الحزن على هذا الشاب الصغير”.

___

لم يكن (هاياسينثي كوما) متأكدًا من رغبته في الذهاب إلى عيد ميلاد أحد أصدقائه في مقهى لا بيل إيكويبي، فقد أراد أن يذهب في صحبة امرأة إلى مكان آخر، إلا أن أصدقاءه أقنعوه بالذهاب إلى الاحتفال.

وأخبر (غريج ليما) أحد أصدقائه صحيفة الديلي ميل الإنجليزية قائلًا: “ذهب إلى هناك، وبعد ساعات قليلة كان في عداد الموتى”.

ترعرع كوما، صاحب الأصول البوركينية، في ضواحي باريس، فقد عاش في المدينة وعمل نادلًا بمطعم لا شيكس تايبس، وهو ملكًا لمالك مقهى لا بيل إيكويبي. وكان كوما قد غيّر صورته الشخصية على ملفه بموقع فيسبوك منذ يومين، ورفع صورة له مرتديًا سترة النادل والبابيون وممسكًا قداحة الطهي.

وكان كوما مشجعًا كبيرًا لفريق باريس سان جيرمان، وعاشقًا لنجم الفريق السويدي زلاتان إبراهيموفيتش، وذلك وفقًا لما ذكره موقع مشجعي الفريق CulturePSG، الذي حث المشجعين على جمع الأموال من أجل المساهمة في إقامة عزائه.

وكتب الموقع نعيًا له قائلًا: “هاياسينثي كان مثلنا جميعًا، يحب الحياة، ويحب فريق باريس سان جيرمان”.

___

حمل (فيكتور ميونيوز) الكثير في جعبة أعوام عمره الخمسة والعشرين، فقد استطاع وهو ابن الثالثة عشر عامًا إنشاء موقع إلكتروني خاص به، كرّسه من أجل الشعر الذي كان يعشقه.

ميلاده في برشلونة جعله متحدثًا للعديد من اللغات، وقد حصل على درجة الماجستير من مدرسة باريس للأعمال، كما قضى عامًا للدراسة والعمل في جمهورية التشيك. وكان قد أنهى منذ فترة قصيرة دراسته، كما كان مُوشكًا على بدء فترة تدريبة، لذا فكان ثمة بعض التحضيرات للاحتفال لهذا الأمر.

كان ميونيوز يستمتع باحتساء قدحًا من النبيذ مع أصدقائه بمطعم ومقهى لا بيل إيكويبي عندما باغتته رصاصة أسقطته أرضًا.

وكانت أمه (دومينيك كايليموز) كتبت تغريدة من شدة الكرب الذي شعرت به، قبل ساعات من تحري الأمر، قالت فيها: “ليس هناك أي أخبار عن فيكتور ميونيوز الذي جرح في لا بيل إيكويبي. أما تزال المستشفى غير معروفة؟ من يمكنه المساعدة؟”.

ساعات قليلة حتى تأكدت مخاوفها. فقدت الأم أصغر أبنائها إلى الأبد.

___

كانت (إيزابيل ميرلين)، صاحبة الأربعة والأربعين عامًا، تكرس كل حياتها بشدة من أجل أسرتها، لذا فقد أدركوا أن ثمة أمر مروع منعها من الرد على رسائلهم النصية والصوتية.

مهندسة ومديرة أحد المشروعات التابعة لشركة كونتنينتال للسيارات بمدينة رامبوييه التي يستغرق الوصول إليها ساعة ونصف قيادة جنوب غرب باريس، كانت عزباء. وقال عنها أصدقاؤها وأقاربها إنها كانت مليئة بالمرح والرغبة في الحياة.

أحدهم قال عنها: “إنها كانت نشيطة فوق العادة”.

شغفها بالموسيقى هو ما دفعها إلى التواجد بمسرح باتكلان، فقد حصلت على دورة في الغناء بباريس. وكانت ميرلين قد ابتاعت شقة بمنطقة مونبارناس الأكثر جاذبية بمدينة باريس، واجتمعت عائلتها قبل ثلاثة أسابيع في الأول من نوفمبر للاحتفال معها بإجازة عيد جميع القديسين.

نظم (مورغان دريس)، معلم الموسيقى الذي كان يُدرس لميرلين، حفلًا لموسيقى الروك إحياءً لذكراها بأحد المقاهي بوسط باريس، وذلك بعد أسبوع من هجمات الثالث عشر من نوفمبر.

وأخبر دريس صحيفة لوباريسيان قائلًا: “كانت لديها شخصية مشرقة”.

___

بدأ (ديفيد بيرتشيرن) حياته المهنية بالعمل في الصحافة، لكنه غير مسلكه الوظيفي ليلبي النداء الحقيقي ويعمل بمجال التعليم.

وعمل بيرتشيرن صاحب الواحد والأربعين عامًا بمدرستين في منطقة سين سان دوني شرق باريس، وقُتل الرجل خلال الحفل الغنائي الذي أقيم بمسرح باتكلان.

أخبرت مرافقته (كلير بالتيير) صحيفة ويست فرانس أن بيرتشيرن كان مولعًا بموسيقى الروك، وكان محبًا لركوب الدراجات والشراب.

وأضافت بالتيير قائلة: “كان يذهب إلى كل الأماكن بالدراجة، بما في ذلك مكان عمله”.

وقال أحد أصدقائه ويدعى (صامويل هينيكن) مازحًا، إن بيرتشيرن كان دائم التأنق. يضيف هينيكن: “ديفيد كان يحب أن يرتدي ملابسًا جيدة، وكان لديه ولع بقمصان البولو، والجينز الياباني”.

كان بيرتشيرن أبًا لاثنين، وكان من المفترض أن يحتفل بعيد ميلاده الثاني والأربعين في الثامن من ديسمبر القادم.

___

كان (فينسينت دوتوك) مهندسًا معماريًّا يعيش في إحدى ضواحي باريس مع زوجته وطفليه، لكنه قُتل في قاعة مسرح باتكلان، ولم تعرف عائلته خبر وفاته إلا في اليوم التالي للحادث.

ووصفت زوجته مونيكا لصحيفة لو باريسيان المأساة التي خبروها عندما استدعتهم السلطات لمقابلتهم.

تقول مونيكا: “منذ تلك اللحظة عرفت كل شيء. لقد فهمت أننا لن نُستدعى من أجل إخبارنا بأمرٍ سار”.

انتظرت مونيكا بالمكان، حيث كانت السلطات قد شرعت في استدعاء أقارب الضحايا واحدًا تلو الآخر.

 

تضيف الزوجة قائلة: “كنا نسمع صراخًا كلما مرت دقيقتان. وعندما حان دورنا، أحضرونا إلى منضدة كبيرة، وصاح المأمور بعبارة مقتضبة قائلًا: (نُعلمكم أن السيد دوتوك قضى في الهجوم الإرهابي)، ولم ينطق بشيء آخر”.

وعبر (فينسينت جونبرن) عمدة بلدية لاي لي روز مسقط رأس ديتوك عن تعازيه للفقيد، وذلك على صفحته على موقع الفيسبوك قائلًا: “لقد فقد حياته تحت رصاصات الهمجية”.

___

كانت (سيسيل ميس) تشعر أنها ببيتها، أو كما يقال في الفرنسية “تشعر بالرضا والراحة عندما تكون في لون بشرتها الطبيعي”، تعبيرًا عن ارتياحها لتواجدها بمكان مثل مسرح باتكلان.

وكانت صاحبة الاثنين والثلاثين عامًا، مسئولة عن  مسرح جان فيلان الذي يقع ببلدية سوران في إحدى ضواحي باريس على الجانب الآخر من نهر السين. يقول أصدقاؤها وزملاؤها بالعمل إنها كانت مفتونة بالموسيقى والفنون المسرحية منذ أن كانت في السادسة من عمرها، وكان العمل في هذا المجال بمثابة حلم بالنسبة لها.

قُتلت ميس بمسرح باتكلان مع رفيقها الموسيقي (لويز فيليب يشوش فالي).

ونشر مسرحها نعيًا على موقعه الخاص قال فيه: “ستبقى بالنسبة إلينا مثالًا رائعًا للإخلاص والالتزام والحماس والمهنية”.

وأضاف نص النعي: “يصفها الأشخاص الذين عملوا معها على حساباتهم الشخصية بكلمات بليغة، يقولون فيها: كانت دائمًا مبتسمة ومستعدة لأي مهمة، كما أنها كانت إيجابية دومًا وأيضًا كريمة- بالتأكيد كانت شخصية مشرقة”.

___

أحيت (تاتيانا) الأخت الصغرى لـ(برسيليا كورييا)، التي كانت تبلغ من العمر 35 عامًا، ذكرى أختها من خلال وصفها بأنها كانت شخصًا لديه العديد من مجالات الإبداع والشغف، مثل الموسيقى، واللغات، والطبخ، والصناعات اليدوية، والتزلج على الجليد.

وقالت أختها في بريد إلكتروني أرسلته إلى أسوشيتيد برس: “كانت تحب موسيقى الروك، ودائمًا ما كانت تذهب إلى الحفلات. وكانت دائمة الابتسام ولديها العديد من الأصدقاء. كما كانت تحب التنزه”.

وكانت كورييا بالخارج في الليلة التي اقتحم فيها مسلحون مسرح باتكلان، وقتلوا 89 شخصًا.

وأضافت تاتيانا قائلة: “كانت تحب السفر، واكتشاف ثقافات جديدة وتعلم اللغات”. وتعد صفحتها على موقع فيسبوك خير دليل على ذلك الوصف، فلديها كثير من الصور للشواطئ والبحر المفتوح والكباري والغروب في أوروبا وخارج أوروبا. وكانت أفضل جملة مقتبسة لبرسيليا هي: “الحقيقة مؤلمة، لكن الصمت يقتل”.

كانت برسيليا تتحدث الإنجليزية والإسبانية بالإضافة إلى الفرنسية والبرتغالية.

وولدت برسيليا في ضاحية باريس، وكانت تحمل الجنسية البرتغالية والفرنسية. كما كانت تعشق البرتغال، وكثيرًا ما زارت أصدقاءها الكثيرين في لشبونة.

يقول ملفها الشخصي على موقع (لينكد إن)، إنها كانت موظفة بسلسلة محلات (فناك) للتجزئة.

___

كان (كريستوفر نويت شالتر) أحد الضحايا الذين سقطوا بمسرح باتكلان، وقد ترك خلفه فتاة في الحادية عشر من عمرها، والتي كانت بمثابة النور الذي يحيا به.

كانت رفيقته (كاثرين) تبكيه حينما أخبرت صحيفة لو باريسيان قائلة: “في أي لحظة ينطق فيها أحدهم اسم ابنته، كانت عيناه الزرقاوان تبرق”.

أضافت قائلة إنهما كانا لا ينفصلان.

تقول عنه كاثرين: “لقد كان بمثابة الملاك الذي هبط إلي من السماء منذ 14 عامًا. كان رقيق الحاشية وطيب القلب ومشرقًا، وكان دائمًا بجوار أبويه والأشخاص المقربين منه”.

وكان نويت شالتر صاحب التسعة والثلاثين عامًا يعمل مستشارًا للتسويق الرقمي بشركة إم تي آي، التي تتتخذ باريس مقرًا لها. وقد ذهب إلى حفل فريق (إيجلز أوف ديث ميتال) بمسرح باتكلان مع صديق لا يعرفونه ولا يعرفون مصيره بعد الحادث.

___

كان (كوينتن موريير) ذو التسعة والعشرين عامًا، مهندسًا معماريًّا من شمال شرق باريس، وكان يشارك في محاولة لبدء استزراع طعام محلي طازج.

وذكت صحيفة (لالزاس) أن موريير كان نشطًا في منظمة تدعى (فيرجي أوربان)، التي تشجع على زراعة الأطعمة في المناطق المزدحمة بالسكان. وقد نعت صفحة المنظمة مويير قائلة: “كان مليئًا بالطاقة، ومبادرًا وملتزمًا… فقد أسهم في كثير من الأمور من أجل المؤسسة، ومن أجل المشروع ككل. سنفتقده للغاية”.

كان مويير في حفل موسيقى الروك بمسرح باتكلان مع أصدقائه. وتقول صحيفة لازلاس إنه الوحيد من بين أصدقائه الذي لم يستطع الهروب.

وكان مويير يدرس الدكتوراه بالمدرسة الوطنية العليا للهندسة بجامعة فرساي. وقد كرست الجامعة دقيقة حداد على روحه مطلع الأسبوع الماضي.

ووصفت المدرسة العليا مويير على موقعها الإلكتروني بأنه حصيف ومثابر ولديه روح حرة.

وقالت المدرسة العليا في بيانها: “معمل الأبحاث بالمدرسة الوطنية العليا للهندسة المدنية بجامعة فرساي فقد أحد باحثيه الشباب الواعدين المرشحين للحصول على درجة الدكتواره. نشاطر عائلته في أحزانها على الفقيد.

___

كانت (تشارلوت ميود) و(إيميلي ميود) توأمين، ولدتا سويًّا منذ ثلاثين عامًا وتوفيتا سويًّا أيضًا خلال جلستهما بمقهى لو كاريليون بباريس، وهو أحد المطاعم التي استهدفها المسلحون هذا الشهر، وفقًا لما نقلته صحيفة (لو بوبلير) الفرنسية.

عاشت التوأمان ميود سنواتهما الأولى ببلدية (إكسيسور فيين) في وسط فرنسا. وكانتا قريبتين للغاية ومن الصعب التفريق بينهما، وفقًا لما نقلته الصحيفة الفرنسية. وقد تجمع مئات الأشخاص بالمدينة الصغيرة بعد الهجمات من أجل الوقوف دقيقة حداد من أجلهما.

استطاعت كلتاهما خلال السنوات الأخيرة أن تحظيا بوظيفتين ناجحتين بالعاصمة الفرنسية. كانت إيميلي مهندسة معمارية بوكالة شارتييه داليكس، وقد أقرت الوكالة خبر الوفاة على صفحتها على موقع فيسبوك. ونعت المدرسة التي درست فيها إيميلي بجامعة دلفت للتكنولوجيا بهولندا وفاة المرأة الصغيرة على صفحتها بموقع فيسبوك.

أما تشارلوت فقد عملت بـ”مبادرة سينتيبولي”، وهي شركة تعمل بمساعدة أصحاب الابتكارات الواعدين. وقالت المبادرة في تغريدة على موقع تويتر: “سنتذكر حبها للحياة”. ويقول الملف الشخصي لتشارلوت على موقع (لينكد إن) إنها درست بجامعة ستراسبورغ، وأيضًا بجامعة كلود برنار في ليون.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات