يقدم مسلسل «العظيمة»، الذي بدأت خدمة البث الرقمي «هولو» عرضه، نظرة تفتقر إلى التوقير والدقة التاريخية لحياة الإمبراطورة الروسية كاثرين العظيمة. ويستعرض هذا التقرير الوقائع الحقيقية التي أحاطت بحياتها ووفاتها.

 نشر موقع مجلة «سميثسونيان» الأمريكية تقريرًا تستعرض فيه الكاتبة ميلان سولي، مساعدة التحرير الرقمي في الموقع والمتخصصة في الدراسات الإنسانية، القصة الحقيقية لحياة الإمبراطورة الروسية «كاثرين العظيمة»، والتي يُجسد مسلسل جديد يغلب عليه الطابع الكوميدي، يحمل عنوان «العظيمة»، تعرضه شبكة البث الرقمي الأمريكية «هولو»، تاريخها بطريقة عصرية «ساخرة».

والمسلسل المكون من 10 أجزاء قصيرة، مُقتبس من مسرحية تحمل الاسم نفسه، تعود إلى عام 2008، من تأليف كاتب السيناريو توني مكنمارا. ويقدم لك هذا التقرير ما تحتاج إلى معرفته لفصل الحقيقة عن الكثير من الأحداث الخيالية التي يعج بها المسلسل، الذي بدأ عرضه يوم 15 مايو (آيار).

بدأت الكاتبة بالقول: إن سوء الفهم أحاط دومًا بحياة كاثرين العظيمة، إذ تعرضت للسخرية، سواء في عصرها أو في العصر الحديث، باعتبارها داعية حرب منافقة وشهوانية. لكن ميلان سولي تعترف في الوقت ذاته بأن كاثرين العظيمة كانت امرأة متناقضة، طغت أفعالها الوقحة لفترة طويلة على الإنجازات التي أكسبتها لقب «العظيمة» في المقام الأول.

وخلال فترة حكم كاثرين العظيمة لروسيا في الفترة من 1762 إلى 1796 دافعت عن المُثل التنويريَّة العُليا، ووسعت حدود إمبراطوريتها، وقادت الإصلاحات القضائية والإدارية، واهتمت بعمليات التطعيم، وتولت تنظيم مجموعة واسعة من الأعمال الفنية التي شكلت الأساس لأحد أعظم المتاحف في العالم، وتبادلت المراسلات مع فلاسفة مثل: فولتير، ودينيس ديدرو، وكتبت عروضًا للأوبرا وحكايات خرافية للأطفال، وأسست أول مدرسة نسائية تمولها الدولة.

كما أنها صاغت وثيقتها الإرشادية القانونية الخاصة، وشجعت تأسيس نظام وطني للتعليم. ولعل الأمر الأكثر إثارة للإعجاب هو أن الإمبراطورة – التي ولدت كأميرة بروسية شبه مُعدمة – تولت السلطة لثلاثة عقود، على الرغم من عدم أحقيتها في اعتلاء العرش مطلقًا. 

كيف وصلت كاثرين العظيمة إلى السلطة؟

قالت الكاتبة: «إن كاثرين العظيمة اغتصبت العرش بمساعدة عشيقها جريجوري أورلوف وعائلته القوية، بعدما انقلبت على زوجها – بطرس الثالث – بعد ستة أشهر فقط من اعتلائه العرش». وجرى الانتقال غير الدموي للسلطة بسهولة كبيرة، لدرجة أن ملك بروسيا فريدريش العظيم قال في وقت لاحق: «إن بطرس سمح بخلعه عن العرش كطفل يُرسل إلى الفراش».

كاترين العظيمة - مسلسل هولو

لقطة من مسلسل «العظيمة» من إنتاج شبكة البث هولو

ويوضح التقرير أن كاثرين العظيمة ولدت عام 1729 باسم صوفي، أميرة «آنهالت زربست»، وهي إمارة تقع في وسط ألمانيا الحديثة، وهي تنحدر من عائلة بروسية فقيرة تنبع قوتها من صلاتها بالنبلاء، وبفضل تلك العلاقات سرعان ما وجدت نفسها مخطوبة لوريث العرش الروسي: بطرس، ابن شقيق الإمبراطورة الحاكمة إليزابيث، وحفيد أحد أشهر أعضاء عائلة رومانوف: «بطرس الأكبر».

وبعد وصولها إلى مدينة سانت بطرسبرج (التي كانت عاصمة روسيا آنذاك) عام 1744، اعتنقت صوفي المذهب الأرثوذكسي الشرقي، واتخذت اسمًا روسيًا، وبدأت في تعلم اللغة الروسية. وفي العام التالي تزوجت الفتاة البالغة من العمر 16 عامًا من خطيبها، وأصبحت رسميًا الدوقة الكبرى كاثرين العظيمة ألكسييفنا.

كانت كاثرين العظيمة وبطرس مختلفين عن بعضهما، ومن المعروف أن زواجهما لم يكن سعيدًا. وبحسب المؤرخة جانيت هارتلي، ففي حين كان بطرس «فظًا وغير ناضج على الإطلاق»، كانت كاثرين العظيمة واسعة المعرفة بالثقافة الأوروبية وعاشقة لها. كما أمضى الوريث – الذي احتفظ بولاء أقوى لوطنه بروسيا أكبر من روسيا – معظم وقته منغمسًا في مختلف الرذائل، وعمل دون جدوى على تصوير نفسه كقائد عسكري ناجح.

وقد دفعت هذه الاختلافات كلا الطرفين إلى البحث عن العلاقة الحميمة في مكان آخر، وهي الحقيقة التي أثارت تساؤلات – سواء في ذلك الوقت أو في القرون التي تلت – حول أبوة ابنهما، والذي عُرف فيما بعد باسم «بافل (باول) الأول». وأشارت كاثرين العظيمة نفسها في مذكراتها إلى أن بافل كان ابن عشيقها الأول، سيرجي سالتيكوف.

ذلك الزواج المجرد من الحب، منح كاثرين العظيمة فرصة كبيرة لمتابعة اهتماماتها الفكرية، من قراءة عمل مفكري التنوير إلى إتقان الروسية. وتذكر كاتبة السير الذاتية، فرجينيا راوندنج أن كاثرين العظيمة «دربت نفسها وتعلمت وبدأت في تكوين فكرة أنها تستطيع أن تحكم على نحوٍ أفضل من زوجها».

وعلى حد تعبير كاثرين العظيمة نفسها: «لو كان مصيري أن أتزوج بشخص يمكنني أن أحبه، لما تغيرت تجاهه أبدًا». لكن بطرس أثبت أنه ليس فقط شريك حياة سيئ، بل إنه يشكل تهديدًا على رفاهية زوجته، خاصة بعد اعتلائه العرش الروسي عند وفاة عمته إليزابيث في يناير (كانون الثاني) عام 1762. وكما كتب روبرت ماسي في كتابه «كاثرين العظيمة: صورة امرأة» إنه «منذ بداية عهد زوجها، كان موقفها هو العزلة والإذلال.. كان من الواضح بالنسبة لها أن عداء بطرس تحول إلى تصميم على إنهاء زواجهما وإبعادها عن الحياة العامة».

Embed from Getty Images

وتضيف كاتبة التقرير أنه وبدلًا عن الاستسلام لهذا المصير، انتظرت كاثرين العظيمة الوقت المناسب، وشاهدت نفور الفصائل الرئيسة في البلاط من بطرس. وترى إيزابيل دي مادارياجا في كتابها «كاثرين العظيمة: تاريخ قصير» أن بطرس «وعلى الرغم من أنه لم يكن غبيًا، إلا أنه كان يفتقر تمامًا للحس السليم». وزعمت كاثرين العظيمة في مذكراتها أن «كل تصرفاته تقترب من الجنون»، وأن مطالبتها بالعرش أنقذت روسيا «من الكارثة التي كانت تقود إليها الملكات الأخلاقية والمادية لهذا الأمير».

وأوضحت أن بطرس – مثل زوجته – كان في الواقع بروسيًا. بيد أنه في حين قللت كاثرين العظيمة من أهمية هذه الخلفية لصالح تقديم نفسها كروسية وطنية، قدم بطرس خدمة لوطنه بتخليه عن الفتوحات الروسية في بروسيا، ومواصلة حملة عسكرية في الدنمارك لم تكن ذات قيمة تذكر لروسيا. وما فاقم من تأثير هذه القرارات التي لم تحظ بشعبية هو محاولته التنصل من زوجته لصالح عشيقته، واستيلائه على أراضي الكنيسة تحت ستار العلمنة.

وتضيف هارتلي: «كان بطرس الثالث متقلبًا للغاية.. وكانت هناك احتمالية كبيرة لاغتياله. أعتقد أن كاثرين العظيمة أدركت أن موقفها وحياتها ربما باتا عرضة للتهديد، لذا تصرفت».

ويوضح التقرير أن هذه التوترات بلغت ذروتها بانقلاب 9 يوليو (تموز) 1762، عندما وصلت كاثرين العظيمة، يحيط بها أورلوف وعدد متنام من أنصارها، إلى المقر الشتوي لتعلن رسميًا توليها الحكم تحت اسم كاثرين العظيمة الثانية، بينما كان بطرس غافلًا، يقضي عطلته الصيفية في ضواحي سانت بطرسبرج. وعندما وصل إلى قصره ووجده مهجورًا أدرك ما حدث، فشرع «في البكاء والشرب والارتباك».

وفي صباح اليوم نفسه اعتقل اثنان من أخوة أورلوف بطرس، وأجبراه على توقيع بيان بالتنازل عن العرش. وبعد ثمانية أيام قُتل القيصر المخلوع في ظروف غامضة توصف بأنها جريمة قتل، وأُعلن أن السبب الرسمي للوفاة هو «المغص الكلوي».

وبالرغم من عدم وجود دليل قاطع يربط كاثرين العظيمة بوفاة زوجها، إلا أن العديد من المؤرخين أوضحوا أن وفاته أفادتها أيَّما إفادة. فبخروجه من الصورة، تمكنت كاثرين العظيمة من تعزيز سلطتها من موقع القوة. ومع ذلك أدركت الضرر الذي ألحقه القتل بإرثها، وكتبت في مذكراتها تقول: إن «الأجيال القادمة لن تسامحني أبدًا». 

Embed from Getty Images

ما الذي أنجزته كاثرين العظيمة؟ وماذا الذي فشلت في تحقيقه؟

يرى المؤرخ البريطاني سيمون مونتيفيوري: أن «مغتصبة العرش الألمانية استعادت سمعتها، على نحوٍ مذهل، ليس فقط باعتبارها قيصر روسيا واستعمارية ناجحة، بل أيضًا كمستبدة مُستنيرة».

ويشير تقرير المجلة إلى أن كاثرين العظيمة شرعت – بعد عدة أعوام في الحكم – في مسعى قانوني طموح مستوحى – ومسروق جزئيًا – من كتابات بعض كبار المفكرين، أطلقت عليه اسم الـ«نكاز» أو التعليمات، وهي وثيقة صدرت عام 1767، تحدد رؤية الإمبراطورة لأمة روسية تقدمية، حتى أنها تطرقت إلى قضية إلغاء العبودية التي انتشرت بين طبقة الفلاحين في أوروبا خلال العصور الوسطى.

وكانت التعليمات تهدف إلى رفع مستويات الإدارة الحكومية والعدالة والتسامح داخل الإمبراطورية، إلا أن هذه الوثيقة لم تُنفذ على أرض الواقع وظلت مجرد اقتراحات، ومع ذلك فإنها رسخت سمعة الإمبراطورة كحاكمة أوروبية مستنيرة.

في المقابل مثلت الحملات العسكرية العديدة التي شنتها كاثرين العظيمة جانبًا أقل قبولًا من إرثها، إذ وصُفت روسيا في عهدها بأنها «أمة عدوانية» اصطدمت بالدولة العثمانية، والسويد، وبولندا، وليتوانيا، وشبه جزيرة القرم، سعيًا وراء أراضي إضافية لإمبراطورية مترامية الأطراف بالفعل.

وغالبًا ما يُشار إلى فشل كاثرين العظيمة في إلغاء الإقطاع كمبرر لوصفها بأنها مستبدة منافقة، وإن كانت مستنيرة. ومع ذلك، وبالرغم من أن هارتلي تعترف بأن القنانة – نظام العبودية المعدل في روسيا – مثلت «وصمة في جبين روسيا»، إلا أنها تؤكد وجود عقبات عملية منعت الإمبراطورة من تنفيذ مثل هذا الإصلاح بعيد المدى. وأوضح التقرير أن نظام القنانة في روسيا لم ينته رسميًا سوى عام 1861، مع إصدار القيصر ألكسندر الثاني «إصلاح التحرر».

وأوضح التقرير أن مساهمات كاثرين العظيمة في المشهد الثقافي الروسي كانت أكثر نجاحًا بكثير من إصلاحاتها الاجتماعية والاقتصادية الفاشلة، إذ إنها تحولت بمرور الوقت إلى مؤيدة متحمسة وواسعة الاطلاع على فنون الرسم، والنحت، والكتب، والعمارة، والأوبرا، والمسرح، والأدب. كما اشترت الإمبراطورة لوحات فنية بكميات كبيرة، وجمعت في غضون 34 عامًا ما استغرق من أفراد العائلة المالكة الآخرين أجيالًا لجمعه، وشكلت هذه المجموعة الضخمة في نهاية المطاف أساس متحف هيرميتاج.

هل الأساطير المحيطة بكاثرين العظيمة حقيقية؟

بالنسبة لعامة الناس، اشتهرت كاثرين العظيمة بسلسلة علاقاتها الغرامية الشهوانية، إلا أن الإمبراطورة وعلى الرغم من ارتباطها بعلاقات مع 12 عشيقًا، لم تكن بدرجة الانحراف الجنسي التي صورتها الأساطير الشعبية.

ويصفها مونتيفيوري بأنها «مهووسة بالعلاقات الأحادية، تعشق مشاركة ألعاب الورق في جناحها المريح، ومناقشة اهتماماتها الأدبية والفنية مع عشيقها». ويوضح التقرير أن العديد من الحكايات الدنيئة عن حياتها الجنسية يُمكن أن تُعزى إلى معارضيها الذين كانوا يأملون في إضعاف قبضتها على السلطة.

ويزعم البعض أن ضابط الجيش جريجوري بوتيمكين كان أعظم حب في حياة كاثرين العظيمة، على الرغم من أن علاقتها مع جريجوري أورلوف – الذي ساعدها على الإطاحة ببطرس الثالث – استمرت فعليًا لفترة أطول. وفي سنواتها الأخيرة، انخرطت كاثرين العظيمة في علاقات مع عدد من العشاق الأصغر سنًا، وهي حقيقة سارع منتقدوها إلى وصمها بها، على الرغم من أن عددًا لا يحصى من الملوك الذكور فعلوا نفس الشيء دون استثارة غضب رعاياهم.

وبحسب التقرير، فإن أشهر الحكايات التي نسجت حول كاثرين العظيمة هي تلك الخاصة بوفاتها أثناء إقامة علاقة جنسية مع حصان، موضحًا أن قصة وفاتها الحقيقية أبسط كثيرًا؛ ففي 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 1796 عانت الإمبراطورة البالغة من العمر 67 عامًا من سكتة دماغية ودخلت في غيبوبة، ثم توفيت في اليوم التالي، تاركة ابنها الذي هجرته، بافل الأول، حاكمًا على روسيا.

تاريخ

منذ 6 شهور
لم يهزمه الروس والجليد فقط.. قصة بكتيريا هزمت نابليون في روسيا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد