قال بيتر سالزبيري في مقال له على موقع «Quartz» إن الأزمات الدبلوماسية في الشرق الأوسط تكاد تكون نادرة. لكن الأزمة التي اشتعلت قبل حوالي خمسة أشهر بين قطر وبعض جيرانها العرب فريدة من نوعها، فهي أول أزمة جيوسياسية كبرى تندلع بسبب جريمة اختراق سيبراني، وهي تقريبًا أول أزمة تشتعل بسبب خبر زائف لتتحول إلى صراع حقيقي. ويمكن القول إن الأخبار المزيفة التي زُرعت كانت تستهدف شخصية واحدة؛ وهي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ويشير بيتر إلى أنه أجرى مقابلات وحصل على وثائق تُعرض للمرة الأولى وتوضح رأي الحكومة القطرية بالتفصيل في الأحداث التي أدت إلى الأزمة.
كان العالم قد استيقظ على وقع الأزمة في يونيو (حزيران) الماضي، عندما أغلقت البحرين والسعودية والإمارات حدودها مع قطر ردًا على تصريحات نسبت إلى الأمير تميم بن حمد آل ثاني. ومنذ ذلك الحين اتُهمت الدوحة برعاية الجماعات الإرهابية والتقارب مع إيران. ووصل الأمر إلى أن أمير الكويت – الذي يحاول إنهاء النزاع – قد صرح أن التدخل العسكري ضد الدوحة كان مطروحًا من الدول الأربع.
لكن كل شيء بدأ في أبريل (نيسان) – كما يقول القطريون – باختراق غير احترافي لوكالة الأنباء القطرية.
ففي 19 أبريل (نيسان) – يؤكد بيتر – تمكن قراصنة من اختراق موقع وكالة الأنباء القطرية (قنا). وكان عنوان بروتوكول الإنترنت للمخترق روسيًا. وبعد ثلاثة أيام، اكتشف المخترق ثغرة في رمز الشبكة الداخلية لوكالة الأنباء فاخترقها. وفي غضون بضعة أيام أخرى، سيطر المخترق على الشبكة بالكامل، وبدأ في جمع عناوين البريد الإلكتروني وكلمات السر والرسائل.
وفي مساء يوم 23 مايو (أيار)، دخل القرصان نظام وكالة الأنباء، ونشر تصريحات منسوبة إلى أمير قطر. احتوت القصة المختلقة على انتقاداتٍ وجهها الأمير تميم لترامب ومدحٍ لإيران – المنافس الاستراتيجي الرئيسي للولايات المتحدة في المنطقة – باعتبارها «قوة إسلامية». كما نقلت عنه أنه يتحدث بحرارة عن حركة «حماس»، التي تعتبرها الولايات المتحدة منظمة إرهابية.
ظهرت القصة المزيفة على الموقع في حوالي الساعة 12:13 صباحًا، وسرعان ما أصبحت الأكثر شعبية في تاريخ الموقع. وفي صباح اليوم التالي، نشرت المواقع الإخبارية الإماراتية والسعودية تعليقات الأمير المزعومة على نطاق واسع. وقد أغلق موظفو الوكالة الموقع. واتصل المسؤولون القطريون مباشرة بنظرائهم الإقليميين، وطلبوا منهم منع انتشار القصة.
بعد ذلك، بدأت وسائل الإعلام التابعة لدول الحصار في نشر أخبار سلبية عن قطر، متهمة إياها بدعم الجماعات الإرهابية والعمل ضد المصالح الأمريكية مستشهدة بما نُشر على وكالة قنا. وبالتزامن مع ذلك – يضيف بيتر – بدأ جيش إلكتروني بالتغريد على تويتر ضد قطر. وبحلول مطلع يونيو (حزيران)، تصدر وسم #قطع_العلاقات_مع_قطر  المنطقة العربية.
من جانبهم، قال مسؤولون قطريون إن ما حدث واضح جدًا. كان جيران الدوحة يشككون منذ وقت طويل في جارتهم الغنية بالغاز. فقد كرهوا سياستها الخارجية المستقلة ورعايتها لشبكة قنوات الجزيرة، التي فازت بشهرة عالمية بسبب تغطيتها انتفاضات الربيع العربي في عام 2011، وانتقادها العديد من الحكومات العربية.

كانت الإمارات أكثرهم عداوة للدوحة، بسبب دعم الأخيرة لجماعة الإخوان المسلمين، وهي جماعة إسلامية سياسية عابرة للحدود يعتبرها المسؤولون الإماراتيون تهديدًا رئيسيًا لاستقرارهم الداخلي ووصفوها بأنها منظمة إرهابية.

عندما انتخب ترامب رئيسًا – يواصل بيتر حديثه – بدأت كل من أبو ظبي والرياض في مغازلة الزعيم الجديد للعالم الحر وإدارته. وقد توقع السعوديون والإماراتيون أن ترامب – مع اعتماده الوثيق على الأسرة والمستشارين الموثوق بهم – لن يعتمد مثل من سبقوه على تحليل الدبلوماسيين والمسؤولين المهنيين. وقرروا التقارب مع واشنطن بمزيج من الإطراء، والدعاية – التي تميل نحو الوسط الاجتماعي المفضل لترامب وتويتر – والجريمة السيبرانية، مثلما يقول القطريون.
لكن الرياض وأبو ظبي تنكران هذه الادعاءات، وتقولان إن قطر «دولة مارقة» تحتاج إلى تغيير سياساتها. كما أنكرت دول الحصار نية الإطاحة بأسرة آل ثاني. لكن المسؤولين القطريين يقولون إن تحقيقاتهم الخاصة فضلًا عن تحقيقين آخرين تجريهما وحدة الجرائم السيبرانية لمكتب التحقيقات الفيدرالي، والجهاز الوطني لمكافحة الجريمة في المملكة المتحدة كلها تشير إلى اتجاه واحد.
ينقل بيتر عن صحيفة «واشنطن بوست» قولها في يوليو (تموز) الماضي إن أجهزة الاستخبارات الأمريكية لديها دليل على عقد اجتماع في 23 مايو (أيار) بين محمد بن زايد – الزعيم الفعلي لدولة الإمارات على حد وصفه – ودائرته الداخلية للاتفاق على الأخبار وإطلاق حملة إعلامية أوسع ضد قطر.
وقد صرح مسؤولون قطريون لموقع «Quartz» بالقول إن القراصنة الذين اخترقوا وكالة قنا كانوا يتواصلون بشكل منتظم مع شخص ما في دولة الإمارات عن طريق برنامج سكايب من أبريل (نيسان) وما تلاه. وفي حوالي الساعة 11 مساء يوم 23 مايو (أيار)، شهد موقع شبكة قنا ارتفاعًا غير عادي في الزيارات. وقام اثنان من عناوين بروتوكول الإنترنت التابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة بالوصول إلى الصفحة الرئيسية للموقع وتحديثها عشرات المرات على مدار الساعة ونصف الساعة التالية.
«قطر ليست الولايات المتحدة»، يقول مسؤول قطري. ويضيف «لا يوجد سوى عدد قليل من الناس الذين يزورون موقعنا في منتصف الليل يوم الثلاثاء. لكننا وصلنا إلى ذروة النقرات في تلك الليلة. ظلوا يحدثون الصفحة انتظارًا لنشر القصة».

وقال المسؤول إن حوالي 80% من النقرات جاءت من الإمارات، وجاء معظمها من عنوان بروتوكول إنترنت واحد، وهاتف محمول واحد من دولة الإمارات العربية المتحدة، وقد حصل معد التقرير على وثائق تدعم ذلك. وكان الهاتف، الذي كان يحدث الصفحة الرئيسية لوكالة الأنباء مرارًا وتكرارًا، أول من قرأ الخبر. وقد زار المقال أكثر من 40 مرة خلال نصف الساعة القادمة.

انتهز خصوم الدوحة القصة المنشورة على موقع قنا بوصفها دليلًا قاطعًا على ما قالوه للمسؤولين الأمريكيين لسنوات؛ أن قطر دولة مارقة داعمة للإرهاب. يبدو أن ترامب قد ابتلع الطعم، لدرجة تصريح الأخير بأن الحصار كان فكرته. وقد حث منذ ذلك الحين دول الخليج على إيجاد حل دبلوماسي لمشاكلها تحت ضغط من مساعديه.

إذا صدقت الرواية القطرية – يشير بيتر – فإن ذلك ينذر بمرحلة جديدة مخيفة في الصراع السيبراني. في السنوات الأخيرة، سرق القراصنة المدعومون من الدول رسائل البريد الإلكتروني لشركة سوني بيكتشرز ونشروها علنًا، واخترقوا البريد الإلكتروني للحزب الديمقراطي، وهو ما قد يكون قد غير مسار الانتخابات الأمريكية عام 2016؛ وأغلقوا محطات توليد الكهرباء في أوكرانيا. ولكن لحسن الحظ، لم يحاول أحد حتى الآن استخدام أدوات الحرب السيبرانية لإشعال حرب فعلية.
إن بمقدور التكنولوجيا الآن محاكاة ما يصرح به قادة العالم بدقة بالغة. كل ما عليك هو أن تكتب الكلمات التي تريد أن يقولها أوباما أو ترامب أو أمير قطر، وستظهر في فيديو مقنع للغاية. وهذا من شأنه أن يجعل الأخبار الزائفة أكثر قوة وأصعب في مكافحتها.
يؤكد بيتر أن المسؤولين الأمريكيين يخفون قلقهم. وقال أندرو بوين – وهو زميل زائر في معهد المشاريع الأمريكية – «لم أر مسؤولاً أمريكيًا واحدًا يدين الهجوم الفعلي نفسه»، ويعتقد أندرو أن الاختراق والحملة الإعلامية اللاحقة كانت تستهدف ترامب. وأضاف «كان الهدف هو اختراق وكالة أنباء بلد آخر واستخدامه كوسيلة لانتقاد رئيس الولايات المتحدة، وهذا أمر لا أدري لماذا لم يعلق عليه البيت الأبيض».
ما يجعل الأزمة مثيرة للقلق – يختتم بيتر بالقول – هو ليس فقط أنها كادت أن تشعل حربًا جديدة في الشرق الأوسط، وإنما – ومثلما يقول دبلوماسي غربي رفيع المستوى – أنها تظهر أن صانعي الأخبار المزيفة ينتهجون استراتيجية جديدة لا تهدف إلى محاولة التأثير على الرأي العام، بل تستهدف رجلًا واحدًا وهو الرئيس ترامب. وقال الدبلوماسي «طالما هو في المنصب (في إشارة إلى ترامب) فسيبقى هذا النهج جذابًا. ولا أعتقد أنه سيستيقظ يومًا ما في السنوات الثلاث المقبلة ويقرر استبدال تويتر بصحيفة نيويورك تايمز».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد