يوم الأحد الماضي، صباح عيد الفصح، هزت نحو 8 تفجيرات أنحاء سريلانكا. أودت التفجيرات بأكثر من 350 قتيلًا، واستهدفت الهجمات ثلاث كنائس. فما الذي قد يجعل «داعش» -منفذ تلك التفجيرات- يستهدف مبانٍ مسيحية في ذلك البلد؟

بحسب تحليلٍ لمجلة «الإيكونوميست» البريطانية، فإنَّ هذه الهجمات هي جزء من نمطٍ أكبر، يوضح زيادة استهداف الأماكن الدينية على يد الحركات الجهادية كل عام.

«تايم»: سريلانكا تغرق في الدماء.. 6 أسئلة تشرح لك تفاصيل التفجيرات هناك

زيادة الهجمات ضد الأهداف الدينية

أشار التحليل إلى أنَّه قبل عقدين من الزمان، صنع تنظيم القاعدة اسمه من خلال تنفيذ سلسلةٍ من التفجيرات الإرهابية ضد الولايات المتحدة في مختلف أنحاء العالم. شملت هذه التفجيرات سفارتيّ الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا عام 1998، وتفجير مدمرة أمريكية في اليمن عام 2000، والهجوم الأكثر دموية على الإطلاق، وهو هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 على الأراضي الأمريكية. وبينما كان الراحل أسامة بن لادن، مؤسس التنظيم، يتبنى دومًا خطابًا معاديًا لـ«اليهود والصليبيين»، مضفيًا بُعدًا دينيًا طائفيًا على نشاطه الجهادي في أنحاء العالم، فإنَّ هدفه الأساسي كان واضحًا: «قتل الأمريكيين وحلفائهم».

لكن بعد عشرين عامًا من تلك الأحداث، يبدو أنَّ الجهاديين قد حولوا وجهتهم، خاصةً في ظل الجيل الجديد من المتطرفين التابعين لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وتُعد تفجيرات عيد الفصح التي استهدفت ثلاث كنائس بالإضافة إلى عددٍ من الفنادق في سريلانكا -أعلن داعش مسؤوليته عنها رغم عدم توفر أدلةٍ كافية على ذلك- هي أكبر هجماتٍ إرهابية مدبرة تشهدها آسيا خلال السنوات الأخيرة، إذ أسفرت عن مقتل أكثر من 350 شخصًا.

أنصار داعش استهدفوا أيضًا أماكن دينية، في الشرق الأوسط وآسيا، مدفوعين بخطاب التنظيم الذي يزعم أنَّ الإسلام سيقهر المسيحية.

ترى المجلة أنَّ هذا يعكس اتجاهًا واسعًا في الإرهاب الموجه ضد أهدافٍ دينية. إذ زاد عدد ضحايا الهجمات الإرهابية على المساجد والكنائس وغيرها من دور العبادة بسرعة خلال العقد الماضي، وبمعدل أسرع من زيادة عدد ضحايا الهجمات على الأهداف الأخرى.

ووفقًا لتحليلٍ أجرته المجلة البريطانية على بياناتٍ جمعتها جامعة ميريلاند الأمريكية عن الإرهاب في جميع أنحاء العالم، كانت هناك 620 حالة وفاة في 240 هجومًا إرهابيًا على أهدافٍ دينية خلال السنوات الخمس بين عامي 2000 و2004.

وارتفع هذا الرقم بسرعة منذ ذلك الحين، ليصل إلى أكثر من 4000 حالة وفاة في 1400 حادثة بين عامي 2013 و2017 (آخر خمس سنوات تتوافر بياناتها). ووقع ثلثا هذه الوفيات في أربعة بلدان فقط: باكستان، ونيجيريا، وأفغانستان، ومصر. ولا تشمل هذه الأرقام ضحايا الحوادث الإرهابية في العراق وسوريا، حيث أدت الحروب الأهلية إلى تضارب الإحصاءات العالمية.

ما دافع هذا التوجه؟

تعتقد «إيكونوميست» أنَّ أحد الأسباب هو التأثير المريع لداعش، الذي كان يهدف خلال سنوات تكوينه بصفته ذراع تنظيم القاعدة في العراق إلى قتل الشيعة، أكبر طوائف البلاد، مع استقطاب السكان وحث المسلمين السنة على حمل السلاح.

وتقول المجلة إنَّ التنظيم اتَّبع هذه الاستراتيجية لدرجة أثارت قلق قيادات القاعدة. ففي عام 2005، حذر أيمن الظواهري، نائب بن لادن آنذاك وزعيم تنظيم القاعدة الآن، ذراع التنظيم في العراق من أنَّه كان ينفر الناس، قائلًا إنَّ «العامل الطائفي والشوفيني ذو أهمية ثانوية بالنسبة للعدوان الخارجي».

Embed from Getty Images

لكن لم يُعِر تنظيم القاعدة في العراق أي اهتمامٍ لتحذيرات الظواهري. وفي عام 2014، بعد أن غيَّر التنظيم اسمه إلى «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام»، اجتاح أجزاء كبيرة من العراق وسوريا باستخدام العنف المطلق واضطهاد الطوائف المعارضة. وكذلك حث التنظيم أتباعه في جميع أنحاء العالم على شن هجماتٍ مستقلة، الأمر الذي كان تنظيم القاعدة -بتسلسله الهرمي الأكثر صرامة- أكثر ترددًا في فعله.

وتعتقد المجلة أنَّ نمط الهجمات هذا كان يعكس تفضيل داعش للهجمات المثيرة على نطاقٍ واسع من الأهداف. ولم يتوقف أتباع داعش الأوروبيون عن الهجوم على مراكز النقل والحفلات الموسيقية، كما فعلت القاعدة منذ عقدٍ مضى. لكنَّ أنصار التنظيم استهدفوا أيضًا أماكن دينية، لا سيما في الشرق الأوسط وآسيا، مدفوعين جزئيًا بخطاب داعش الذي يزعم أنَّ الإسلام سيقهر المسيحية ويسيطر على روما.

وأعلن ذراع التنظيم في مصر مسؤوليته عن تفجيراتٍ استهدفت الأقلية المسيحية في البلاد (وكذلك المسلمين الصوفيين)، في حين استهدف أنصاره في الخليج مساجد شيعية. وكذلك رُبط بين التنظيم والتفجيرات التي استهدفت عددًا من الكنائس في إندونيسيا العام الماضي، وفي الفلبين شهر يناير (كانون الثاني) الماضي.

ونقلت المجلة عن المحلل السياسي الأمريكي بروس هوفمان، الأستاذ بجامعة جورج تاون الأمريكية، قوله: «بالطبع يهدف الإرهاب إلى إحداث الصدمة والترويع. لكنَّ قوته تزداد عندما تُستهدف الأماكن المقدسة ويُقتل المصلون ورجال الدين الأبرياء. يدرك داعش التأثير الهائل للهجوم على مثل هذه الأهداف».

وبمعنى آخر، توضح «إيكونوميست» أنَّ خطط داعش تمثل عودةً إلى حرب الجهاديين ضد «العدو القريب»، إذ غالبًا ما يرى المتطرفون أنَّ الأقليات داعمة للحكام المستبدين في البلاد، ولهذا استُهدِفت الكنائس خلال الثمانينيات من القرن الماضي، وذُبِح الرهبان في الجزائر خلال تسعينيات القرن الماضي. وعن ذلك قال رافاييلو بانتوتشي، الباحث بالمعهد الملكي البريطاني للخدمات المتحدة في لندن: «يمكنك الحشد ضد الآخرين إذا كان يمكنك وصفهم بالمرتدين. بمجرد أن تفعل ذلك يسهل عليك ارتكاب مذابح جماعية بحقهم».

نفس الأهداف.. لكن استراتيجية مختلفة

بحسب التقرير، لم يكن تنظيم القاعدة نفسه رافضًا لتنفيذ هجماتٍ ضد أهداف دينية، بدليل تفجيره معبدًا يهوديًا في مدينة جربة التونسية عام 2002. ومع ذلك، ما زالت قيادة القاعدة ملتزمة بحربها ضد «العدو البعيد»، أي الولايات المتحدة والغرب، وترى أنَّ طائفية داعش العلنية غير مقبولة. ووفقًا لبول كروكشانك، المحرر بمجلة «سي تي سي سنتينال» الأمريكية المتخصصة في شؤون الإرهاب، أمرت قيادة القاعدة أتباعها قبل شهرٍ بعدم تنفيذ أي هجمات على دور العبادة.

Embed from Getty Images

ويرى سام هيلر، المحلل بمؤسسة مجموعة الأزمات الدولية، أنَّ تنظيمي القاعدة وداعش يشتركان في معتقداتٍ وأهداف متشابهة، لكنَّهما يختلفان حول كيفية تحقيقها، وكذلك يتنافسان لاستقطاب المجندين وتلقي دعم المسلمين على نطاقٍ أوسع.

وأضاف هيلر أنَّ استراتيجية «العدو البعيد» التي يتبعها تنظيم القاعدة تعيقها حقيقة أنَّه من الصعب عليه ضرب الأهداف الأمريكية، وأنَّ أعمال داعش العشوائية أسهل في الاستيعاب بالنسبة للمجندين الذين يسعون إلى «العنف الشديد والموت والغزو وإحداث فتنة طائفية»، ويبدو أنَّ هذه النظرة في تصاعد.

وعزت المجلة ذلك بشكلٍ كبير إلى سيطرة داعش الهائلة -رغم قصر مدتها- على الأراضي وإنشاء دولة الخلافة عام 2014؛ مما منحها تقديرًا بين المتطرفين الذين استوعبوا رسالتها العدوانية واختيارها المحدد للأهداف. ومع انهيار الخلافة، عاد نحو خمس مقاتلي داعش الأجانب -البالغ عددهم أكثر من 40 ألف مقاتل- الذين تدفقوا إلى العراق وسوريا من أكثر من 80 دولةً إلى بلادهم، محملين بجهات الاتصال والخبرات والحماس الطائفي.

وأشار التقرير في ختامه إلى أنَّ التفجيرات الأخيرة توضح أنَّ الأماكن الدينية في جميع البلدان، حتى تلك التي لديها سجل ضعيف من الهجمات المعادية للمسيحية مثل سريلانكا، أصبحت هدفًا للجهاديين.

ما قصة المقاتلين الأجانب المتطوعين لمحاربة «داعش»؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد