نشرت مجلة «فورين أفيرز» مقالًا لجاسون ليال، الأستاذ المساعد في كلية دارتموث، استعرض فيه تاريخ الجيوش الناجحة، لافتًا إلى أنه رغم التقنيات الحديثة، يبقى أهم ما يميز الجيش الناجح والقوي هو التنوع والمساواة بين الجنود، بغض النظر عن خلفياتهم العرقية أو الدينية.

يتساءل جاسون ليال في مستهل مقاله: ما الذي يجعل جيشًا ما ناجحًا في المعركة؟ عوامل قليلة تتبادر إلى الذهن، مثل القوة العددية، والحنكة التكتيكية، ونوع المؤسسات السياسية التي تحكم البلد في الداخل.

وكذلك ربما ترجح التقنيات الجديدة كفة التوازن، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والطائرات بدون طيار والأسلحة التي تفوق سرعة الصوت.

لكنَّ أحد أهم العوامل المحدِّدَة للأداء في ساحة المعركة، والتي دائمًا ما يُتغاضى عنها هي: المساواة بين الجنود، بصرف النظر عن أصلهم العرقي.

دولي

منذ 5 شهور
لماذا تلجأ أقوى جيوش العالم إلى توظيف كُتَّاب الخيال العلمي؟

إن الطريقة التي تتعامل بها المجتمعات مع مجموعاتها العرقية المكونة لها، يمكن أن تصنع الفارق بين نجاح مذهل وهزيمة ساحقة، ما إن يبدأ إطلاق النيران. وكما يجادل الكاتب في كتابه الجديد، تظهر الحروب التي اشتعلت خلال القرنين الماضيين أن الجيوش التي توفر مظلة شاملة لمنتسبيها – أي إن كافة المجموعات العرقية المُمَثَّلة في الجيش يُنظَر إليهم على أنهم مواطنون كاملو المواطنة في الدولة التي يخدمونها – تتمتع بنجاح أعلى بكثير من الجيوش التي تفتقر إلى هذه المظلة الشاملة.

وعندما تُشكَّل الجيوش من مجموعات عرقية مُهمَّشَة أو مكبوتة، على النقيض، يتضرر أداؤها في ساحة المعركة. لأن هذه الجيوش المُقسَّمَة عادة ما تقضي وقتًا طويلًا في إجبار جنودها على القتال، كالذي تقضيه بالفعل في شن حرب ضد العدو.

ويضيف ليال أن الجيوش التي تتسم بانقسام عرقي ينتهي بها الحال مُصفَّدَة في قيود من صنع يديها. كما أنها تقرع جرس إنذار، وهو: أن القوة العسكرية لا تنبع من أسلحة الجنود، بل من الوضع النسبي لهؤلاء الجنود الذين يحملون الأسلحة. ومع تسارع وتيرة كراهية الأجانب والشعبوية عالميًّا، فإن الجيوش التي ترضخ لهذه التيارات، ستجد نفسها تحت رحمة جيوش – ومجتمعات – لا تكاد تحافظ على هذا الشمول إلا بشق الأنفس.

كيف يفيد التنوع الجيوش.. أو يضرها

يوضح الكاتب أننا نميل إلى أن نكتب عن الجيوش بوصفها آلات سرية وشؤونًا مجهولة وزيًّا عسكريًّا، لكن الحقيقة أشد تعقيدًا من ذلك. فالتنوع، لا سيما فيما يتعلق بالتركيبة العرقية، لطالما ميَّز التنظيمات العسكرية على مدى قرون.

منذ عام 1800، أصبح الجيش النموذجي يضم في صفوفه جنودًا من خمس مجموعات عرقية مختلفة. واحتوى «الجيش الكبير» بقيادة نابليون على مزيد من البولنديين، والألمانيين، والإيطاليين، والهولنديين أكثر من الجنود الفرنسيين، أثناء مسيرته المصيرية إلى موسكو عام 1812. ودمجت جيوش مملكة تشينج الصينية في القرن التاسع عشر سكان قوميات الهان، والمغول، والمناشو، واعتمدت على العديد من العناصر المساعدة المحلية. وبنت فرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة جميعًا جيوشًا استعمارية كان جنودها من الأقليات. وفي أثناء «الحرب العالمية الثانية»، نشرت ألمانيا النازية ما يزيد على مليوني جندي غير ألماني ينتمون لما لا يقل عن 20 عرقية مختلفة على الجبهة الشرقية. ولم يكن الجيش الأحمر «الروسي» أقل تنوُّعًا؛ إذ احتوت فرقة المشاة الـ45 على جنود من 28 مجموعة عرقية، عندما توجهت صوب ستالينجراد عام 1942.

بحسب الكاتب، يعتمد أداء هذه الجيوش في ساحة المعركة على ما إن كان بإمكانها إدارة التنوع في صفوفها. ولأن الجيوش مرآة للدول التي ترسلها، فإن الإجابة تتلخص في كيفية معاملة الدول المعنية للمجموعات العرقية المكوِّنة لها.

Embed from Getty Images

بعض هذه الدول تبني هويات وطنية شاملة تتيح وضعًا سياسيًّا متكافئًا للجميع. بينما تستغل دول أخرى الانقسامات والتمييز العرقي أدواتٍ لترسيخ أركان حكمها. وفي حالات أشد تطرفًا، تفرض بعض الدول نظامًا صارمًا للوطنية والانتماء، مع إزاحة السكان «الغرباء» بعنف إلى أسفل الهرم المجتمعيِّ.

عندما تذهب دول إلى الحرب، تنتقل هذه الترتيبات إلى جيوشها، التي تتعرض للتآكل بفعل التفاوتات العرقية. والجنود الذين ينتمون إلى مجموعات عرقية مُهمَّشَة أو مكبوتة، سيحجمون عن القتال والموت من أجل نظام يستعبدهم. وتزداد احتمالية أن يتوحدوا على أسس عرقية لينظموا جماعيًّا أنشطة مقاومة أو تخريب ضد رؤسائهم. والقيادات العسكرية، التي تستشعر هذه المخاطر، غالبًا ما تتخذ تدابير تحول دون حالات عدم الانضباط، وربما تعيد تشكيل التركيبة العرقية المكونة لوحداتها؛ للحيلولة دون توحد الجنود الذين ينتمون إلى المجموعة العرقية ذاتها، أو ربما تبسط تكتيكاتها لحجب فرص الجنود في الانشقاق أو الفرار إلى العدو. ويلجأ البعض حتى إلى ممارسة العنف الجماعي ضد جنودهم لإجبار ما لا يمكنهم قيادته منهم طواعية.

وانتقد المقال هذه التدابير التي وصفها بأنها تلحق خسائر فادحة بالأداء في المعركة؛ إذ تخوض الجيوش المنقسمة المعركة، مُثقَلَة بالجنود الناقمين، ومُحمَّلَة بمجموعة مُخفَّضَة من التكتيكات، ومُجبَرَة على تحويل مواردها لمعاقبة جنودها، وبالتالي تكون في مركز أضعف مقارنة بخصومها الذين يتسمون بمزيد من المساواة. وهكذا ببساطة يتضح أن التنوع بدون مساواة يعد أمرًا خطيرًا.

الجيوش غير العادلة تخسر أكثر

ويعرج ليال قائلًا: «حتى أقيس فقط التكلفة الباهظة لانعدام المساواة العسكرية، أنشأت مجموعة بيانات «Project Mars»، التي تبرز الانقسام العرقي في صفوف نحو 300 جيش في 250 حربًا تقليدية منذ عام 1800. ثمَّ قيَّمتُ مدى نجاح أداء هذه الجيوش في المعركة، وذلك بتعقب عدد الخسائر التي تكبدتها والتي ألحقتها، سواء كانت (هذه الجيوش) عُرضَة للانشقاق أو الهروب الجماعي، وسواء نشرت وحدات متخصصة تُعرَف بـ«قوات الحواجز» لإطلاق النار على الجنود الذين ينسحبون من ساحة المعركة».

ترسم النتائج صورة واضحة، فالدول التي تعامل كافة جنودها معاملة متكافئة بصرف النظر عن الانتماء العرقي عادة ما تكون جيوشًا قوية، أما الدول المحاربة التي لديها جيوشًا منقسمة عرقيًّا فهي أقل فعالية بكثير.

الجيوش غير العادلة تبلغ فرصة تكبدها للخسائر 75% أكثر من تلك التي تلحقها بالعدو.

الجيوش غير العادلة تبلغ فرصة تكبدها للخسائر 75% أكثر من تلك التي تلحقها بالعدو، مقارنة بفرصة الأطراف المتحاربة الأكثر مساواة، والتي تبلغ 25%. والهروب الجماعي، الذي يندر حدوثه نسبيًّا في الجيوش المتنوعة التي تتمتع بالمساواة، هو أمر شبه حتمي في الجيوش التي لا تتمتع بدرجة كبيرة من المساواة. والانشقاق الجماعي، أيضًا، يزداد شيوعه عندما لا تعامل الجيوش كافة جنودها على نحو متكافئ. وكلما انحسرت المساواة بين الجنود، زادت احتمالية نشر الجيوش لـ«قوات الحواجز» المميتة.

يزخر التاريخ بالقصص التي تحذر من خوض القتال أثناء الانقسام. ويضرب الكاتب مثلًا بالهزيمة الساحقة لجيش المهدي القوي ذي الـ60 ألف جندي على يد قوة مصرية-إنجليزية في أم درمان، التي تُعرَف اليوم بالسودان، عام 1898.

ذلك النصر غير المتوازن يُنسَب دائمًا إلى تفوق التقنية «العسكرية الغربية» حينئذ، وهي في المقام الأول نوع بدائي من السلاح الآلي الذي مزَّق القوات «المهدية». لكن تلك الرواية تفتقد إلى عامل حاسم آخر، وهو انعدام المساواة بشكل طاغ في صفوف جيش المهدي. ذلك أن زعيم دولة المهدي، الخليفة، كان يحكم إثنوقراطية ضيقة الأفق، وأطلق موجات متكررة من العنف ضد شعبه، وكان جيشه إلى حدٍ كبير يتألف من مجموعات وقبائل عرقية مكبوتة، نجح نصفها في الهروب أو الانشقاق قبل موقعة أم درمان. وأجبرت الوحدات الخاصة من الموالين للنظام الجنود المترددين على أن يظلُّوا في ساحة المعركة قسرًا. ولا عجب أن أداءهم كان سيئًا للغاية بعد ذلك.

يشير المقال إلى أن انعدام المساواة يؤثر حتى في الوحدات الفردية. ففي أثناء «معركة موسكو» في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1941، طوَّقت القوات الألمانية فرقتي المشاة 38 و108 التابعتين للاتحاد السوفيتي. وكانت الفرقتان، المحاصرتان جنبًا إلى جنب، تتمتعان بالحجم ذاته تقريبًا، وكان لديهما أسلحة مشابهة. ولكن الفرقة 108 هي فقط التي نجحت في شق طريقها للخروج من الحصار، ما أفقدها ما يقارب ثلاثة أرباع جنودها في هذه العملية. أما الفرقة 38 فاجتاحتها وحدات الاتحاد السوفيتي ودمرتها تدميرًا كاملًا.

يتساءل ليال: ما الفارق الرئيس بين الفرقتين؟ ويجيب: الفرقة 108 الأكثر نجاحًا كانت خليطًا من الجنود، ولكن يغلب الروس على تركيبتها العرقية، في حين اقتصر تشكيل الفرقة 38 تقريبًا على مجموعات وطنية مكبوتة في شمال القوقاز.

Embed from Getty Images

قمع الأقليات وتأثيره على الجيوش

ما قد يبدو قطعة أثرية من حقبة الحرب الصناعية الشاملة إنما هو في الحقيقة ما يحدد النجاح التي تحرزه الجيوش في ساحة المعركة حتى يومنا هذا. ونظرة إلى الحرب المستعرة في جميع أنحاء الشرق الأوسط وجنوب آسيا تأتيك بالنبأ اليقين؛ فالفشل الذريع الذي منيت به وحدات الجيش العراقي التي يسيطر عليها السنة في صد تقدم قوات تنظيم الدولة (داعش) عام 2014 و2015؛ يمكن أن يُعزى إلى المظالم التي يشكو منها الجنود نتيجة تهميش جماهير السنة تحت قيادة رئيس الوزراء نوري المالكي.

أيضًا، الجيش السوري، الذي يقوده بصفة أساسية ضباط علويون، كانت تجتاحه عشرات الآلاف من حالات الهروب والانشقاق بين ضباط الصف والجنود ذوي الأغلبية السنية، الذين امتعضوا من وضعهم في الدرجة الثانية بموجب رؤية الأسد الطائفية العرقية القاصرة لسوريا. وعلى النسق ذاته، تستمر معاناة الجيش الوطني الأفغاني من حالات هروب جامحة نتيجة لانتهاكات عرقية في صفوفه، وتفشي الشك في صفوف الجنود غير البشتونيين تجاه حكومة كابول، التي تميل لدعم البشتون.

ويشير الكاتب إلى أن هذه الثغرات ستبقى ما دامت الانقسامات العرقية البارزة يمكن استغلالها بسهولة لتحقيق غرض سياسي. حتى الديمقراطيات «الغربية»، بما في ذلك الولايات المتحدة، ليست محصنة عن هذا البلاء؛ فالقبلية والشعبوية والقومية البيضاء، التي تترسخ في هذه المجتمعات، ربما تضع مجموعات لها هوية محددة في مرتبة من الدرجة الثانية، حتى في صفوف الجيش.

إذا استمرت هذه الحكومات في اتباع هذا النهج، ستؤثر جهودها عاجلًا أم آجلًا على جيوشها أيضًا.

وفي مكان آخر، ذلك الاستنتاج أقرب بكثير، إذ يعد قمع الصين للأقليات العرقية في شينجيانج والتبت، ومشروع قانون المواطنة المعادي للمسلمين الجديد في الهند؛ مثالان لجهود طموحة، ولكنها محفوفة بالمخاطر، لإعادة صياغة المواطنة استنادًا إلى الانقسامات العرقية العميقة. وإذا استمرت هذه الحكومات في اتباع هذا النهج، ستؤثر جهودها عاجلًا أم آجلًا على جيوشها أيضًا.

ويضيف الكاتب: سوف تشكل السياسات العرقية أيضًا استخدام تقنيات الجيل التالي في الصراعات المستقبلية. وسوف يستطيع الخصوم استهداف الجنود الناقمين بوسائل التواصل الاجتماعي، مما يحفز انشقاقاتهم ويسهلها. وهياكل القيادة والتحكم الصارمة، التي تهدف إلى منع حالات عدم الاضطراب من جانب الجنود المُهمَّشين أو المكبوتين، سوف تكون نقطة ضعف من نوع خاص في مواجهة الجيوش سريعة الحركة، التي يقودها الذكاء الاصطناعي.

لكنَّ الذكاء الاصطناعي ربما يسمح أيضًا لقادة الجيوش المنقسمة بتحسين رصد الجنود غير المخلصين المحتمَلين. وحتى يمنعوا الهروب والانشقاق، ربما يتعقب القادة قواتهم بأجهزة بيومترية (أجهزة قياس حيوي) ويقيِّدوا تحركاتهم في مناطق جغرافية محددة، تراقبها طائرات بدون طيار، أو أنظمة مؤتمتة أخرى. هذه التقنيات لن تخلق فقط تهديدًا حقيقيًّا بتوقيع العقوبة، ما يجبر الجنود على القتال بشراسة لتجنب العقاب، لكنَّها أيضًا ستشجع القادة على المخاطرة بخوض حروب جديدة.

إن تحليل أثر انعدام المساواة العرقية يمكن أن يعطي الدول أفضلية في الصراعات المستقبلية، مما يتيح رؤى تنبؤية لأداء عسكري محتمل لخصم ما. وعلى عكس عوامل أخرى، يسهل تقييم عدم المساواة نسبيًّا من الخارج، وذلك من خلال مصادر متاحة في الغالب، مثل وسائل التواصل الاجتماعي، التي يمكن أن تقدم أدلة تقريبًا في الوقت الفعلي للحصول عليها.

بناءً على المعلومات الكافية، يمكن أن يستكمل المخططون العسكريون بياناتهم التقليدية – التي تخص عتاد العدو وبنيته التنظيمية – بنتائج عدم المساواة العرقية لوحدات الأفراد، ويمكنهم حينئذ تحديد الوحدات المُعرَّضة إلى الانهيار تحت الضغط، أو تلك التي ستقاوم وتقاتل، مما يساعد في تشكيل خطط لشن حملة قبل أن تبدأ حرب ما. ويمكن أن يستخدم القادة تحليلات مشابهة لتقييم المقاومة والقوة القتالية للقوات المحلية العاملة بالوكالة، والجيوش التي أُعيد بناؤها حديثًا في دول حليفة، وحتى تنظيمات متمردة مثل طالبان و«داعش».

اختتم ليال مقاله بالقول: «الدرس واضح للجيوش الحديثة، وهو: كل جيش عبارة عن تجربة خطيرة في الهندسة الاجتماعية، والحروب التي خاضها العالم على مدار قرون تشير إلى قوة توفير تلك المظلة الشاملة في تحويل هذه التجربة إلى نجاح. المساواة تخلق جيوشًا فتَّاكة، وعدم المساواة يضعفها من الداخل، والتعصب والعنصرية جروح ذاتية تقوض الأمن القومي. وإبان حالة الشك المتزايدة في السياسات العالمية، سيبلي واضعو السياسات الأمريكيون بلاءً حسنًا إذا عمقوا التزامهم بتشكيل جيش يتسم بالتنوع والعدل. وهذه المظلة الشاملة ليست فقط جيدة في حد ذاتها، بل إنها أداة لتعزيز القوة العسكرية للبلاد في الحروب التي ما يزال يتعذر تخيلها».

علوم الثورة

منذ سنة واحدة
السيطرة المدنية على القوات المسلحة.. كيف «روّضت» أوروبا جيوشها؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد