913

استهل الكاتب ستيفن كوك، الخبير في السياسة العربية والتركية، وكذلك في سياسة الولايات المتحدة والشرق الأوسط، مقاله المنشور بمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، بأن ضابطًا عسكريًا تركيًا أوقفه للدردشة بعد محاضرة ألقاها في مؤتمر في واشنطن قبل زمن ليس بالقريب. خلال حديثه معه لاحظ أن المحللين الغربيين يميلون إلى المبالغة في أهمية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ويصر الضابط على أنه «مجرد رجل، لكننا نحن القوات المسلحة موجودون منذ فترة طويلة، وسوف نبقى هنا عندما يرحل» ، كان الاقتراح أن الجيش يستطيع انتظار أردوغان – وهذا كان قبل الانقلاب الفاشل في يوليو (تموز) 2016 – عندما يغادر منصبه؛ إذ سيعود وضع تركيا إلى شيء يشبه ما قبل «حزب العدالة والتنمية».

هذه الفكرة – أنه إذا خسر أردوغان الانتخابات أو تقاعد أو مات، فإن السياسة التركية ستتغير تلقائيًا – لا تقتصر على الضابط الذي التقى به الكاتب؛ ققد أعرب عدد من الأكاديميين والصحافيين وصانعي السياسات الأتراك عن اعتقادهم بأن تركيا ستعود إلى نظام ديمقراطي بما يكفي لإثارة الأمل في أن تركيا قد تنضم يومًا ما إلى نادي الديمقراطيات.

ويرى الكاتب في مقاله أن اقتناعهم له علاقة بالأمل والإيمان أكثر من الحكم التحليلي، لقد غير أردوغان وحزبه تركيا بشكل لا رجعة فيه؛ حيث لا مجال للتراجع الآن.

يمثل المسار السياسي لتركيا حالة مثالية لدولة ما تتراجع بشكل دائم عن الإصلاحات الديمقراطية، لكنها ليست الوحيدة؛ إذ يقوض كل من فيكتور أوربان رئيس وزراء المجر، وياروسلاف كاتشينسكي رئيس مجلس إدارة حزب القانون والعدالة في بولندا، حكم القانون والقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في خدمة ما يصفونه بالموثوقية والأمن، هذه التطورات تسبق أزمة المهاجرين التي تقضي على أوروبا، على الرغم من أن العدد الكبير من الناس من أفريقيا والشرق الأوسط الذين يلتمسون اللجوء في الاتحاد الأوروبي قد جعلوا رسالة أوربان وكاتشينسكي أكثر قوة من الناحية السياسية، وبالتالي فإن إلغاء المؤسسات الديمقراطية وحل القيم الليبرالية مقبول سياسيًا لأعداد كبيرة من المجريين والبولنديين.

ويكمل الكاتب أن المراقبين في كثير من الأحيان يصفون الطريقة التي قام بها هؤلاء القادة – بما في ذلك أردوغان – بتشكيل ديمقراطيات غير ليبرالية، أو في حالة تركيا لحكم استبدادي منتخب، كإثبات لسياسات القوة، ولكن هذه الأحاديث الانتقاصية لا معنى لها خارج افتتاحيات الصحف. وقد أوضحت رؤية أوربان، وكاتشينسكي، وأردوغان مستقبل مجتمعاتهم التي تنادي بأعداد كبيرة من الناس للاستفادة منهم، لقد فعلت القيادة المجرية والبولندية ذلك بشكل أساسي في معارضة المبادئ الليبرالية التي بُني عليها الاتحاد الأوروبي، يمكن تلخيص برنامج حزب العدالة والتنمية في حالة تركيا على أنه الصلاح والرخاء والسلطة، لقد قام الناخبون في الدول الثلاث بمكافأة هؤلاء القادة.

رغم كل نجاحهم الظاهر، فإن القادة الأتراك والمجريين والبولنديين لديهم معارضة. ويذكر الكاتب أنه خلال السنوات الخمس عشرة الماضية عارض حوالي نصف الناخبين في تركيا حزب العدالة والتنمية وأردوغان، ونظم أوربان استفتاءً في عام 2016 يهدف إلى منع المهاجرين من دخول المجر، حيث حصل الإجراء المقترح على تأييد 98% من الأشخاص الذين صوتوا، ولكن في ضربة سياسية كان ذلك أقل بكثير من نسبة الإقبال البالغة 50%، التي يتعين على الناخبين أن يصبحوا ملزمين بها، وانعطف حزب القانون والعدالة في بولندا بعيدًا عن لجنة الدفاع عن الديمقراطية التي تمكنت من جلب أعداد كبيرة من الناس إلى الشوارع في أوقات مختلفة للاحتجاج على نظرة كاتشينسكي إلى العالم.

ويتطرق الكاتب في مقاله حول رد القادة في تركيا والمجر وبولندا على معارضتهم، يشرح الكاتب بأنهم أنشأوا مؤسسات جديدة، وتلاعبوا بالمؤسسات الموجودة بالفعل، وقاموا بإجبار الآخرين على مواجهة التحديات السياسية أو سد إمكاناتهم. تأتي المؤسسات الرسمية على شكل قوانين، وقواعد، وأنظمة، ومراسيم مصدرها الطعن السياسي، غالبًا ما تعكس مصالح الفائزين في تلك الصراعات، فالمؤسسات العامة غير مقننة، لكن هذا لا يعني أنها أقل قوة من المؤسسات الرسمية. تكون هذه المعايير في بعض الأحيان التي تستند إلى الطريقة التي تمت بها الأشياء منذ فترة طويلة، أقوى من القواعد المكتوبة.

يعتقد الكاتب أن أحد أفضل الأمثلة على التلاعب المؤسسي هو الطريقة التي استخدم بها حزب العدالة والتنمية التركي أغلبيته في الجمعية الوطنية الكبرى لإلغاء تحقيق برلماني عام 2014 في اتهامات بالفساد ضد أربعة وزراء حكوميين هددوا بتورط أردوغان وعائلته. لقد جعلت هذه العملية فكرة الرقابة البرلمانية لا معنى لها في الأساس، وأعطت الزعيم التركي فرصة للمجادلة – بمصداقية لناخبيه – بأن الادعاءات الأصلية كانت محاولة انقلاب. منذ إدعاء الفساد، تلاعب أردوغان بالمؤسسات لعكس نتيجة الانتخابات التي لم تعجبه عام 2015، حاكم خصومه في المحاكم المكتظة بمؤيديه، وأخمد القوانين الانتخابية في تركيا لضمان تمرير استفتاء على التعديلات الدستورية التي من شأنها أن تمنح الرئيس سلطات استثنائية.

لقد استخدم حزب العدالة والتنمية النظام القانوني لسجن الصحافيين – في أغلب الأحيان بتهم ذات صلة بالإرهاب – ولتغيير ملكية الإعلام. هذه الهجمات على الصحافة تكفلت بجمع الأخبار المستقلة، إلى جانب تحويل ملكية النشر والإذاعة والخدمات الإخبارية التي تديرها الدولة في ذراع حزب العدالة والتنمية.

في الانتخابات الأخيرة أعلنت وكالة «الأناضول» المملوكة للدولة أن الانتخابات الرئاسية لصالح أردوغان، قبل أن يتمكن المجلس الأعلى للانتخابات – المكون من أشخاص معينين من حزب العدالة والتنمية – من حساب الغالبية العظمى من صناديق الاقتراع، وقد دفع هذا أردوغان إلى الظهور على شاشات التلفاز بقبول فترة رئاسة أخرى؛ مما جعل من المستحيل على لجنة الانتخابات أن تتناقض مع توقعات الأناضول، وبالتالي جعل المجلس مجرد دعم للمسرح الانتخابي في حزب العدالة والتنمية.

إن التلاعب المؤسسي والألاعيب خلال حقبة حزب العدالة والتنمية، التي استخدمت لخدمة أهداف أردوغان ستستمر بعد رحيله،  ويرجع ذلك إلى أن المؤسسات تميل إلى الرسوخ – فهي تظل لفترة طويلة بعد اللحظة التي تكون ضرورية فيها، وغالبًا ما تستفيد منها مجموعة جديدة من السياسيين لتحسين أجنداتهم. هذا لا يعني أن التغيير المؤسسي مستحيل، لكن التنقيحات تجري في سياق المؤسسات القائمة والألاعيب السابقة. على سبيل المثال: يمكن إرجاع أصول القوانين القمعية الحالية في مصر فيما يتعلق بالصحافة، ومنظمات المجتمع المدني، من خلال أي عدد من المراجعات، إلى الخمسينات والستينات. يميل الاستبداد بهذه الطريقة إلى البناء على نفسه. قد يعطي هذا نتيجة في نهاية المطاف، ولكن دون ثورة تقوض نظام سياسي واجتماعي متعاضد، سيكون للمؤسسة تأثير دائم على المجتمع. على الرغم من كل التغير الواضح في مصر منذ أوائل عام 2011، لا تزال السياسة في البلاد تدور حول نظام أسسه جمال عبد الناصر والضباط الأحرار في الخمسينات.

تشير البيانات التي ولّدها علماء الاجتماع إلى أن التحولات إلى الديمقراطية غالبًا ما تفشل، تخسر بعض الدول ديمقراطيتها، وتلك التي لا تستعيدها إلا في ظروف نادرة ومحددة للغاية. أصبحت فرنسا ديمقراطية مرة أخرى بعد هزيمة حكومة فيشي وألمانيا النازية، وكان من المفترض أن تكون المجر وبولندا أمثلة ساطعة على الانتقال إلى الديمقراطية، إذ قد ترقى تلك البلدان إلى المثل الديمقراطية التي يتقاسمها أعضاء الاتحاد الأوروبي ظاهريًا مع ديمقراطيات أخرى، ولكن بسبب ما فعله أوربان وكاتشينسكي، فإن الطريق إلى ذلك الهدف سيكون طويلًا وصعبًا. ويختتم الكاتب مقاله بأنه بالنسبة لتركيا لا شك في أن الجيش سيظل راسخًا لما بعد أردوغان، لكن من غير الواضح ما إذا كان سيصمد لما بعد «الأردوغانية»!

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك