تلقي الناشطة ماليا بوعطية في موقع «ميدل إيست آي» البريطاني، الضوء على حال حرية الصحافة والصحافيين والإعلاميين في ظل الاحتجاجات المستمرة في الجزائر. وتحاول كشف الرقابة والقمع اللذين كانت تتعرض لهما الصحافة. وإليكم نص المقال:

أن تكون جزائريًّا فهذا أمرٌ صعب، قالها الصحافي والكاتب الجزائري الطاهر جعوط ذات مرة. اغتيل جعوط على أيدي الجماعة الإسلامية المسلحة عام 1993، وخلال العشرية السوداء، بدت مقولته حقيقيةً للغاية. كان يراقب ويكتب عن الإرهاب الذي تعرض له شعبه، محاصرًا بين النظام الجزائري القمعي، والجبهة الإسلامية للإنقاذ (FIS)، وبهذا قدم الكاتب الصريح في رواياته ومقالاته وشعره صورةً حساسة وراسخة للحياة المعاصرة الجزائرية.

كانت تلك فترةً حرجة للغاية بالنسبة للصحافيين والكتاب والمراسلين الذين تعرضوا بانتظامٍ للتهديد أو الاغتيال. وكان جعوط أول من قُتل بهذه الطريقة، لكن تبعه الكثيرون، إذ اغتيل أكثر من 100 شخص ممن عملوا في مجال الصحافة خلال التسعينيات.

ومع الذكرى السنوية لموت جعوط في 26 مايو (أيار)، يتذكّر الجزائريون أنَّ القمع الذي وقف في وجهه، ودفع حياته ثمنًا له قبل عقدين، ما يزال مستمرًا حتى اليوم على يد الحكومة الجزائرية.

بعد إلغاء الانتخابات الرئاسية في الجزائر.. هل يخضع الجيش أخيرًا للحل السياسي؟

حرية الصحافة في الجزائر.. سمعة مروعة

في سياق الثورة المستمرة للأسبوع الخامس عشر على التوالي، نظم الصحافيون في جميع أنحاء الجزائر اعتصاماتٍ للمطالبة بحرية الصحافة، والديمقراطية، والحد من الرقابة.

صنفت منظمة «مراسلون بلا حدود» الجزائر في المركز 136 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي، ومنذ اندلاع الاحتجاجات في 22 فبراير (شباط)، يبدو أنَّ النظام حريص على الحفاظ على سمعته المروعة.

وهو ما أثار الشك والغضب تحديدًا بين المتظاهرين. وصرَّحت الصحافية الجزائرية ليندا عبو، المقيمة في الجزائر والتي تعمل لصالح صحيفة «مغرب إيمرجنت»، للجنة حماية الصحافيين بأنَّ الشعب بدأ في الانقلاب على كل من عمل في وسائل الإعلام، وأضافت: «عندما ننزل إلى الشوارع، يسألنا المحتجون: أين كنتم يوم الثاني والعشرين من فبراير؟».

وبينما بدا ظاهريًّا أنَّ العديد من الصحافيين ومقدمي البرامج كانوا متواطئين في أساليب الدولة للتعتيم على الاحتجاجات، تحدث الصحافيون المعارضون حول الرقابة التي واجهوها في محاولاتهم لتغطية الاحتجاجات. ويزداد ببطء عدد الصحافيين الذين يشكون علنًا من تكميم الأفواه «القادم من المستويات العليا»، والأوامر المباشرة التي صدرت لهم ضد تغطية الاحتجاجات.

مواجهة السلطة

أُقيل المذيع عبد الرزاق سياح، وهو مقدم برامج يعمل في القناة التلفزيونية «أيه 3» الوطنية المملوكة للدولة، بعد أن عارض الطريقة التي تُغطَّى بها أخبار الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة وخلوها من الانتقادات، ودعوته إلى حرية الصحافة نهاية الشهر الماضي.

وصرَّح سياح بأنَّ الإعلام الحكومي أصبح «ناطقًا باسم الفساد»، مضيفًا أنَّ «مهمتنا الأساسية هي توفير خدمة عامة، وأنا أدعو على الهواء الصحافيين والشباب من حركة الاحتجاج إلى دعم معركتنا سلميًّا».

وعوقب صحافيون آخرون دعموا الحراك. إذ مُنع برنامج ميلينا ياسيف من البث، وعُنّف علي حدادو بسبب منشورٍ له على فيسبوك، ونُقلت إيمان سليمان من منصبها بسبب دعمها للاحتجاجات وحرية الصحافة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وحصل عبد المجيد بنكاسي، وهو مراسل في قناة «كانال ألجيري» التابعة للتلفزيون الجزائري، على تحذيرٍ رسمي، وقال إنَّ راتبه تأثر أيضًا بسبب مشاركته في مناظرة تلفزيونية على قناة «بي آر تي في» الجزائرية الخاصة، دون حصوله على الإذن من رؤسائه، وأضاف أنَّ سبب استهدافه وجريمته الوحيدة هي الدفاع عن حرية التعبير.

وقالت نادية مداسي، وهي إعلامية في التلفزيون الجزائري بقناة «كانال ألجيري»، إنَّها أيضًا عوقبت لدعم هؤلاء الذين يخرجون إلى الشوارع كل جمعة مطالبين بإسقاط النظام، وبالتالي أعلنت استقالتها أوائل مارس (آذار). وهناك حالات أخرى مشابهة.

وثائق بنما كانت عاملًا

لا تعتبر مشكلات الرقابة الحكومية جديدة، فقد اضطر العديد من كبار الصحافيين لتحمل سنواتٍ من التوجيهات الإخبارية الرسمية، وحظر المقالات والبرامج بسبب طبيعتها الحرجة، والتهديد بسحب الدعاية الحكومية، والتي هي المصدر الوحيد لتمويل العديد من الصحف.

ومن هؤلاء حدة حزام، أول صحافية تؤسس صحيفة في الجزائر. واجهت حدة مثل هذه التهديدات لصحيفتها «الفجر»، بعد انتقاد تفويض بوتفليقة لولايته الرابعة. وبعد 17 عامًا، أُجبرت الصحيفة على التوقف عن العمل، وبدأت حدة إضرابًا عن الطعام، احتجاجًا على الهجمات ضد حرية الصحافة والتعبير.

وفي الواقع، لدى الدولة الجزائرية سبب للخوف من الشفافية والصحافة الحرة. فعلى سبيل المثال، منذ ثلاثة أعوام، سُربت أكثر من 11 مليون وثيقة خاصة بمعلوماتٍ عن حساباتٍ مالية خارج البلاد، عُرفت باسم وثائق بنما. كان هناك جزائريون بارزون من بين العديد من رجال الأعمال والشخصيات العامة الذين كشفتهم الوثائق من جميع أنحاء العالم، والذين وجدوا أنفسهم في وجه عاصفة الاحتجاجات.

أبرزت الوثائق حجم الأموال الضخم الموجود في الحسابات الخارجية. وبالنظر إلى خسارة مليارات الدولارات من أموال الدولة لصالح هذه الحسابات، ساعدت هذه الوثائق المسربة على توضيح أين تذهب ثروات الدولة.

وصرَّح الصحافي إلياس حلاس للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ) بأنَّ المعلومات التي جرى تبادلها حول مستوى الفساد «أضعفت سياسيًّا الوزراء الذين كانوا في ذروة سلطتهم، وغيرهم ممن كانوا على وشك القفز للذروة».

لم تكن وثائق بنما بالضرورة كاشفةً للشعب الجزائري، الذي كان يعرف منذ زمن أنَّ النظام وحاشيته يسرقون ثروات الدولة ويرسلونها إلى الخارج، لكنَّها وفرت أدلةً قوية على الكيفية التي يحدث بها ذلك.

الصراع الثوري

التحقيقات والاعتقالات والفضيحة الدولية الضخمة، والحشود التي تنزل الآن إلى الشوارع بالملايين، هاتفةً ضد أولئك الذين دفعوا البلاد إلى أزمةٍ اقتصادية، وتركوهم فقراء ويائسين، ليست سوى بعضٍ من نتائج هذا التقرير.

فكر إذن كم من الأكاذيب ما زالت لم تُكشف بعد، وكيف يمكن لمجموعة من الصحافيين الذين يتمتعون بحرية التحقيق ونشر النتائج أن تغذي الصراع الثوري الحالي.

كانت الاحتجاجات في المنطقة المحيطة عام 2011 مؤشرًا أيضًا للدولة الجزائرية يوضح حجم الأضرار التي يمكن أن تحدث للحكومة من خلال الانتشار السريع للمعلومات، وتبادل الدروس والوسائل بين المتظاهرين، ما شجع زيادة قمع الإعلام.

ربما تعلَّم النظام الجزائري من الثورة المضادة أثناء الربيع العربي، لكن كذلك فعل شعبه، الذي وقف تضامنًا مع كل أولئك الذين خرجوا وسُجنوا وماتوا باسم الحرية.

وخلال كل تظاهرة في الأسابيع الماضية، كانت خدمة الإنترنت تنقطع ساعات، وأصبح الأمر معتادًا تقريبًا، لكنَّه لم يثبط من ينقلون الأحداث. فكانت مقاطع الفيديو تُصور، وتُسجل الاقتباسات، وتُسجل المشاهد، ثم تُشارك المعلومات كالنار في الهشيم عند استعادة الاتصال بالإنترنت.

الضغط المتزايد

خلال مظاهرةٍ احتجاجية، قُبض على صحافيين واحتُجزوا ساعات في مركز الشرطة، لكن لم يرتدع الآخرون عن مواصلة العمل كل يوم اثنين من أجل الحق في «الصحافة الحرة».

ولوحظ بالفعل الضغط المتزايد من الشعب. وستكون هناك حاجة إلى المزيد لتحقيق التغيير الحقيقي، لكن لم يتوقف حشد الشعب على الرغم من قمع النظام.

قالها طاهر جعوط بقوة حين كتب: «الصمت موت، وإذا تكلمت تموت، وإذا سكت تموت. إذن تكلم ومت». واليوم، عادت الحياة إلى الشعب الجزائري الذي تكلم، وكتب، وصرخ في سبيل الحق في عدم احتمال الصمت مرةً أخرى.

وصل نفوذها حد تعيين الوزراء.. عائلة كونيناف الثرية التي تسعى لحماية بوتفليقة

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد