بعد حملةٍ قمعية قاسية نفذها الأمن في السودان ضد المحتجين، تزداد مخاوف السودانيين بشأن التأثير الذي سيُحدثه دعم دول الخليج الذي ازداد فور إطاحة عمر البشير في أبريل (نيسان) الماضي.

وفي هذا الصدد، ترى المراسلة بيل ترو في مقال رأيٍ نشرته صحيفة «الإندبندنت» البريطانية أنَّ السودان ربما يواجه مصيرًا مشابهًا لمصر، وسط مصالح الدول الأخرى التي تتدخل في شؤونه.

شبح تجربة مصر يخيم على السودان

بحسب بيل، خيَّم شبح التجربة المصرية الدامية على السودان أثناء موجة التهنئة المفاجئة التي اجتاحته، عندما تمكن المتظاهرون من إطاحة عمر البشير في أبريل الماضي. فلا يمكن لإطاحة رجلٍ واحد أن تقتلع الجذور الراسخة والمعقدة لهيكل الجيش وجهاز الأمن، ومن الصعب كبح جماح هذا الجهاز الأمني، في ضوء التدخل الشديد من جانب المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، اللتين لديهما مصالح راسخة في السودان.

ثم ترددت أصداء ما حدث في مصر الأسبوع الماضي بحدةٍ أكبر، عندما نفد صبر المجلس العسكري الانتقالي الذي يرأسه الفريق أول عبد الفتاح البرهان، والأجهزة الأمنية المرتبطة به ومنها قوات الدعم السريع المخيفة.

أن تكون فردًا في قوات الدعم السريع.. قصة شاب من ميليشيا «الجنجويد»!

لم يوافق المتظاهرون على ترك أماكن اعتصامهم إلا إذا ضمنوا أن تكون الحكومة الانتقالية المُقترحة ذات أغلبية مدنية. فقامت قوات الدعم السريع، المُؤلفة من بقايا قوات الجنجويد المخيفة شبه العسكرية، التي تتهمها المجموعات الحقوقية بارتكاب جرائم حرب في درافور، بفتح النار على مخيمات المحتجين في الخرطوم.

وصف شهود العيان كيف قتلت قوات الدعم السريع المعتصمين، وضربت آخرين بالسياط، وأضرمت النار في الخيام بينما الناس لا يزالون داخلها، ملقيةً بالأدلة، أي الجثث، في النيل.

وأوضحت بيل في مقالها كيف أعرب المتظاهرون الذين كانوا لا يزالون يحصون القتلى ويبحثون عن المفقودين عن يأسهم.

إذ قالت ريم عباس، وهي صحافية سودانية: «نحن عالقون في منتصف حربٍ بالوكالة. إنَّنا حتى لا نعرف من هم أعداؤنا. ربما يكون ما نحاربه هو منطقة بأكملها لها مصالح هنا». وأضافت أنَّ أكبر المخاوف حاليًا هو تأثير السعودية والإمارات، اللتين أرسلتا معونةً بلغت 3 مليار دولار من أجل مساندة السلطات العسكرية بمجرد إطاحة البشير.

مصالح الخليج

أفادت بيل بأنَّ للبلدين الخليجيين علاقاتٍ مع برهان ومحمد حمدان دقلو، نائبه ورئيس قوات الدعم السريع المعروف باسم «حميدتي»، وذلك نظرًا لاشتراك السودان في حرب اليمن المدمرة التي يقودها الخليج.

إذ إنَّ نحو 14 ألفًا من مقاتلي الميليشيات السودانية، أغلبهم من الجنجويد، كانوا هناك في وقتٍ ما يحاربون من أجل السعوديين والإماراتيين ضد المتمردين الحوثيين الذين تدعمهم إيران.

ويرفض السعوديون والإماراتيون على حد قولها – وتحديدًا الإماراتيون بعد أن فقدوا 45 جنديًا إثر هجومٍ صاروخي نفذه المتمردون على مخزنٍ للأسلحة عام 2015 – التضحية بأي جندي آخر من رجالهم، ولذلك اتجهوا إلى الحلفاء والمرتزقة.

وتشير إلى أنَّ وكالة الأنباء السودانية الرسمية بعد أربعة أيامٍ فقط من إطاحة البشير، وفي خضم واحدة من أصعب أزمات البلد، أذاعت بيانًا من حميدتي يعد فيه ببقاء القوات السودانية في اليمن إلى أن «يحقق التحالف أهدافه».

وترجح بيل أنَّ هذا الدعم العسكري هو السبب الأساسي الذي يجعل الدولتين مهتمتين بإبعاد السودان عن الحرب الأهلية، وإبقاء المجلس العسكري الانتقالي ممسكًا بزمام القيادة نوعًا ما. إذ تخشى أن تقرر الحكومة المدنية الجديدة سحب القوات السودانية من اليمن وحل قوات الجنجويد، من خلال تحميلها مسؤولية الجرائم المروعة التي يُقال إن أفرادها ارتكبوها في بعض المناطق مثل دارفور.

Embed from Getty Images

وتشير الكاتبة إلى أنَّ هناك مصلحة أخرى للبلدين في السودان، وهي مصلحة تقليدية أكثر: الخضراوات. إذ أنَّ الدول الخليجية المفتقرة إلى الأمن الغذائي كانت خلال السنوات الماضية تشتري مساحاتٍ واسعة من الأراضي الخصبة الواقعة على جانبي النيل، مستعينةً بالمحاصيل الغذائية لإطعام الأعداد المتزايدة من شعوبها.

وأضافت أنَّه منذ فترة قريبة، في يوليو (تموز) 2016، اعتمد البرلمان السوداني مشروع قانونٍ يسمح للسعودية بزراعة مليون فدان شرق السودان، على مسافة تبعد يومًا واحدًا من ميناء جدة السعودي.

وحصل مستثمرون في السعودية والإمارات وقطر ومصر والكويت على مساحاتٍ واسعة من الأراضي لزراعة المحاصيل الغذائية، وعلف الحيوانات، وإنتاج الوقود الحيوي.

وهناك مستثمرين من الأردن وتركيا ومصر والإمارات والسعودية، حسبما ذكرت الكاتبة نقلًا عن مقالٍ نشره مركز «بوليتزر»، يتنافسون على صفقاتٍ حالية من أجل تأمين 8.5 مليون فدانٍ آخر.

وأشارت بيل إلى مقالٍ كتبه بيتر شوارتزشتاين، الصحافي المعني بشؤون البيئة، في وكالة «بلومبرج» قبل إطاحة البشير، أوضح فيه أنَّ ظاهرة الاستيلاء الشامل على الأراضي، والاستخدام الجائر للموارد السودانية مثل الماء، تعني معاناة واحدة من أكثر الدول الأفريقية خصوبةً في توفير الطعام لشعبها.

وقد أجج ذلك في رأيها التظاهرات التي سببها الجوع، وعددٌ آخر لا يُحصى من المظالم التي تجمعت سويًا وأفضت إلى الثورة التي أطاحت البشير.

ولهذا تخشى الدولتان الخليجيتان كونهما لا تدركان إلى مدى ستكون الحكومة المدنية الديمقراطية المُحتملة مستعدةً لبيع المزيد من الموارد السودانية، أو ما إذا كانت ستلتزم بالصفقات الفاسدة التي وُقعت بالفعل.

لم يتبقَّ إلا الجنوب

وتوجد دولةٌ لها مصلحة أخرى في خلفية الصورة، وهي مصر، التي يراودها قلق مبهم من حدوث انهيارٍ أمني آخر على حدودها.

إذ تشير الكاتبة إلى أنَّ البلد التي يرأسها القائد السابق للجيش عبد الفتاح السيسي، والذي صعد هو الآخر إلى السلطة بعد انقلابٍ عسكري على الرئيس (ونفذ مذبحة راح ضحيتها ثمانمائة من مؤيدي جماعة الإخوان المسلمين في يومٍ واحد عام 2013)، ستسعى بلا شك ليكون حاكم السودان عسكريًا كي «يحافظ» على «السلام» بأي ثمن.

وتوضح كيف تعاني مصر حاليًا لإبقاء حدودها الغربية آمنةً، بينما تتجه ليبيا إلى الحرب الأهلية الثالثة لها في أقل من 10 سنوات. بالإضافة إلى الحرب التي تشنها مصر على المتمردين والجهاديين في شمال سيناء، ومحاولتها إيقاف الانهيار التام لقطاع غزة في الشرق. وبالتالي فهي لن ترغب في استقبال طوفانٍ من اللاجئين من الجنوب إذا حدث ووقعت السودان في نزاعٍ مدني آخر.

تقاعس الغرب

تشير بيل إلى أنَّه على الرغم من التصريحات التي تنذر بالخطر، وتطالب بعملية انتقالية يسيرة إلى سلطةٍ مدنيةٍ، فالراجح أنَّ الولايات المتحدة ستتولى قيادة التدخل بدلًا عن شركائها في الخليج.

السودان

واستشهدت بستيفن كوتسيس، الصحافي في موقع «ديلي بيست» الأمريكي، الذي أفاد بأنَّ كبير الدبلوماسيين الأمريكيين في الخرطوم وصل إلى واشنطن في مايو (أيار) الماضي، ليُطلع المسؤولين الحكوميين والخبراء على الوضع في السودان. وقال شهودٌ لكوتسيس إنَّه على الولايات المتحدة أن «تنحاز إلى مصالح السعودية ومصر والإمارات»، الذين قدموا دعمًا عسكريًا وماليًا ودبلوماسيًا لحميدتي والمجلس العسكري لمساعدته في البقاء في السلطة.

وكما ورد في مقاله: «كان التصريح مُحيرًا للكثيرين ممن كانوا في الغرفة». ولهذا فإنَّ بيل ترى أنَّه وسط كل هذا، يضعف بشدة أمل المتظاهرين. وأشارت إلى أنَّ بعضهم وضع قدرًا من الثقة في رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد علي، الذي يُعتبر قوةً معتدلة تتقبل الجميع في المنطقة، والذي قد يكون قادرًا على التقريب بين المتظاهرين والأجهزة الأمنية، بينما في الوقت نفسه يردع النفوذ الخارجي.

وتفيد الكاتبة بأنَّه كان موجودًا في السودان يوم الجمعة في زيارةٍ قصيرة، دعا فيها إلى عملية انتقال «سريعة» للسلطة، لكن لم تُبرم أي صفقات خلالها.

وبعد ساعاتٍ قليلة من رحيله، اعتُقل رمزان من المعارضة قابلهما؛ هما إسماعيل جلاب، الأمين العام للحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، ومبارك أردول، الناطق الرسمي باسم الحركة.

وبحسب تقريرها، كان يوم الأحد الماضي هو اليوم الأول لحملةٍ جديدة للعصيان المدني ينظمها المتظاهرون، وقابلتها شرطة مكافحة الشغب في العاصمة بإطلاق الغاز المسيل للدموع. وتقول ريم عباس في إنهاك، محاولةٍ تلخيص الوضع الحالي: «لم نُهزم بعد، لكنَّنا نشعر أن الحرب صعبة جدًا. وآثارها النفسية علينا كبيرة للغاية».

بعيدًا عن التصريحات المعلنة.. كيف تفكر أمريكا في أزمة السودان؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد