استعرض الصحافي البريطاني روبرت فيسك في مقاله بصحيفة «الإندبندنت» البريطانية تداعيات دعم الحكومات الديكتاتورية في المنطقة للمجلس العسكري في السودان وقمعه الثورة. ويستكشف، في ضوء التجربة المصرية، سيناريوهات إفشال الثورة السودانية، وردود الأفعال الغربية على تصرفات المجلس العسكري السوداني، والشخصيات التي تدفع بها الحكومات العربية لتصدر المشهد السوداني ربما لعقودٍ قادمة.

«الفول والفلافل أرحم من مال ابن سلمان»

أشار فيسك إلى أنَّ المتظاهرين السودانيين الذين خرجوا مطالبين بالديمقراطية كانوا هم أول من احتجّ على التدخل السعودي في ثورتهم. فالجميع يعرف أنَّ السعودية والإمارات كانتا تحولان ملايين الدولارات إلى نظام عمر البشير، المطلوب للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب، والذي أطيح من السلطة على يد نخبةٍ عسكرية على غرار انقلاب السيسي العسكري في مصر.

لكنَّ المتظاهرين المعتصمين كانوا أول من رفع شعار: «لا نريد دعم السعودية، حتى لو أكلنا فول وفلافل!» وانطلقت حناجرهم بها، صارخةً، إلى جانب هتافات «الثورة الشعبية» الأكثر شيوعًا.

ويرى الصحافي أنَّ قليلين فقط هم من التفتوا إلى ذلك التطور البسيط (باستثناء صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية)، غير أنَّ عشرات الجثث المنتفخة بالمياه، والتي انتُشلت من النيل في السودان، ينبغي أن تدفعنا إلى تركيز انتباهنا إلى الدعم الذي تغدقه الإمارات والسعودية وخاصةً السعودية على الحكومة العسكرية التي تدعي أنها انتقاليةً في السودان.

Embed from Getty Images

يقول فيسك إنَّه ليس ثمة مفاجأة هنا، فالأحكام القضائية المتكررة بقطع رؤوس السجناء السعوديين بعد محاكماتٍ هزلية، وبقايا جثة الصحافي السعودي جمال خاشقجي بعد تنفيذ الأوامر بقتله، والآن جثث السودانيين المتحللة الطافية على ضفاف أطول أنهار أفريقيا، جنبًا إلى جنب مع العدوان على اليمن وما تلاه من مذابح، كل ذلك يحمل نوعًا ما من الارتباط البشع. كلها مشاكل سياسية حُلّت عن طريق القتل الوحشيّ.

ويرى الصحافي أنَّ ما يريده مئات الآلاف من المتظاهرين، الذين يختبئون الآن من قسوة ميليشيات القتلة التي أطلقها عليهم النظام الجديد الذي يُفترض أنَّه مؤقت، هو أمرٌ بسيط، وهو ليس ما إذا كان عمر البشير سيُحاكم أم لا.

علاقاتٌ غامضة

ما يريده المتظاهرون بحسب فيسك هو إجاباتٌ عن الطبيعة الحقيقية للعلاقة بين أنظمة الخليج، وبين رجلين: قائد قوات الدعم السريع «المرعب» محمد حمدان دقلو، الملقب بـ«حميدتي»، وعبد الفتاح البرهان، الذي يرأس نظريًّا المجلس العسكري الذي تسلم مقاليد البلاد بعد إطاحة البشير.

وبينما زار كلا الرجلين دول الخليج مؤخرًا، يريد السودانيون الذين كانوا معتصمين في الخيام في عاصمتهم أن يعرفوا لماذا وعدت السعودية والإمارات العربية المتحدة بتقديم 3 مليارات من الدولارات دعمًا للحكومة الانتقالية.

ومن هنا أتى تفضيل المعتصمين الفول والفلافل -التي يعود أصلها إلى مصر على الأرجح- على تلقي الدعم السعودي. بيد أنَّه، وعلى ذكر مصر، يشير فيسك إلى أنَّ السودانيين أيضًا يدركون أنَّ ثمة تشابهات لافتة بين تجربتهم الجديدة الخاصة والثورية في المطالبة بإسقاط البشير وتنصيب حكامٍ مدنيين لإقامة انتخاباتٍ ديمقراطية، وبين تجربة المظاهرات في القاهرة بعد 2011.

Embed from Getty Images

فقد كان مبارك بطبيعة الحال هو «عمر البشير» في مصر، والمشير محمد طنطاوي رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية (الذي كانت وظيفته بالطبع تأمين الانتخابات المستقبلية) قام بالدور الذي يقوم به الآن برهان، رئيس المجلس العسكري في السودان.

وكانت الانتخابات الحقيقية بعدها هي ما منح مصر بالفعل عامًا من الرئاسة المنتخبة بشكلٍ حر في عهد محمد مرسي، الذي هيمن فيه الإخوان المسلمون، وإن كانت رئاسته قد امتلأت بالسقطات الفادحة في رأي الصحافي. ثم نفَّذ اللواء عبد الفتاح السيسي انقلابًا عسكريًّا، وسرعان ما ارتقى إلى رتبة مشير، وأعاد تنصيب النظام الديكتاتوري، وتلقى هو أيضًا للمفاجأة دعمًا اقتصاديًّا هائلًا من السعودية والإمارات.

وبعدها، بحسب فيسك، فإنَّ مئات الآلاف من المتظاهرين الذين أشعلوا الثورة ضد مبارك إما قُتلوا وإما هربوا، وإما يعيشون مختبئين، وإما اعتقلتهم قوات الأمن المصرية. ومن ثم فلا عجب في رأيه أن يكون الثوار السودانيون -حتى ولو كانوا يرون دورهم مجرد التظاهر من أجل الديمقراطية- خائفين من أن يعانوا قريبًا المصير نفسه، وأنَّ تلك الملكيات الخليجية السخيّة على وشك توجيه ضربةٍ أخرى من خلال تقديم مزيدٍ من الدعم إلى برهان ومجموعته البغيضة، حسب وصفه.

أمَّا السيسي فترأس الجلسة الطارئة للاتحاد الأفريقي، التي أعطت مجلس برهان العسكري ثلاثة أشهر أخرى لترتيب «تسليم» السلطة إلى القوى المدنية. ولهذا، إذا كان السعوديون قد ساعدوا السيسي في مصر بثرواتهم الكبيرة، فعلى الأرجح في رأيه سيفعلون المثل مع برهان، ويرجح كذلك أنَّ الدعم السعودي بـ3 مليارات من الدولارات كان لتثبيت نظام برهان نفسه، الذي جاء إلى السلطة على إثر احتجاجاتٍ وطنية على اقتصاد السودان المفلِس.

وسبب ذلك حسبما يوضح فيسك هو أنَّ السودان، وتحديدًا الميليشيات سيئة السمعة شديدة الخطورة التي يقودها دقلو، والتي تضم أكثر من 10 آلاف رجل، بعضهم متهم بارتكاب جرائم حرب في دارفور، يقاتلون الحوثيين لصالح السعودية في اليمن. وبشأن هذا الأمر التقى دقلو، وفقًا لشبكة «الجزيرة»، ولي العهد السعودي في أوائل شهر مايو (أيار)، ووعده بالوقوف مع المملكة ضد «كافة التهديدات والاعتداءات من قبل إيران والميليشيات الحوثية». وقيل إنَّه وعد باستمراره في إرسال قواتٍ سودانية لدعم المملكة العربية السعودية في اليمن.

أمَّا برهان فهو من جنَّد العديد من السودانيين الذين ذهبوا للقتال في اليمن، والذي كان عددٌ كبير منهم قد خدم تحت قيادة حميدتي. لذا من الطبيعي حسبما يرى الصحافي أن يكون الأمير محمد بن سلمان راغبًا في استمرار العلاقة مع دقلو، وأي نظامٍ بالنسبة إلى ابن سلمان سيكون أفضل من وجود ديمقراطيةٍ برلمانية في السودان، خاصةً إذا كانت من نوع الإخوان المسلمين الذين حكموا مصر بعد مبارك.

تقاعُس غربي

يرى فيسك أنَّه في خضم تلك الأجواء المنذرة بـ«طعنةٍ في ظهر» المحتجين، وجدت الولايات المتحدة نفسها في موقفٍ أكثر إحراجًا حتى من الموقف الذي مرت به في مصر. فهيلاري كلينتون، التي كانت تشغل وقتها منصب وزيرة الخارجية الأمريكية، استمرت في دعمها نظام مبارك الآخذ في الأفول حتى قرر أوباما، في النهاية، أنَّ أيامه أصبحت معدودة.

ثم رحَّب بمحمد مرسي، بيد أنَّه لم يعرف ما إذا كان عليه أن يدعو تحرك السيسي انقلابًا أم لا. أمَّا السيناتور الراحل جون ماكين فقال فورًا إنَّه انقلابٌ عسكري.

أما الآن، وباستثناء بعض التصريحات الغامضة من إدارة ترامب بإدانة العنف في السودان، فليس ثمة بيان سياسي جاد عن الاضطرابات الهائلة في البلاد. صحيحٌ أنَّ الولايات المتحدة تريد ديمقراطيةً في السودان، أو من المفترض بها ذلك؛ لأنَّ ذلك ما تدعي الإدارة الأمريكية أنَّها تدعمه في كل الدول، إلا أنَّ الجميع يعرف أنَّ ترامب، في تصوره الشاذ عن العالم، يعتبر ولي العهد السعودي حليفًا موثوقًا -على الرغم من جريمة قتل «خاشقجي»- ويعد السيسي «رجلًا عظيمًا».

ويشير فيسك في هذا الشأن إلى تصريحٍ لمساعدٍ سابق لوزير الخارجية الأمريكي، قال فيه لمجلة «فورين بوليسي»: «قادة السعودية والإمارات ومصر وحكوماتهم لا يشاركوننا قيمنا الديمقراطية الأصيلة، ووجهات نظرهم عما ينبغي حدوثه في السودان تختلف اختلافًا كبيرًا عن السياسات التي يجدر بالولايات المتحدة اتّباعها».

أما الاتحاد الأوروبي، فبطبيعة الحال، حريص على الدفع باتجاه انتخاباتٍ ديمقراطية، غير أنَّه، رغم عدم تصريحه بهذا، قلقٌ إلى حدٍّ ما من احتمالية أن يفوز فيها الحزب الحاكم القديم، لا سيما وآلياته الانتخابية ما زالت في مكانها. وفي كل الأحوال، يؤكد الصحافي أنَّ دول الخليج ومصر لا تريد ديمقراطيةً في السودان.
ويختتم فيسك مقاله متسائلًا: هل هم أقوياء إلى تلك الدرجة التي تجعل بإمكانهم ضمان إفشال الثورة؟ أم هم مرعوبون من تأثير وجود ديمقراطيةٍ سودانية على أنظمتهم الديكتاتورية إلى درجة فعل أي شيءٍ لإفشال الثورة؟

وفي رأيه، فإنَّ أكوام الجثث المتراكمة في القاهرة بعد سحق السيسي لمرسي والإخوان، وإعدامات المناضلين الشيعة في السعودية، وتقطيع جمال خاشقجي، وجثث المتظاهرين السودانيين الغارقة في النيل، كل هذا يُنبئ بوضوح عن أنَّ القوى التي تريد سحق أي ثورةٍ في السودان لن تسمح بأي معارضة.

مترجم: تجنبًا لسيناريو مصر.. على ثوار السودان والجزائر ألا يقعوا في هذه الأخطاء

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s