مع استقالة حمدوك، عادت القوات العسكرية والأمنية الآن للسيطرة الكاملة على السودان مرةً أخرى

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تقريرًا لمراسلها لشؤون شرق أفريقيا، عبدي لطيف ظاهر، تحدث فيه عن تداعيات استقالة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وما ينتظر السودان بعد تولي الجيش والشرطة السيطرة الكاملة على البلاد.

يستهل الكاتب تقريره بالقول: يعود الجيش للسيطرة على السودان مرةً أخرى، مما يعرِّض آمال البلاد الهشَّة بالفعل في انتقال ناجح إلى الديمقراطية للخطر، ومع استقالة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك الأحد الماضي، لم يعد لدى السودان حكومة مدنية تساعده في توجيه دفة البلاد التي خرجت للتو من حكم ديكتاتوري دام أكثر من ثلاثة عقود.

وقالت مجموعة من الأطباء إن هناك مخاوف الآن من تصعيد المواجهات بين المحتجِّين وقوات الأمن التي اجتاحت العاصمة الخرطوم وغيرها من الولايات في الأسابيع الأخيرة، ما أدَّى إلى مقتل 57 شخصًا على الأقل. 

هل الديكتاتورية هي قدر السودان؟

يلفت الكاتب إلى ما يقوله المحللون من أن السودان، الذي يبلغ عدد سكانه نحو 43 مليون نسمة ويقع في شمال شرق أفريقيا، لا يملك الهياكل ولا الهيئات السياسية المستقلة القائمة لتعيين رئيس وزراء جديد بصورة شرعية، وهو الأمر الذي يُضعف آمال البلاد أكثر في تغيير الديكتاتورية العسكرية إلى حكم ديمقراطي، في هذا الصدد تقول الدكتورة سارة عبد الجليل، وهي طبيبة سودانية ورئيسة نقابة الأطباء سابقًا: «من الواضح جدًّا أن الجيش وحلفاءه لن يسلموا السلطة سلميًّا، ولذلك سيحاولون سحق المقاومة السلمية، ونحن نتوقع الأسوأ الآن».

Embed from Getty Images

يشير التقرير إلى أن حمدوك كان قد تولى منصبه عام 2019 في جزء من الاتفاق على تقاسم السلطة الذي جرى التفاوض عليه بين القوات المدنية والعسكرية بعد اندلاع احتجاجات واسعة النطاق أدَّت إلى إطاحة الديكتاتور عمر حسن البشير، وكان حمدوك، الخبير الاقتصادي، لا يزال مبتدئًا في عالم السياسة؛ إذ أمضى معظم حياته المهنية بالعمل في المنظمات الدولية، بما فيها بنك التنمية الأفريقي واللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة.

وفي الأشهر التي تلت تولي الحكومة الانتقالية للسلطة، وقَّعت هذه الحكومة اتفاقية سلام مع الجماعات المتمردة، وحظرت ختان الإناث، ورُفِع اسمها من قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب، وهذه التغيرات التي حدثت بتولي حمدوك السلطة أعطت أملًا للشعب السوداني بأن بلادهم تتجه نحو الأفضل. 

وقال كاميرون هدسون، الزميل البارز في المجلس الأطلسي، وهي مؤسسة فكرية مقرها واشنطن العاصمة: «كان حمدوك شخصية محبوبة ولطيفة، وكان هو بذاته رمزًا لمستقبل أفضل، لقد جاء ليرمز إلى الأمل والتغيير في السودان».

المهمة المستحيلة

يواصل الكاتب: ولكن في النهاية، واجه حمدوك المهمة الشاقة المتمثلة في محاولة توحيد الأطراف المتباينة التي ناضلت لتشكيل مستقبل السودان؛ إذ كان هناك الجيش، وهو القوة المهيمنة على البلاد منذ مدة طويلة، والذي أطاح بحمدوك في 25 من أكتوبر (تشرين الأول)، وأبقاه رهن الإقامة الجبرية، ثم أعاد تنصيبه مرةً أخرى بعد شهر واحد بعد أن وقع اتفاقًا معهم.

وكان هناك مجموعة من الأحزاب السياسية والنقابات العمالية، التي رفض عدد كبير منها أي اتفاق لتقاسم السلطة مع الجيش. ثم كان هناك المتظاهرون الذين تدفقوا إلى الشوارع أواخر أكتوبر، على الرغم من حملة القمع العنيفة ضدهم. ووصفوا حمدوك في هتافاتهم ولافتاتهم بـ«الخائن» الذي قوَّض مساعيهم من أجل «الحرية والسلام والعدالة».

Embed from Getty Images

ودعت الأمم المتحدة ودول من بينها الولايات المتحدة يوم الاثنين الماضي، القادة السياسيين في السودان إلى حل خلافاتهم عن طريق التوافق والحوار. وقال السيناتور الأمريكي جيمس ريش، العضو البارز في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، إن استقالة حمدوك «تكمل» الانقلاب العسكري الذي حدث في 25 من أكتوبر، وحثَّ الجيش على «تسليم السلطة لقادة مدنيين منتخبين». 

وتعهد القائد العسكري السوداني الفريق الركن عبد الفتاح البرهان بتشكيل ما سمَّاه «حكومة مستقلة»، وقال إن الجيش ملتزم بالسلام وإجراء الانتخابات، وفقًا لوكالة الأنباء السودانية، وأكدت الصحيفة الأمريكية أن مكتب البرهان لم يرد على الأسئلة مباشرةً.

تلاشي الآمال بحكومة مدنية

يشير التقرير إلى أن الخبراء يقولون إن تشكيل حكومة مدنية شرعية في الوقت الراهن لن يكون أمرًا سهلًا، وكان من المقرر أن يختار المجلس التشريعي رئيسًا للوزراء، بوصف ذلك جزءًا من الإعلان الدستوري الذي وُقِّع عليه عام 2019، ثم يوافق على هذا الشخص بعد ذلك مجلسُ السيادة، وهو هيئة انتقالية تتكون من قادة مدنيين وعسكريين.

إلا أن هذا المجلس التشريعي الانتقالي لم يتشكل مطلقًا، وقالت لورين بلانشارد، المتخصصة في الشؤون الأفريقية في خدمة أبحاث الكونجرس وهو معهد أبحاث تابع للكونجرس الأمريكي، إن الجنرال البرهان حل مجلس السيادة بعد الانقلاب، وأنشأ مجلسًا جديدًا مكونًا من العسكريين وحلفائهم.

الربيع العربي

منذ أسبوعين
الدم المراق في الخرطوم.. الثورة السودانية مارد ينزف في كل خطوة

وقالت لورين إن هناك خيارًا آخر وفقًا لاتفاقية 2019، يدعو قوى إعلان الحرية والتغيير، التي قادت الجانب المدني من الحكومة الانتقالية، لاختيار رئيس للوزراء، ولكن مع قمع الجنرال للمتظاهرين، يبدو أن مشاركة قوى الحرية والتغيير غير مرجح، على حد قولها، وفي ظل عدم وجود رئيس وزراء أو حكومة مدنية، فإن الجيش والجماعات المتمردة السابقة والمجموعة شبه العسكرية القوية المعروفة باسم قوات الدعم السريع، يسيطرون الآن على السودان.

وقال مجدي الجزولي، زميل سوداني في معهد ريفت فالي المتخصص في الأبحاث، إن من بين الأسماء المطروحة للتعيين في منصب رئيس الوزراء، في محاولة من الجيش لتخفيف الانتقادات الدولية والاحتجاجات المحلية، وزير المالية السابق إبراهيم البدوي، ومضوي إبراهيم آدم، الناشط الحقوقي، لكنه قال إنه من المرجح أن يرفض كلا الرجلين وغيرهم هذا العرض، نظرًا إلى الضغط الذي يمارسه الشعب.

وقال الجزولي: «إذًا في الوقت الراهن، الجنرالات هم من يتخذون القرارات، وإذا كنتَ تقود جيشًا ولديك أسلحة في السودان، فأنتَ الذي تتخذ القرارات الآن».

مزيد من العنف

وقال هدسون إن استقالة حمدوك تزيد الضغط على الجيش؛ إذ إن الجنرالات استخدموا حمدوك غطاءً لحمايتهم من الضغوط الدولية والعقوبات المالية التي تستهدف شبكات أعمالهم الواسعة. 

وحتى في الوقت الذي أيَّدوا فيه الديمقراطية والانتخابات بالكلام دون فعل حقيقي، قوَّض الجنرالات قيادة حمدوك، وردوا بوحشية على أولئك الذين يطالبون بسودان ديمقراطي بالكامل على مدى الشهرين الماضيين. ولكن على الرغم من القمع الذي واجهوه، استمر المتظاهرون المناهضون للانقلاب في التظاهر كل أسبوع؛ إذ أصبحت لجان المقاومة في الأحياء أكثر تنظيمًا في مواجهة الجيش، ولكن مع رحيل حمدوك، يشعر عديد من المدنيين والمحللين بالقلق الآن من حملة قمع أكثر شمولًا وصرامة.

ويختم الكاتب مع الجزولي من معهد ريفت فالي الذي يقول إن السودان «يتعمَّق في سيره نحو الاتجاه الخاطئ، إنه يتجه نحو نظام سياسي أجوف، حيث الكلمات والهياكل لا تعني شيئًا، وقتل الناس لا يُكلفك شيئًا كذلك».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد