يتنافس القادة المدنيون والعسكريون على السلطة، مع بدء العاصمة الخرطوم، اليوم السبت، إغلاقًا يمتد لثلاثة أسابيع. 

يسلط رئيس مكتب صحيفة «نيويورك تايمز» في القاهرة، ديكلان والش، الضوء على الصعوبات التي تكتنف عملية الانتقال للديمقراطية في السودان؛ حيث يتنافس القادة العسكريون مع نظرائهم السياسيين من أجل السيادة، وتتنافس الأجهزة الأمنية مع بعضها البعض سعيا للسلطة، في حين تنتشر مخاوف في العاصمة من حدوث انقلاب عسكري، في ظل أجواء يخيم عليها تداعي الاقتصاد والمخاوف من تفشي فيروس كورونا.

عربي

منذ 6 شهور
ليس أطباء السودان في بريطانيا فقط.. الأطباء العرب يحاربون «كورونا» حول العالم

ويقول الكاتب في بدء مقاله «أدى نزاع حول إجراءات مكافحة فيروس كورونا في العاصمة السودانية، الخرطوم، إلى مواجهة مفتوحة بين قادة البلاد العسكريين والسياسيين، مما يؤكد هشاشة انتقال البلاد إلى الديمقراطية».

أعلن رئيس الوزراء المدني عبد الله حمدوك يوم الخميس أنه أقال محافظ الخرطوم، الفريق أحمد عبدون حمد؛ بسبب تحديه أمرًا حكوميًا بإلغاء صلاة الجمعة في العاصمة الخرطوم ومدينة أم درمان.

ومثل العديد من البلدان الأفريقية، يعد معدل الإصابة بفيروس كورونا في السودان منخفضا نسبيًا – 32 حالة مؤكدة وخمس وفيات من كوفيد-19، المرض الناجم عن الفيروس- لكن المسؤولين يخشون أن يؤدي تفشي المرض على نطاق أوسع إلى إنهاك النظام الصحي المتدهور في البلاد وشل قدراته بسرعة.

محافظ الخرطوم يتحدى أمر رئيس الوزراء

لكن الفريق حمد رفض تنفيذ أمر رئيس الوزراء، قائلًا في بيان أصدره مكتبه بعد ذلك بساعات أنه يعتزم البقاء في منصبه؛ وهو ما وصفه ديكلان والش بأنه «عمل غير معتاد من أعمال التحدي العلني، كشف عن صدعٍ متزايد داخل المجلس الأعلى الحاكم، الذي يتألف من مدنيين وجنرالات الجيش، ومن المفترض أن يقود البلاد نحو انتخابات ديمقراطية في عام 2022».

قبل عام، احتشد عشرات الآلاف من المحتجين على بوابات مقر قيادة الجيش في الخرطوم، في مشاهد مبتهجة أجبرت الجيش على الإطاحة بعمر حسن البشير، الديكتاتور المكروه- على حد وصف الكاتب- الذي حكم بلادهم ثلاثة عقود.

تلك اللحظة المفعمة بالآمل المتقد التقطتها عدسة مصور وكالة الأنباء الفرنسية، ياسويوشي شيبا، في صورةٍ فازت يوم الخميس بجائزة مسابقة الصحافة العالمية المرموقة لذلك العام. لكن هذا التفاؤل المندفع خفّ في الأشهر الأخيرة بسبب عدم الاستقرار السياسي والانهيار الاقتصادي وموجات الاضطرابات العنيفة التي أعاقت مسار دولةٍ ما زالت تكافح من أجل الخروج من ظل حكم البشير القاسي.

Embed from Getty Images

شوارع الخرطوم خالية في ظل الإغلاق بسبب كورونا

حمدوك يكافح للصمود أمام قادة الجيش

يضيف والش: ناضل حمدوك، وهو خبير اقتصادي كبير سابق في الأمم المتحدة، للصمود أمام جنرالات الجيش الذين سيطروا على الحقائب الوزارية السياسية الرئيسية، بما في ذلك الاقتصاد ومحادثات السلام مع المتمردين المناهضين للحكومة في جنوب البلاد، وفي المنطقة الغربية المضطربة من دارفور.

ونجا حمدوك الشهر الماضي من محاولة اغتيال واضحة بعد أن ضرب انفجار موكبه. ولم تعلن أي جماعة مسؤوليتها عن الهجوم، لكن أنصار حمدوك ألقوا باللوم على منافسين عسكريين قالوا إنهم متواطئون مع مسؤولين سابقين من نظام البشير. وقال وزير الإعلام السوداني، فيصل محمد صالح، بعد ذلك: «هناك أناس يحاولون استهداف مكاسب الثورة السودانية».

أدت أزمة فيروس كورونا إلى تفاقم تلك التوترات. وبعد ارتفاع الحالات المؤكدة هذا الأسبوع، ألغت الحكومة صلاة الجمعة وأعلنت عن تعليق الأنشطة لمدة ثلاثة أسابيع، تبدأ اليوم السبت. في تحدٍ لهذه الأوامر، احتشدت مجموعة من المحتجين خارج مقر الجيش يوم الخميس للمطالبة بإسقاط حكومة حمدوك. وكتب على إحدى اللافتات «لا لحكومة الجوع».

مصر وقطر تدعمان البرهان

بعد ذلك بساعات، ومع بروز المواجهة مع حاكم الخرطوم الجنرال حمد، اتصل مسؤولون مدنيون سودانيون كبار بالمسؤولين الغربيين والصحفيين المحليين للتحذير من أنهم يخشون أن يستخدم الجيش الإغلاق الناجم عن فيروس كورونا للاستيلاء على السلطة، بينما ينشغل العالم الخارجي بأزمة الصحة العامة.

Embed from Getty Images

وقال مسؤول في هيئة دولية بالخرطوم، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته؛ لأنه ليس مسموحًا له بالتحدث بحرية عن محادثاته السرية مع المسؤولين الحكوميين: إن القادة المدنيين على خلاف مع قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان، الذي زعموا أنه يحظى بدعم من قطر الغنية بالنفط ومصر المجاورة. وتعمل حكومة السيد حمدوك الانتقالية في ظل مجلس السيادة، الذي يرأسه الفريق البرهان.

يتابع المقال: وسبق أن دعمت قطر الجماعات الإسلامية داخل السودان، بينما تناور مصر من أجل امتلاك موطئ قدم في المنطقة، باعتبار ذلك جزءًا من نزاعها مع إثيوبيا بشأن سد النهضة قيد الإنشاء على النيل. ورحب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالفريق البرهان في القاهرة، لكنه شدد على دعمه لانتقال السودان إلى الديمقراطية.

بيدَ أن العديد من المسؤولين الغربيين قالوا إنه لا توجد مؤشرات تُذكَر على استيلاءٍ وشيك على السلطة. وقال مسؤول كبير في الولايات المتحدة، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لأنه غير مسموح له بمناقشة التقييمات السرية: إن القادة المدنيين القلقين في السودان، الذين انهارت شعبيتهم في الأشهر الأخيرة مع تداعي الاقتصاد، حذروا مرارًا من انقلاب محتمل في الخرطوم لدرجة أنهم أصبحوا أشبه بالصبي الذي يدعي ظهور الذئب.

الخرطوم غارقة في الشائعات

ووصف مسؤول غربي مقيم في السودان الخرطوم بأنها غارقة في شائعات عن انقلابٍ سيجري تحت غطاء فيروس كورونا، لكنه قال إنه لا توجد علامات ملموسة على أي اضطراب.

وفي رسالة بريد إلكتروني، قال المبعوث الأمريكي الخاص للسودان، السفير دونالد بوث: إن إدارة ترامب تقف وراء حكومة السيد حمدوك الانتقالية. وأضاف بوث: «نحن ندرك أنها تمثل وسيطًا بين المدنيين وقوات الأمن، وكلاهما كان له دور فعال في إنهاء ديكتاتورية عمر البشير»، مشيرًا إلى أن الحكومة «تحتاج الآن إلى حماية الشعب السوداني من جائحة كوفيد-19».

وقال المسؤولون المدنيون، الذين تعتمد قوتهم إلى حد كبير على قدرتهم على حشد الدعم الشعبي في الشوارع، إن فيروس كورونا وضعهم في موقفٍ غير موات، لأنهم لا يستطيعون الآن حشد المؤيدين خشية أن يخاطروا بنشر الفيروس.

حمدان يتطلع إلى السلطة ويتحالف مع المدنيين

يلفت والش إلى أن التوتر داخل الجيش يعقد الصراع على السلطة في السودان. ويقول دبلوماسيون ومحللون إن الفريق البرهان يتنافس على السيادة مع الفريق محمد حمدان، القائد الطموح لوحدة شبه عسكرية سيئة السمعة، هي قوات الدعم السريع، التي ارتكبت مذبحة بحق عشرات الأشخاص، في موجة من إطلاق النار والاغتصاب الجماعي، خلال عملية تفريق عنيفة للمتظاهرين في يونيو (حزيران).

ولطالما غضب الجيش النظامي من سلطة الفريق حمدان، الذي يسيطر على إمبراطورية أعمال خاصة وأشار علانية إلى طموحه لتولي الحكم. وفي إشارة إلى مدى تشابك التحالفات والتنافسات داخل القيادة السودانية، أصبح الفريق حمدان الآن حليفًا سياسيًا للقادة المدنيين الذين ذبحت قواته مؤيديهم في الصيف الماضي.

إعادة هيكلة أجهزة الأمن في السودان مهمة صعبة

ومما يزيد الأمر تعقيدًا، أن الأفراد الموالين للبشير داخل قوات الأمن استعرضوا قوتهم في يناير (كانون الثاني) عندما نظموا احتجاجات عنيفة في الخرطوم ضد قرارات فصلهم من الخدمة مقابل مكافآت مالية، مما يسلط الضوء على المهمة الصعبة المتمثلة في إعادة هيكلة جهاز الأمن السوداني المتعدد الرؤوس.

يقول والش: صَبْر الجمهور على هذا التدافع بين القادة العسكريين والمدنيين بدأ ينفد، في ظل معاناة الاقتصاد السوداني.

لم تتحقق الزيادة المتوقعة في المساعدات الخارجية منذ الإطاحة بالبشير. وما زالت الولايات المتحدة تُدرج السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو ما يسفر عن خنق الاستثمار. فيما أدى النقص واسع النطاق في الغذاء والوقود والعملات الصعبة إلى صعوبات معيشية كبيرة.

صعوبات الحياة اليومية في السودان

يصطف العديد من السودانيين لساعات من أجل شراء رغيف من الخبز أو الحصول على وقود لسياراتهم، بينما فر آخرون إلى الخارج. وقالت الأمم المتحدة يوم الأربعاء: إن أكثر من 50 مهاجرًا من السودان وإريتريا نقلوا إلى العاصمة الليبية طرابلس بعد محاولة فاشلة لعبور البحر الأبيض المتوسط ​​إلى أوروبا.

ويختتم ديكلان والش مقاله بقوله: «يفاقم فيروس كورونا من تلك الويلات. ويوم الخميس، حذر المسؤول الكبير في منظمة الصحة العالمية، ميشيل ياو، من أن أفريقيا قد تواجه زيادة كبيرة في الإصابات خلال الأشهر المقبلة. وأضاف ياو أنه في أسوأ التوقعات، يمكن أن يرتفع عدد الحالات في القارة من آلاف إلى 10 ملايين خلال الأشهر الثلاثة إلى الستة المقبلة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد