صحيحٌ أن الجنرال صاحب السمعة السيئة محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي، قائد «قوات الدعم السريع» يقف في القلب من انقلاب السودان، لكنه يحاول عدم لفت الأنظار إليه.

سلَّط الكاتب الصحافي أوسكار ريكيت الضوء على أحد أهم الشخصيات العسكرية في الانقلاب العسكري في السودان، وهو الجنرال حميدتي قائد «قوات الدعم السريع»، وما دوره، وأين اختفى في ظل هذه الأحداث، وذلك في تقرير نشره موقع «ميدل إيست آي» الإخباري البريطاني.

يستهل الكاتب تقريره بالإشارة إلى أن الانقلاب العسكري في السودان، الذي بدأ في الساعات الأولى من صباح يوم الاثنين باعتقال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، كان يتمحور حول شخص واحد، وهو اللواء عبد الفتاح البرهان، قائد القوات المسلحة السودانية ورئيس ما كان يُعرف بمجلس السيادة الانتقالي في السودان، بينما كان يختبئ في الخلفية رجل عسكري آخر، وهو الجنرال محمد حمدان دقلو، المعروف باسم (حميدتي).

Embed from Getty Images

ويوضح التقرير أن قوات الدعم السريع شبه العسكرية التي يقودها حميدتي كانت قد خرجت إلى الشوارع لتَقتل المدنيين وتصيبهم بالرصاص، لكن الرجل نفسه لم يُشاهَد كثيرًا؛ مما أثار كثيرًا من التساؤلات على نطاق واسع عن مكانه ونواياه. ومن المعروف أن حميدتي كان في اجتماع مساء يوم الجمعة مع فولكر بيرثيس، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ورئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان «يونيتامس»، الذي غرَّد أنه طالب حميدتي بـ«وقف التصعيد والسماح للمتظاهرين بالاحتجاج السلمي، وتجنب أية مواجهة يوم 30 أكتوبر (تشرين الأول)».

بيد أن المحللين يرون أن حميدتي يمضي وقته على ما يبدو في انتظار سيؤول إليه الانقلاب. وصحيحٌ أن حميدتي والبرهان يُعدَّا جزءًا من النظام نفسه، لكن إذا تعثر الجنرال البرهان، فسوف يسعى حميدتي للسيطرة على الانقلاب. وتوقع التقرير الذي نُشر أمس الجمعة، أن تشهد بعض المظاهرات الواسعة النطاق التي خرجت في شوارع البلاد اليوم السبت ظهور القائد شبه العسكري (وهو ما لم يحدث حتى لحظة نشر الترجمة)، وهناك مخاوف من أن تتسبب قوات حميدتي في اندلاع عنف مروِّع ضد الشعب السوداني.

ويلفت التقرير إلى أنه مما يثير الاهتمام أن مكتب حميدتي كان على تواصل يوم الاثنين الماضي بآري بن ميناشيه، ضابط استخبارات إسرائيلي سابق يعمل حاليًا بصفته أحد أعضاء اللوبي الإسرائيلي الكندي. وفي عام 2019 كان حميدتي قد وقَّع اتفاقًا بقيمة 6 مليون دولار مع شركة «ديكنز آند ماديسون» الكندية، التي يترأسها ضابط المخابرات الإسرائيلية السابق، آري بن ميناشيه، لتعمل على تحسين صورة المجلس العسكري أمام المجتمع الدولي.

السودان

منذ 9 شهور
لعبة القط والفأر.. ضابط استخبارات إسرائيلي سابق يعمل لحميدتي ويضغط عليه لصالح الإمارات

وكان بن ميناشيه قد قال لموقع «أفريكا ريبورت» إنه بينما انتهت مدة هذا العقد منذ ذلك الحين، يحاول حميدتي حاليًا مناقشة عقد صفقة جديدة. يقول بن ميناشيه إنهم: «يشعرون بالقلق من الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة، ويريدون أن يفهموا موقف الأشخاص الموجودين فيها. وتتركز أزمتهم الحقيقية في سعيهم للحصول على المساعدة من الإسرائيليين».

ويشير التقرير إلى أن حميدتي لم يكن حاضرًا في المؤتمر الصحافي الذي عقده البرهان بطريقة سريالية تقريبًا، بحسب وصف التقرير، يوم الثلاثاء، وأفادت بعض المصادر أنه أبلغ الدبلوماسيين أنه لم يدعم الانقلاب، وهذا غير صحيح، بحسب التقرير. ويُمكن أن يلاحظ الدبلوماسيون الأكثر براعة، بالإضافة إلى المتظاهرين في الشوارع، هذا الأمر بسهولة. 

وتحدثت خلود خير، الشريك الإداري في مؤسسة «إنسايت إستراتيجي بارتنرز» الفكرية ومقرها العاصمة السودانية الخرطوم، إلى موقع «ميدل إيست آي» قائلة: «حميدتي ورفاقه كانوا هادئين تمامًا. ولم يكن هذا من قبيل المصادفة، لكنه يتناسب مع الأحداث التي وقعت في عام 2019. والتي انتظر حميدتي أيضًا فيها حتى يرى كيف تسير الأمور، وفي النهاية كان هو مَنْ اعتقل الرئيس السوداني السابق عمر حسن البشير. وفي السابق كان حميدتي وقواته بمثابة حصن الأمان لحزب المؤتمر الوطني الذي يتزعمه البشير، ووثيقة تأمينهم ضد أي محاولة انقلاب».

وأفاد التقرير أن العلاقة بين البرهان وحميتي تعود إلى عقدين من الزمان في دارفور، إذ كان البرهان يحارب في هذه المنطقة، وكان برتبة عقيد في المخابرات العسكرية يُنسق هجمات الجيش والميليشيات ضد المدنيين في ولاية غرب دارفور في المدة من عام 2003 إلى عام 2005.

من دارفور إلى الساحة العالمية

يسرد التقرير أن حميدتي كان أحد أمراء الحرب المحليين من دون أن يحصل على أي تعليم رسمي، والذي استمر في قيادة قوات الجنجويد المدعومة من الحكومة السودانية، والتي نشرت الموت واليأس في ربوع دارفور وأصبحت هذه القوات تُعرف بمسمَّى «الشياطين على ظهور الخيول». وكان حميدتي ينحدر من قبيلة عربية تشادية وقد فرَّ من الحرب عندما كان طفلًا ليعيش في إقليم دارفور في الثمانينات من القرن الماضي. وعندما اندلعت الحرب هناك في عام 2003، وكانت قوات الجنجويد التي ينتمي إليها قد انضمت إلى الجيش السوداني في محاربة أفراد عشائر الأفارقة السود المهمَّشين، ووُجِّهت إليهم اتهامات بارتكاب فظائع وإبادة جماعية على نطاق واسع.

Embed from Getty Images

وبعد ذلك تحولت قوات الجنجويد إلى «قوات الدعم السريع». وفي عام 2019 بعد الإطاحة بالبشير، شغل حميدتي منصب نائب البرهان في الجانب العسكري من الحكومة، التي كانت تهدف إلى تحوُّل السودان من الحكم الاستبدادي إلى النظام الديمقراطي. وكلا الرجلين كانا من الشخصيات الموثوقة بقوة لدى البشير.

ويتابع التقرير أنه بصفتهما قائدين لقوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية، فإن حميدتي والبرهان من الرجال العسكريين المشاركين في الائتلاف والمنافسين المحتملين الطموحين له، إلى جانب امتلاكهما مصادر مختلفة من السلطة والثروة. بالإضافة إلى ذلك، يُعد الاثنان جزءًا من هيكل النظام الذي ظل ينهب موارد السودان لعقود من الزمان، واستولى على الدولة وحافظ على أية عقوبات تفرضها جهات أجنبية بحيث لا تزعِج النخبة العسكرية.

وفي السياق ذاته يُسيطر حميدتي وإخوته، وأبرزهم عبد الرحيم حمدان دقلو، على مناجم الذهب في دارفور ويحظون برعاية سخية من الإمارات والسعودية. وعندما احتاج التحالف، الذي تقوده السعودية، إلى مرتزقة لحربه التي يخوضها في اليمن، لجأ إلى السودان وحميدتي الذي أمدهم بما يحتاجون إليه. ويمثل المجمع العسكري – الأمني، ​​الذي يسيطر عليه الجيش، شبكة من المصانع والشركات التي تحافظ على أنماط الحياة والمعاشات التقاعدية لعديد من كبار ضباط الجيش. وتتمتع الشركات المملوكة للجيش بالإعفاءات الضريبية، والتي تُعرف بأنها فاسدة، بحسب وصف التقرير.

عربي

منذ سنة واحدة
«ميدل إيست آي»: كيف تستغل الإمارات شباب السودان لتأمين مصالحها في اليمن وليبيا؟

وعلى الرغم من أن البرهان لديه أصدقاء عسكريين في الإمارات وسبق أن وصف الرياض بأنها «الحليف الأبدي»، إلا أنه يُعد الرجل المفضل لمصر وليس الخليج. مما يضعه من جديد إلى جانب حميدتي، ولكن أيضًا على خلاف معه. يقول باتريك سميث، محرر مجلة «أفريكا كونفيدينشال»: إن «ديناميكية برهان – حميدتي غريبة. وهي خيانة متبادلة. ويفضل المصريون البرهان بسبب تدريباته في القاهرة. ويتناسب حميدتي، محارب الصحراء الثري، أكثر مع الأذواق السعودية والإماراتية. وكان قد أرسل المرتزقة للحرب في اليمن، وجنى من ورائها أموالًا أكثر».

يعتقد سميث أن هذا الانقلاب هو انقلاب برهان وحميدتي، لكن العلاقة بين الرجلين إشكالية «لأنه ضمن أمور أخرى يُبرز حميدتي نفسه باعتباره قائدًا في الخارج» وهو الأقرب إلى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد.

وقال جوناس هورنر، كبير محللي شؤون السودان في مجموعة الأزمات، لموقع «ميدل إيست آي»: «القاهرة جمعت بين برهان وحميدتي في أعقاب ثورة غضب اندلعت بين هذين الجانبين من الجيش (قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية) في أوائل يونيو (حزيران). وهذا ما وضع كلا الجانبين في المركب نفسه؛ إذ عثروا على نقطة مشتركة بينهما وهي شعور بالكراهية تجاه المدنيين وكراهية احتمال انتقال السلطة إليهم. وكانت الأوضاع هادئة، لكن حسب فهمي، فإن العلاقة بين برهان وحميدتي جرى ترميمها». 

التهديد الموجه لسلطاتهم وثرواتهم

يشير التقرير إلى أنه من المؤكد أن ما جمع برهان وحميدتي هو احتمالية أن تنزع حكومة مدنية السلطة من بين أيديهما بل ربما تنزع حريتهما. وفي 17 من نوفمبر (تشرين الثاني) كان من المقرر أن يُسلم برهان رئاسة مجلس السيادة إلى شخصية مدنية؛ الأمر الذي سيقلل من تأثير الجيش على الحكومة الانتقالية والهياكل الأمنية المستقبلية، وفقًا لصحيفة «أفريكا كونفيدينشال».

Embed from Getty Images

ولو أن انتقال السلطة تم بهذا الشكل، فسيكون للمدنيين من الناحية النظرية حق التصويت في القرارات المتعلقة بإصلاح القضاء وقطاع الأمن. ولذلك، كان على برهان وحميدتي التصرف قبل أن يحدث هذا الأمر لأن سلطتهم وثرواتهم ستكون في خطر. إضافة إلى خشيتهم من أن يجري التحقيق معهم، وتقديمهم للعدالة على خلفية المجازر التي حدثت في دارفور والخرطوم عام 2019، وغيرها كثير.

ومع التزام الحكومة بتسليم البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية، يخشى حميدتي وبرهان أن يذكر رئيسهما السابق أسماء تضعهما على متن الرحلات الذاهبة إلى لاهاي، بحسب صياغة التقرير. وفي الوقت الحالي يواجه كل من برهان وحميدتي مقاومة شعبية جيدة التنظيم ضد الانقلاب العسكري. وقد أبدت قوات التدخل السريع أنها مستعدة جدًّا لمواجهة هذه المقاومة بالعنف، كما فعل جيش تحرير السودان بقيادة ميني ميناوي في دارفور.

مجزرة رابعة أخرى!

ويلفت التقرير إلى أن الجيش، معظمهم من قوات التدخل السريع، يغلق الشرايين الرئيسة للخرطوم، وكما قالت الصحافية والكاتبة السودانية نسرين مالك لموقع «ميدل إيست آي»، هناك مخاوف من أنه إذا تولى حميدتي السيطرة الكاملة «فالأمر سينتهي بمجزرة مشابهة لمجزرة رابعة العدوية» حيث قُتل 900 مصري على يد قوات الأمن.

وكانت هناك إدانة دولية واسعة النطاق للانقلاب، بقيادة الولايات المتحدة، التي سحبت المساعدات وهددت بفرض عقوبات. ولكن مع استمرار تدفق الأموال من دول الخليج والدعم الذي تقدمه مصر، فقد لا يكون موقف الولايات المتحدة مصدر قلق كبير لرجالات الجيش السوداني.

وربما تمثل الأمر الأكثر إثارة للقلق لهم في الحديث المستمر عن الانشقاقات بين كتيبة الدبابات والموالين لبرهان في القوات المسلحة السودانية؛ إذ هناك العديد من ضباط الدبابات ضد الانقلاب تمامًا ومنحازين إلى الشعب.

وقال تقرير محلي: إن شقيق حميدتي، ونائب قوات الدعم السريع، عبد الرحيم حمدان دقلو، قد عُيِّنا قائدين ميدانيين للانقلاب؛ الأمر الذي أدَّى إلى رفض الانصياع للأوامر في صفوف القوات المسلحة السودانية. وكان من المفترض أن يعتقل دقلو 43 جنديًّا من فرقة الدبابات، إلا أن رفاقهم رفضوا تسليمهم له. 

ويختم التقرير بالقول: ينتظر حميدتي حاليًا فرصته، فهو يعلم أن الشعب الذي يملأ الشوارع يبغضه، ويعلم أيضًا أن الانقلاب يتعثر، وأن الشعب ثابت. وما يفعله لاحقًا يمكن أن يحدد مستقبل السودان.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد