اتفق السودان وإثيوبيا مؤخرًا على استئناف المفاوضات بشأن سد النهضة الذي تبنيه أديس أبابا، فيما التزمت مصر الصمت. فإلى أين تتجه عجلة الأحداث؟

تراجع السودان مؤخرًا عن موقفه من استئناف مشاركته في مفاوضات سد النهضة، السد الكهرومائي العملاق المثير للجدل الذي تبنيه إثيوبيا على النيل الأزرق، فيما تواصل الخرطوم والقاهرة الإعراب عن مخاوفهما بشأن تأثيراته على تدفق مياه النيل، كما يرصد الصحفي المصري محمد سعيد في تقرير نشره موقع «المونيتور».

استئناف المفاوضات برعاية الاتحاد الأفريقي

أعلن السودان يوم 13 ديسمبر (كانون الأول) أنه توصل إلى اتفاق مع إثيوبيا لاستئناف المفاوضات بشأن سد النهضة الإثيوبي في غضون أسبوع. جاء ذلك خلال زيارة رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك لأديس أبابا، حيث التقى بنظيره الإثيوبي أبي أحمد.

Embed from Getty Images

في اليوم التالي، الموافق 14 ديسمبر، زار وزير المياه والري والطاقة الإثيوبي سيلتشي بيكيلي السودان، حيث التقى وزير المياه والري السوداني ياسر عباس؛ لمناقشة استئناف المفاوضات الثلاثية بشأن السد. واتفق الوزيران على استئناف المفاوضات، ومنح دور أكبر لخبراء الاتحاد الأفريقي بما يتيح لهم تقريب وجهات نظر الدول الثلاث تحت مظلة الاتحاد الأفريقي.

مفاوضات شاقة.. بلا جدوى

منذ 26 يونيو (حزيران)، رعى الاتحاد الأفريقي مفاوضات شاقة بين مصر والسودان وإثيوبيا دون إحراز نجاح، على الرغم من أن المفاوضات عقدت بحضور خبراء ومراقبين من الاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي.

لكن وزير المياه والري السوداني ياسر عباس تراجع يوم 15 ديسمبر عن اتفاق استئناف المحادثات، قائلًا في مؤتمر صحفي بالخرطوم: إنه لا يوجد موعد محدد لاستئناف المفاوضات. وعزا هذا التأخير إلى رغبة بلاده ومصر في الاتفاق على منهجية جديدة للمفاوضات مع إثيوبيا. وأضاف أن بلاده تريد منهجية مختلفة للمفاوضات، معلنًا امتناع السودان عن المشاركة ما لم يكن هناك نهج جديد.

وذكر عباس أيضًا أن السودان يتفق مع إثيوبيا على ضرورة منح خبراء الاتحاد الأفريقي دورًا أكبر في محادثات السد، لكنه استبعد إبرام أي اتفاق ثنائي بين السودان وإثيوبيا يستبعد مصر. وتابع أنه لا تزال هناك فرصة أمام الاتحاد الأفريقي للاضطلاع بدور في المفاوضات للتوصل إلى اتفاق ثلاثي.

تحوُّل «الوضع الراهن» إلى «أمر واقع»

تعليقًا على هذه التطورات، قال الخبير السوداني في القانون الدولي للمياه، أحمد المفتي، لموقع المونيتور: إن عباس أكد تقارب بلاده مع إثيوبيا، لكنه لم يذكر تفاصيل. 

دولي

منذ سنة واحدة
تاريخ المفاوضات الفاشلة حول «سد النهضة».. تفاصيل يرويها مستشار الخارجية المصرية

ويرى المفتي أن التحركات السودانية الأخيرة تمنح إثيوبيا مزيدًا من الوقت لتحويل الوضع الراهن إلى أمر واقع، والتحرك من جانب واحد لتنفيذ مرحلة توليد الكهرباء في يونيو 2021، ثم مرحلة الملء الثانية للسد في يوليو (تموز) 2021. وكان السودان قد قاطع الجولة الأخيرة من المفاوضات مع مصر وإثيوبيا، والتي عقدت في 21 نوفمبر (تشرين الثاني)، وكانت هذه هي المرة الأولى التي ترفض فيها الخرطوم حضور المفاوضات، حسبما يلفت التقرير.

ويرفض السودان أساليب التفاوض بين الدول الثلاث، على اعتبار أنها أثبتت عدم جدواها خلال الجولات الماضية. أما الاتحاد الأفريقي فلا يمانع توسيع دور خبرائه في المفاوضات؛ إذ قال رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، موسى فقي، في بيان صدر يوم 10 ديسمبر: إنه يأمل في أن تسمح أطراف الأزمة للاتحاد الأفريقي بالمساعدة في حل النزاعات العالقة.

ما يستطيع خبراء الاتحاد الأفريقي فعله

في يوم الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني)، فشلت الدول الثلاث في الاتفاق على دور الخبراء في المفاوضات، وكذا في التوافق على المنهجية والمسارات والجدول الزمني للمحادثات. وعارضت مصر اقتراحًا مفصلًا تقدم به السودان لمنح دور أكبر لخبراء الاتحاد الأفريقي من أجل تقريب وجهات النظر واقتراح حلول وسط. في غضون ذلك، وافقت إثيوبيا على تعظيم دور خبراء الاتحاد الأفريقي، وقدمت اقتراحًا مماثلًا للاقتراح السوداني.

Embed from Getty Images

بيد أن الخبراء الذين تحدثوا مع موقع المونيتور شككوا في قدرة خبراء الاتحاد الأفريقي على الوصول إلى صيغة تسوية مقبولة للأطراف الثلاثة، بزعم أن بعض الخبراء قد يكونون متحيزين. ويلفت التقرير إلى أن هذه التطورات تأتي في ظل مخاوف من أن تستغل إثيوبيا الخلاف بين القاهرة والخرطوم لإطالة أمد المفاوضات.

ففي العام الماضي، حاولت الولايات المتحدة- بناءً على طلب مصر- التوسط في الأزمة، من خلال استضافة محادثات لمدة أربعة أشهر في واشنطن بمشاركة البنك الدولي، لولا أن نُقِضَت عُرَى المفاوضات في شهر فبراير (شباط). ووقعت مصر من جانب واحد على مشروع اتفاق لملء السد وتشغيله، بينما لم تحضر إثيوبيا التوقيع، ورفض السودان التوقيع.

سد واحد.. وثلاث رؤى!

تشكو القاهرة من أن السد يمكن أن يؤثر سلبًا على حصتها السنوية من نهر النيل، والتي تعتمد عليها في تلبية أكثر من 95% من احتياجاتها من المياه العذبة. ويشير التقرير إلى أن حوالي 85% من مياه النيل يأتي من النيل الأزرق، حيث يُبنى السد بتكلفة 4.6 مليار دولار. في المقابل، تقول أديس أبابا إن السد له دور حيوي لتنشيط عجلة اقتصادها، وانتشال الملايين من مواطنيها من الفقر. 

ويعرب مسؤولون سودانيون عن اعتقادهم بأن السد يمكنه تنظيم مياه النيل الأزرق وتوليد الكهرباء التي يمكن أن يستفيد منها السودان. ومع ذلك، تسعى الخرطوم للحصول على ضمانات تؤمّن تشغيل السد بطريقة آمنة لا تؤثر سلبًا على سدودها الخاصة، بما في ذلك سد الروصيرص، الأكبر في السودان.

عقبات فنية وقانونية

يرصد التقرير بعض القضايا الفنية المعلقة فيما يتعلق بسد النهضة الإثيوبي الكبير، ومنها: كيفية إدارة السد خلال سنوات الجفاف، وكمية المياه التي ستمررها أديس أبابا لدولتي المصب. كما أن هناك قضايا قانونية عالقة، مثل ما إذا كان الاتفاق وآلية فض المنازعات يجب أن يكونا ملزمين للأطراف الموقعة، وهو ما تطالب به مصر والسودان.

وصرح وزير الموارد المائية والري المصري، محمد عبد العاطي، لـ صحيفة الشرق السعودية يوم 12 ديسمبر، بأن الدول الثلاث إذا أظهرت إرادة سياسية، فإن بلاده مستعدة لاستئناف المفاوضات في أي وقت.

دولي

منذ 10 شهور
«المونيتور»: كيف غيرت إريتريا موقفها من نزاع مصر وإثيوبيا حول سد النهضة؟

لكن هاني رسلان، رئيس وحدة السودان ودول حوض النيل في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، استبعد أن يؤتي أي تقارب بين السودان وإثيوبيا، أو أي جهود تنسيقية بشأن مفاوضات السد، ثمارًا، خاصة وسط تصاعد التوترات بشأن الحدود بين البلدين.

وقال رسلان لموقع المونيتور: إن التصعيد الجاري على الحدود السودانية – الإثيوبية يشير إلى أن العلاقة بين الجانبين باتت فاترة في أعقاب شهر عسل سوداني أحادي الجانب مع إثيوبيا خلال مفاوضات السد.

أي مستقبل ينتظر المفاوضات؟

وكان الجيش السوداني قد أعلن يوم 15 ديسمبر أن قواته وقعت في كمين نصبته القوات والمليشيات الإثيوبية خلال تسيير دورية أمنية في منطقة جبل أبو طيور بولاية القضارف المتاخمة للحدود الإثيوبية؛ ما أسفر عن مقتل أربعة من قوات الجيش السوداني بينهم ضابط.

لكن رئيس وزراء إثيوبيا صرَّح يوم 17 ديسمبر بأن الحادث لن يؤثر على علاقات بلاده مع السودان. واتهمت صحيفة سودانية الجيش الإثيوبي بالتورط في الحادث. ولا يتفق رسلان مع دعوة السودان لإعطاء دور أكبر لخبراء الاتحاد الأفريقي، وكذا رفض الخرطوم استئناف المحادثات، قائلًا: «كان ينبغي على الوفد السوداني المفاوض أن يعلن تعليق مشاركته في المفاوضات نتيجة التعنت الإثيوبي في التوصل إلى اتفاق يرضي الدول الثلاث».

وأضاف رسلان، ردًّا على سؤال حول مستقبل المفاوضات، في حال استئنافها: «ستتمسك إثيوبيا بالمواقف القديمة نفسها التي كانت تصدر عنها طيلة عقد كامل من أجل إطالة أمد المفاوضات وفرض الأمر الواقع. ولسوء الحظ، كان الوفد السوداني المفاوض دائمًا شريكًا في مثل هذه الجهود».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد