قال كاميرون هادسون في مقال له على موقع مجلة «فورين بوليسي»: إن مجلس السيادة الحاكم في السودان أعلن هذا الأسبوع موافقته على تسليم الرئيس السابق عمر البشير وأربعة من أتباعه الذين اتُهموا بارتكاب فظائع وإبادة جماعية في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، كجزء من صفقة سلام مع الحركات المسلحة في البلاد. وهذه لحظة فاصلة في تاريخ السودان.

وأوضح هادسون أن هذه أحدث خطوة في سلسلة تحولات سياسية مذهلة في الأسابيع الأخيرة قد تعيد تشكيل علاقة البلد جذريًا مع بقية العالم. يمكن أن يؤدي تسليم البشير إلى تحويل السودان من خصم للمحكمة إلى حليف عبر إمدادها بأكبر وأهم قضية في تاريخها القصير.

ومنذ أسبوع واحد فقط ذُهل الشارع السوداني بأنباء عن اجتماع سري بين زعيم المجلس السيادي الانتقالي في السودان، الفريق عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

عربي

منذ 8 شهور
لماذا يحاول عسكر السودان التعلق بأهداب إسرائيل؟

إن إمكانية تطبيع العلاقات بين العدوين – وتجاهل استهداف السودان بالهجمات الجوية الإسرائيلية منذ عقد من الزمان بسبب دوره في نقل الأسلحة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة – تجعل القادة السودانيين الجدد جديرين بالثقة بشأن تعهدهم بانتهاج سياسة خارجية متوازنة ولعب دور إيجابي في المنطقة وخارجها.

ويؤكد هادسون أن هذا يأتي في أعقاب رسالة مسربة أرسلت من رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش تقترح إرسال بعثة سياسية شاملة جديدة للأمم المتحدة إلى السودان من شأنها أن تحول هذه العلاقة من علاقة صراع إلى تعاون دائم في بهدف «بناء السلام وتقديم الدعم التقني بشأن إصلاح القطاعين القضائي والأمني».

كان البشير يصف الأمم المتحدة بأنها قوة استعمارية، واضطر جنود حفظ السلام إلى القتال في محاولة متواضعة لحماية المدنيين في دارفور من القنابل الحكومية وميليشيا الجنجويد العربية سيئة السمعة. أدى النزاع في النهاية إلى نزوح أكثر من مليوني شخص، وقتل ما لا يقل عن 300 ألف شخص آخر، وألقى بظلاله على البلاد التي تحاول الحكومة الجديدة الآن تغييرها.

وقد خلت لائحة الاتهام الصادرة عام 2008 عن المحكمة الجنائية الدولية من اسم الجنرال محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي، قائد ميليشيا الجنجويد السابق، الذي يعمل الآن كقائد ثان في مجلس السيادة. ولكن ورد اسم قائد كبير آخر من الجنجويد، علي قشيب، في اللائحة؛ مما يشير إلى أن أي تعاون مع المحكمة يمكن أن يظهر أدلة جديدة لإدانة حميدتي.

هذه التحولات السياسية المذهلة هي الأكثر إثارة للإعجاب بالنظر إلى الطبيعة المنقسمة للحكومة في البلاد – يشير هادسون. فكجزء من اتفاق أُبرم الصيف الماضي، الذي حمى البلاد من الانزلاق في العنف الشديد، شُكلت حكومة مدنية لتقاسم المسؤولية مع مجلس السيادة الذي يسيطر عليه الجيش، في البداية على الأقل.

منذ تسلم السلطة قبل ستة أشهر فقط، رأى العديد من المتشككين أن هذا «نموذج فريد من نوعه» كما يشير رئيس الوزراء إليها، وهو مجرد محاولة من جانب الجيش لوضع وجه مدني لجذب الاستثمارات الخارجية وإزالة ما تبقى من العقوبات الدولية.

لا يزال العديد من المراقبين يعتقدون أن المدنيين لن يكونوا قادرين على تغيير ديناميات القوة الأساسية لدولة تحظى فيها المصالح والممتلكات العسكرية بالحماية والأولوية على أي شيء آخر.

بموجب هذا الافتراض – يضيف هادسون – اتبعت العديد من الحكومات، بما في ذلك الولايات المتحدة، نهج الانتظار والترقب لمسار الحكم في البلاد – فقد مدحوا الحكم المدني ولكن ظلوا حذرين إزاء الحوافز السياسية الكبيرة مثل العقوبات وإزالة الديون خشية أن يعيد الجيش سيطرته الكاملة بمجرد إلغاء جميع العقوبات.

في الواقع – يقول هادسون – يتزايد الإحباط بسبب نهج الحكومة الخجول في تنفيذ السياسة وخوفها من إغضاب القادة السياسيين والعسكريين في البلاد حول قضايا كبيرة وصغيرة. إن تأخير استبدال الحكام العسكريين على مستوى الدولة بمسؤولين مدنيين جدد والتراجع عن قرار إلغاء الدعم الذي يستنزف الخزانة يدل على أن الحكومة غير المنتخبة حريصة على عدم استثارة عداوة هذه القوى.

لذلك فمن الصعب تفسير التحركات الدراماتيكية من قبل الحكومة المدنية في الأسابيع القليلة الماضية – مثل تسليم كبار القادة إلى المحكمة الجنائية الدولية وتوسيع عمليات الأمم المتحدة في البلاد، إذ يبدو أن كليهما يتعارضان مع مصالح الجيش. ربما تشير هذه التحركات إلى أن الجيش يشارك الحكومة في رغبتها في رؤية إعادة دمج البلاد في المجتمع الدولي. إذ إن إعلان هذا الأسبوع جاء من متحدث باسم المجلس السيادي الذي يديره الجيش في مقر محادثات السلام في جنوب السودان التي يقودها الجيش نيابة عن الحكومة.

وحتى فيما يتعلق بمسألة إسرائيل – ينوه هادسون – فمع العلم أنه سيكون هناك بالتأكيد بعض الغضب الشعبي والتكلفة السياسية من اللقاء مع نتنياهو، لماذا بادر البرهان إلى الاجتماع إذا لم يكن يأمل أن يدعم هذا من فرص إزالة السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب والمضي قدمًا نحو تحقيق مطالب الثورة؟

يمكن القول إن ميليشيا حميدتي «قوات الدعم السريع» هي القوة الأقوى في البلاد وتهدد الدور التقليدي للجيش. تتحكم قوات الدعم السريع في مناجم الذهب واحتياطي مالي كبير، بالإضافة إلى قيادة عشرات الآلاف من المجندين. لطالما استاء الجيش السوداني من قوات الدعم السريع كمركز قوة منافس غير منضبط يفتقر إلى التدريب الرسمي للجيش المحترف.

إذا دشنت الخرطوم علاقة مع المحكمة الجنائية الدولية، فسيشكل ذلك تهديدًا مباشرًا لحميدتي: إذ سيرى أن محاكمة الأطراف الخمسة المتهمين يمكن أن تؤدي إلى النظر في انتهاكاته السابقة. وإذا شعر أن حريته مهددة، فيمكنه استخدام قوته المالية والعسكرية لتقويض الحكومة التي ما تزال هشة.

من خلال التحالف مع القادة المدنيين في البلاد – يختتم هادسون بالقول – ربما يلعب القادة العسكريون في السودان لعبة إستراتيجية طويلة لتهميش قوات الدعم السريع، وتأمين بقائهم في ظل نظام سياسي جديد، وتقديم هدف الثورة الشامل المتمثل في إصلاح الدولة والخروج من العزلة. وأملهم في ذلك هو أن لا يكشف العالم مخططهم.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 8 شهور
«هآرتس»: قنابل وأموال سعودية.. التاريخ السري للعلاقات الإسرائيلية - السودانية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد