كتب محمد عثمان، وهو محامٍ سوداني في مجال حقوق الإنسان ومقيم في ألمانيا، مقالًا في صفحة الرأي بصحيفة «واشنطن بوست» يدعو السودان وشركاءه الدوليين إلى التحقيق في عمليات القتل التي ارتكبتها قوات أمنية سودانية في هجومها على اعتصام للمحتجين أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم في يونيو (حزيران) الماضي. 

ويرى الكاتب أن هناك تقاعسًا في تشكيل لجنة التحقيق التي كانت جزءًا من اتفاق تقاسم السلطة كما أن هناك تجاهلًا للأمر من جانب المجتمع الدولي، بالرغم من الرسائل القوية التي أرسلتها دول عدة في أعقاب المجزرة.

واستهل الكاتب مقاله برواية لقائه بأحد أبناء دارفور من المحتجين في ذروة الاحتجاجات قائلًا: «بعد ظهر يوم حار من أيام شهر مايو (آيار) في الخرطوم، وبعد أقل من شهر على الإطاحة بالرئيس السوداني السابق عمر حسن البشير، قابلت خريجًا جامعيًا يبلغ من العمر 29 عامًا في خيمة كانت بمثابة قاعدة للمحتجين من أبناء دارفور بالقرب من مقر الجيش. وكان المحتجون قد تعهدوا بالبقاء حتى ينقل القادة العسكريون – الذين تولوا السلطة بعد إزاحة البشير – السلطة إلى قادة مدنيين».

ويتابع الكاتب: «قال لي الشاب: إنني قلق من أن تؤدي التسويات السياسية (من قبل الجيش) إلى وضع (دعنا نمضي قدمًا)». وأضاف: «كل واحد منا هنا في الاعتصام لديه قصة مع (نظام البشير)، ويجب سماع قصصهم. عليهم أن يروا العدالة تتحقق». وبعد شهور من ذلك التاريخ، لم تزل مسألة العدالة في السودان باقية كما هي دون تقدم.

Embed from Getty Images

كانت التوترات تتصاعد بالفعل في شهر مايو، حين كان يحاول القادة العسكريون تفريق الاعتصام ونشر قوات الدعم السريع المخيفة، التي أطلقت الذخيرة الحية على المحتجين. وفي الثالث من يونيو، هاجموا الاعتصام وفرقوا جميع المحتجين. وفي ذلك اليوم الدامي والأيام التي تلته، قُتل أكثر من 120 شخصًا وجُرح المئات وتعرضت العديد من المحتجات للاغتصاب.

واصل المحتجون التظاهر للمطالبة بحكم مدني، على الرغم من حملة قمع عنيفة أخرى في 30 يونيو. وأخيرًا في 17 أغسطس (آب) اتفق القادة العسكريون والمدنيون على تشكيل حكومة انتقالية لتقاسم السلطة لمدة ثلاث سنوات تليها الانتخابات. على الرغم من أن الاتفاق لا يتسم بالكمال، إلا أنه جعل الأمر يبدو كما لو كانت مطالب المحتجين قد استمِع إليها.  

وفي أول أعماله رئيسًا للوزراء التقى عبد الله حمدوك بعائلات المحتجين الذين قتلوا. وبعد شهر شكل لجنة تحقيق في أعمال العنف في الثالث من يونيو، وهي اللجنة التي نص على تشكيلها اتفاق تقاسم السلطة. ومنذ ذلك الحين عيَّن الأعضاء، وفي أكتوبر (تشرين الأول) قال النائب العام الجديد: إن اللجنة ستكون لها صلاحيات الادعاء.

ويشير عثمان إلى أن أسر الضحايا والجماعات الحقوقية أعربت عن مخاوفها بشأن التأخير الطويل في تشكيل اللجنة، وتفويضها المحدود، واستقلالها، وقلة خبرة الأعضاء، خاصة فيما يتعلق بقضايا العنف الجنسي. بقي أن نرى ما إذا كانت هذه اللجنة ستحصل على الخبرة والصلاحيات القانونية والاستقلال الذي تحتاجه لتعمل وفقًا للمعايير الدولية الأساسية.

العسكر في موضع السيطرة

تواجه الحكومة الانتقالية في السودان العديد من التحديات. لا سيما أن اتفاق تقاسم السلطة لا يفكك هياكل السلطة الموروثة من النظام القديم. حيث لا تزال المؤسسات السودانية العسكرية والأمنية التي كانت أدوات البشير للقمع موجودة. والاتفاق يضع أفراد الجيش في موضع السيطرة خلال الواحد وعشرين شهرًا الأُوَل، بما في ذلك قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دجالو المعروف باسم «حميدتي». 

حميدتي متورط في انتهاكات كثيرة

ويتابع الكاتب أنه في هذه الأيام يشير كثيرون إلى حميدتي باعتباره الحاكم الفعلي للسودان. وهو متورط في قائمة طويلة من الانتهاكات، حيث ارتكبت القوات التي تعمل تحت قيادته جرائم خطيرة في دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق، بما في ذلك حرق ونهب الممتلكات المدنية، واغتصاب النساء والفتيات في عمليات وحشية لمكافحة التمرد.

Embed from Getty Images

لقد نجح في تجنب المساءلة من خلال وضع نفسه وقواته في قلب الديناميات المحلية والإقليمية والعالمية المعقدة. حيث قاتلت قواته في اليمن إلى جانب السعوديين والإماراتيين، كما يتزلف إلى دول الخليج. كذلك يزعم أن قواته تكافح الهجرة غير الشرعية، كجزء من برنامج إدارة الهجرة لدى الاتحاد الأوروبي. إذا كان هذا صحيحًا فإن تمويل الاتحاد الأوروبي سوف يذهب إلى قوات مسيئة.

ونفى حميدتي التصريح بهجوم الثالث من يونيو، وألقى باللوم على متسللين. اعترف القادة العسكريون في ذلك الوقت «بأخطاء». وألقى تحقيق أجراه المدعي العام السابق، والذي رفضه المحتجون على نطاق واسع، باللائمة على حفنة من الضباط «المارقين».

أدلة بالفيديو تدين حميدتي وقوات الدعم السريع

وأضاف الكاتب أن الأدلة الغالبة المدعومة بالفيديو تظهر أن قوات ترتدي زي قوات الدعم السريع تهاجم المحتجين وتسيء إليهم  جسديًا ولفظيًا. استغرقت القوات ما يكفيها من الوقت في قتل وحرق وضرب المحتجين أمام مقر قيادة الجيش، دون حماية للمحتجين الهاربين المذعورين. عشرات المحتجين ما زالوا في عداد مفقودين.

وأرسلت دول «الترويكا» – الولايات المتحدة، وبريطانيا، والنرويج، والتي ساعدت في إبرام اتفاق تقاسم السلطة – إلى جانب الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي رسائل قوية تدين هجوم 3 يونيو وأكدت على أهمية محاسبة المسؤولين عن ذلك. 

الحكومة لم تحقق تقدمًا ملموسًا في التحقيق

ومع ذلك بعد مرور خمسة أشهر تقريبًا لم تحرز الحكومة الانتقالية سوى القليل من التقدم الملموس، ولزم المجتمع الدولي – وخاصة الحكومات المانحة – الهدوء. يتعين على هذه الدول أن تلقي بدعمها بشكل عاجل خلف العدالة والمساءلة، حجر الزاوية لعملية الانتقال المتوخاة. وتحقيقًا لهذه الغاية، ينبغي عليهم اعتماد معايير حقوق الإنسان في تعاملهم مع حكام السودان الجدد وإيجاد كل فرصة لتذكير الحكومة، وخاصة المكون العسكري، بما هو على المحك.

وفي الوقت نفسه تواصل أسر الضحايا المطالبة بالعدالة. إذا كانت الحكومة الانتقالية ترغب في الوفاء بوعودها فعليها مراجعة تفويض لجنة التحقيق، وضمان استقلالها والاستماع إلى مخاوف الأسر، والبحث عن الخبرات الدولية والإقليمية. 

ويختم الكاتب مقاله بقوله: إن «القيام بخلاف ذلك سوف يؤكد فقط أسوأ مخاوف صديقي الشاب: أن يقول قادة البلد «دعنا نمضي قدمًا» ونترك الجروح القديمة تنز بالصديد. هذه نتيجة ينبغي على السودان وشركائه الدوليين عدم السماح بالوصول إليها».  

حصاد الاقتصاد السوداني بعد 6 أشهر من عزل البشير.. هل تؤتي الثورة ثمارها قريبًا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد