نشر موقع «ميدل إيست آي» تقريرًا يستعرض الجهود التي يبذلها الأطباء السودانيون لإنقاذ أرواح المشاركين في الاحتجاجات، وخلُص التقرير الذي أعدَّه محمد أمين، وهو صحافي متخصص في الجغرافيا السياسية لمناطق السودان، وجنوب السودان، والقرن الأفريقي، وشرق أفريقيا، إلى أنَّ المُحتجِّين الذين أُصيبوا على أيدي قوات الأمن يتلقون علاجهم في عيادات آمنة تخضع لإدارة لجنة أطباء السودان المركزية.

إنقاذ الأرواح

يستهل الكاتب تقريره بالإشارة إلى أنه في 30 نوفمبر (تشرين الثاني)، كانت هناك احتجاجات جارية في جميع أنحاء السودان ضد الانقلاب العسكري الذي شهدته البلاد، وخرج محمد عباس في شوارع مدينة أم درمان، وهي المدينة التوأم للعاصمة السودانية الخرطوم. وفي أثناء مشاركته في الاحتجاجات التي وقعت في حي العباسية، أُصيب الشاب بعد أن أطلقت قوات الأمن ذخيرة حيَّة عليه.

عربي

منذ شهر
أيام الجمر في السودان.. هل يذعن الشارع كما أذعن عبد الله حمدوك؟

وبحسب التقرير احتاج عباس، وهو شاب في الثلاثينات من عمره، إلى رعاية طبية عاجلة بعد أن أُصيبت ساقه بجروح بالغة، ولكن نظرًا لمنع وصول المُحتجين في كثير من الأحيان إلى المستشفيات على أيدي الشرطة، أو ميليشيا قوات الدعم السريع، فضلًا عن تعمُّد إغلاق الطرق أمام سيارات الإسعاف، احتاج المُحتجُّ المُصاب إلى مزيد من الرعاية الفورية، ولذلك اصطحبه رفاقه المتظاهرون إلى منزل قريب آمن يُستخدَم باعتباره عيادة طبية.

وتخضع هذه العيادة للتأمين على أيدي أعضاء لجنة المقاومة، ويديرها أطباء ينتمون إلى لجنة أطباء السودان المركزية، وهي منظمة مهنية أشبه بالنقابة تعمل عن كثب مع لجان المقاومة منذ اندلاع ثورة السودان عام 2019. ويؤكد التقرير أن الأطباء عالجوا عباس داخل العيادة المنزلية، وعلى غرار المرضى الآخرين الذين أُصيبوا على أيدي الشرطة، أو القوات المسلحة، تلقَّى الشاب العلاج العاجل في العيادة قبل نقله على دراجة بخارية إلى أقرب مستشفى.

ويستخدم أعضاء لجنة المقاومة الدراجات البخارية نظرًا لقدرتها على أن تسلك طرقًا سرية في الشوارع الجانبية المحلية، ووصولها إلى المستشفيات القريبة دون أن تكشف عن مواقع المنازل الآمنة، أو أن تتعرَّض للإيقاف من جانب القوات المسلحة في الطريق.

الأطباء السرِّيون

ووفقًا للتقرير تُعد هذه العيادات الميدانية التي يديرها الأطباء جزءًا أساسيًّا من الحركة المؤيدة للديمقراطية التي تقاوم القوات العسكرية في السودان، ويُعد الحفاظ على سرية موقعها من الأعمال الأساسية التي يضطلع بها المحتجون الذين يتطلعون إلى صرف انتباه الجيش بعيدًا عن المنازل التي تستضيفهم.

Embed from Getty Images

وينوِّه الكاتب إلى أن العيادات المنزلية الآمنة ظهرت فجأة في أحياء مثل منطقة العباسية التي تقع في مدينة أم درمان، والتي شهدت عددًا من المواجهات بين المجتمع المدني والجيش، للعناية بالمحتجين المُصابين، ولكنها كانت تُمثِّل دورًا محوريًّا في الخرطوم.

وفي تصريح لموقع «ميدل إيست آي» قال أحمد محمود، عضو لجنة المقاومة: «برزت فكرة إنشاء العيادات الميدانية في يناير (كانون الثاني) 2019 في حي بُرِّي (أحد أحياء مدينة الخرطوم) الذي كان يمثِّل ساحة للمعارك في ذلك الوقت، خاصة عندما بدأت السلطات في منع المتظاهرين من إخلاء جرحاهم وعرقلة حركة سيارات الإسعاف ومحاصرة المستشفيات أو مداهمتها في بعض الأحيان».

ومن جانبه أوضح الدكتور موفَّق عبد المجيد، وهو طبيب وعضو في لجنة المقاومة، أن لجنة أطباء السودان المركزية، إحدى أكثر مجموعات الأطباء نشاطًا، ولجان المقاومة يعملان معًا عن كثب في عددٍ من المناطق من أجل تنسيق تقديم الإسعافات الأولية للمُحتجين المصابين في الشوارع.

وأضاف أن هذا التنسيق كان ضروريًّا لسدِّ الثغرة التي أحدثتها أعمال التخريب التي قامت بها السلطات السودانية، وتمثَّلت إما في منع دخول سيارات الإسعاف أو منع إجلاء المصابين خلال الاشتباكات التي وقعت بين قوات الأمن والمتظاهرين. وباعتبارها ردًا مبتكرًا على هذه القيود المفروضة، حقَّقت العيادات الميدانية السرية نجاحًا، لا سيما منذ الانقلاب العسكري الذي وقع في 25 أكتوبر (تشرين الأول). غير أن تشغيلها كان محفوفًا بالمخاطر منذ بدايات اندلاع الثورة.

وفي يناير 2019، وقبل الإطاحة بعمر البشير الذي حكم البلاد مدة طويلة من السلطة، قُتل الطبيب بابكر عبد الحميد برصاص على أيدي قوات الأمن داخل إحدى العيادات التي أُنشئت لإنقاذ أرواح المُحتجِّين المصابين في حي بُري. واتَّهم المدعي العام السوداني البشير فيما بعد بقتل الطبيب.

لجنة أطباء السودان.. دور ثوري

يلفت التقرير إلى أنَّ لجنة أطباء السودان المركزية، التي تأسَّست عام 2010 ثم أُعيد تنظيمها في عام 2013، توسَّعت على نطاق واسع بعد بداية ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، وعملت اللجنة عن كَثَب مع لجان المقاومة. وتقدِّم المجموعة الطبية الآن مساعداتٍ طارئة أخرى، بما في ذلك عمليات نقل الدم.

Embed from Getty Images

وقال أحد أعضاء اللجنة في تصريح لموقع «ميدل إيست آي»: إن الأطباء «يلبُّون مجموعة واسعة من الاحتياجات الطبية للمُحتجِّين، وقد تعرَّضوا للاعتقال والضرب على أيدي الشرطة وأجهزة الأمن أثناء انخراطهم في هذا العمل الطارئ». وأضاف عضو اللجنة، الذي تحدث شريطة عدم الإفصاح عن هويته، إن الأطباء «درَّبوا أكثر من 100 عضو من أعضاء لجنة المقاومة على الإسعافات الأولية، من أجل المساعدة في إنقاذ الأرواح ومساعدة الأطباء في عملهم».

ويؤكد الكاتب أن مجموعة الأطباء تقوم بكل هذه الأعمال في ظِل قلَّة الأموال والأجهزة الطبية والأدوية وغيرها من المواد. وفي الوقت نفسه أصبحت لجنة أطباء السودان المركزية مصدرًا معروفًا وموثوقًا للمعلومات التي تحصل عليها وسائل الإعلام المحلية والدولية؛ إذ تقدِّم أرقامًا موثوقة لعدد الضحايا والقتلى منذ عام 2019.

تحت المراقبة

وفي تصريح لموقع «ميدل إيست آي» أشار عضو بارز في تجمُّع المهنيين السودانيين إلى أن الأطباء يخضعون لمراقبة مستمرة من جانب أجهزة الأمن، وهذه حقيقة ثابتة دفعتهم إلى ممارسة أعمالهم بمزيد من السرية. وأضاف العضو البارز في تجمُّع المهنيين السودانيين: «على غرار تجربة تجمُّع المهنيين السودانيين، التي كانت لجنة أطباء السودان المركزية جزءًا منها، مارست مجموعة الأطباء أعمالها ووسَّعت شبكتها سرًّا في الميادين والمستشفيات مع غيرها من مجموعات الأطباء ولجان المقاومة، من خلال استخدام تكتيكات مختلفة تُمكِّنها من استمرار فعاليتها دون أن يتعرَّض أعضاؤها للاعتقال على أيدي الأجهزة الأمنية».

فيما ذكر عضو بارز آخر أن هناك أطباءً كثيرون يعملون بوصفهم أعضاءً في المكتب التنفيذي للجنة أطباء السودان المركزية، الذي أُعد سِرًّا بسبب المشكلات الأمنية خلال عهد البشير. ويلمح التقرير إلى أنه في أثناء اعتصام المُحتجين عام 2019، أُضيف أعضاء جُدُد إلى قائمة أعضاء المكتب التنفيذي من أجل تقديم رؤى وأفكار مختلفة بشأن الوضع السياسي.

وقال عضو المجموعة البارز: «تتكون لجنة أطباء السودان المركزية من مكاتب مختلفة». وأضاف: «يضطلع كل مكتب بمهامه واستقلاليته، ويتخذ أحيانًا قرارات من دون العودة إلى المكتب الرئيس، اعتمادًا على الأوضاع الأمنية. وفي بعض الأحيان لا توجد وسيلة للاتصال بالأشخاص العاملين في الميدان».

مُستهدفون للاعتقال

ويضيف الكاتب أنه وفقًا لمصادر طبية وشهود عيان مدنيين، فقد تفاقم استخدام الذخيرة الحية وغيرها من أشكال العنف ضد المُحتجِّين، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام سيارات الإسعاف، واقتحام المستشفيات وضرب الأطباء حتى تحوَّل إلى حملة اعتقال تستهدف الأطباء الذين يوثِّقون الأوضاع في السودان ويراقبونها.

وذكرت مصادر في لجنة أطباء السودان المركزية ولجان المقاومة في تصريحات لموقع «ميدل إيست آي» أن الأجهزة الأمنية تستهدف إلقاء القبض عليهم؛ ما دفعهم إلى ممارسة أعمالهم بمزيد من السرية.

وينوِّه الكاتب إلى أن فرق الأطباء الميدانية تنتشر في جميع أنحاء العاصمة الخرطوم والمدن المجاورة لها؛ ما دفع أحد العضو البارز الذي تحدَّث إلى موقع «ميدل إيست آي» إلى القول: «لا تعرف هذه الفرق بعضها بعضًا في معظم الأوقات. هناك شخص واحد فقط يعرفهم جميعًا، وهو الشخص الذي يعطي التعليمات وتثق به الفِرق الطبية».

وخلال الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش السوداني في المدة التي تمتد من أبريل (نيسان) إلى يونيو (حزيران) 2019، أصبح أعضاء لجنة أطباء السودان المركزية معروفين على نحوٍ أفضل، ولكنهم ظلوا بعيدين عن الأنظار بسبب زعزعة استقرار الحكومة الوليدة التي يقودها مدنيون. وبعد انقلاب 25 أكتوبر بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان أعادت فرق الأطباء تنظيم صفوفها، وبدأت تعمل سِرًّا من خلال التنسيق مع لجان المقاومة.

ومن جانبها استنكرت السلطات السودانية، بما في ذلك الشرطة والقادة العسكريون، بشدَّة المراقبة التي تجريها لجنة أطباء السودان المركزية. ويشير التقرير في الختام إلى أن مجموعة الأطباء أفادت في أحدث بياناتها أن أكثر من 300 شخص أُصيبوا أو قُتلوا في جميع أنحاء البلاد منذ انقلاب 25 أكتوبر؛ إذ قُتل أكثر من 250 شخصًا في إقليم دارفور، بينما قُتل 45 شخصًا على الأقل في العاصمة الخرطوم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد