نشر موقع صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية مقالًا للصحافية السودانية يسرا الباقر، مراسلة الشؤون الخارجية في القناة الرابعة البريطانية والمقيمة في لندن، يدور حول محاولات الحكومة السودانية قمع الصحفيين والمراسلين ليُحجموا عن تغطية الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها البلاد منذ ديسمبر (كانون الثاني) 2018.

بدأت يسرا الباقر مقالها بتشبيه قمع الدولة للاحتجاجات المدنية في السودان بالوحش الذي له عدة رؤوس شرسة. وأشارت إلى أنَّ أشرسها كان هجومًا عنيفًا على المتظاهرين السلميين بالضرب بالعصي والنيران وقنابل الغاز المسيل للدموع من قبل القوات الحكومية، فضلًا عن هجوم استهدف الأطباء الذين يداوون المصابين.

سيد البقاء.. كيف أخضعت «عصا البشير» السودان ثلاثة عقود؟

وتقول الكاتبة إنَّه بينما كانت أساليب النظام الوحشية لقمع الانتفاضة الشعبية على مرأى الجميع، انطلقت حملة أخرى ثقيلة الوطأة ضد وسائل الإعلام، والتي جعلتها تكتب هذا المقال من لندن وليس الخرطوم، حيث كانت تغطي الأحداث هناك منذ بدء الاحتجاجات قبل ثمانية أسابيع.

بعد أسبوع من إذاعة أحد تقارير القناة الرابعة البريطانية عن السودان، تقول يسرا إنَّها تلقت مكالمة هاتفية مثيرة للذعر من مسؤول بجهاز الأمن والمخابرات الوطني السوداني يرأس قسم الأخبار الخارجية في وزارة الإعلام. كان التقرير يدور حول رجلٍ يدعى ياسر علي، الذي طالته طلقات أحد القناصين بينما كان يحتج بشكل سلمي في العاصمة يوم عيد الميلاد، بحسب كاتبة المقال. ألقى رجال الأمن الملثمون القبض عليه بينما كانت الرصاصة ما زالت قابعة بين رئته وعموده الفقري، وأوضحوا له ولزوجته، اللذين أجرت معهما يسرا حوارًا ضمن التقرير، أنَّهم أرادوا استعادة هذه الرصاصة.

سودانيون في وقفة احتجاجية تحمل لافتات معارضة لحكومة البشير – لندن – فبراير (شباط) 2019

نوهت يسرا على أنَّ الحكومة كانت تحقق بشكلٍ منهجي مع المصورين لمعرفة من الذي يُصور بهذه التقارير. وأشارت إلى أنَّ القوات الحكومية كانت حريصة على عدم الاقتراب منها مباشرة بعد المواجهة الجسدية الأخيرة بينها وبين القوات المسلحة التي تسببت في فضيحة. وتقول يسرا إنَّها بُلَّغت في النهاية عبر الهاتف أنَّ الحكومة سترفع دعوى جنائية ضدها بتهمة «التحريض على الكراهية ضد الدولة»، وأنَّ زوجة ياسر سوف تُجبر على البقاء في البلاد للإدلاء بشهادتها ضد يسرا في المحكمة.

وتنوه كاتبة المقال على أنَّ أي نجاح في إدانتها كان من شأنه أن يُعرِّضها لعقوبة السجن المؤبد أو عقوبة الإعدام. وتقول يسرا إنَّها غادرت السودان جوًا في وقت متأخر من تلك الليلة، قبل أن تتمكن السلطات من وضعها على قائمة المنع من السفر، وتقييد تحركاتها بموجب إجراءات التقاضي.

وترى الكاتبة أنَّ مغادرتها للبلاد بهذا الشكل هو مجرد عرض واحد من أعراض الحملة العامة التي تشنها الحكومة ضد «المحرضين»، التعبير الذي يُستخدم لوصف الصحفيين الذين يغطون الاحتجاجات، وينقلون بحكم عملهم أصوات هتافات المتظاهرين المعادية للنظام، ويفضحون الطرق التي تستخدمها الدولة لإسكات أصواتهم.

من داخل صفوف الثوار: السودان بعد مرور شهر على الاحتجاجات

منذ بدء موجة الاحتجاجات هذه في 19 ديسمبر (كانون الأول)، اعتُقل 70 صحفيًا، وسُحبت الاعتمادات الصحفية من ستة مراسلين أجانب، حسبما ذكرت كاتبة المقال. وحُكم على الصحفي آدم مهدي، وهو مراسل في مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور، بالسجن لمدة ثلاثة أشهر بتهمة انتهاك قانون الولاية. وأضافت يسرا أنَّه في الأسبوع الماضي، ورد أنَّ المراسل حسين سعد سُحب من إحدى سيارات الأجرة واعتقلته قوات الأمن في وضح النهار. وبعدها بيومين، اقتحم أفراد الأمن مقر صحيفة «الجريدة»، واعتقلوا الصحفي علي الدالي.

كان هذا هو الأسبوع الثالث من حظر النشر الذي فرضته الحكومة كما تشير يسرا. وفي صباح اليوم التالي، التقى الرئيس السوداني عمر البشير مع رؤساء تحرير الصحف، وأعلن الإفراج عن جميع الصحفيين المعتقلين. وأُطلق سراح سعد والدالي و10 آخرين من المراسلين المعتقلين في نهاية الأسبوع. بيد أنَّ يسرا أشارت إلى أنَّ السلطات ألقت القبض على الصحفية درة قمبو يوم الاثنين 11 فبراير (شباط) أثناء قيامها بتغطية المظاهرات في أم درمان، بينما يقضي آدم مهدي حاليًا عقوبة السجن في دارفور.

وتؤكد يسرا على أنَّ مصادرة الدولة للصحف أشرس من أي وقتٍ مضى، إلا أنَّ الرقابة على الصحف في السودان ليست شيئًا جديدًا. تحتل السودان مرتبة متدنية للغاية في مؤشرات حرية الصحافة، إذ تأتي البلاد في المرتبة 174 في ذيل قائمة تشمل 180 دولة وردت في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2018.

وتضيف الكاتبة أنَّها كبرت في مقر صحيفة والدها في الخرطوم، والتي تدعى صحيفة «الخرطوم»، حيث كانت ترى مفتشي الدولة وهم يمزقون إصدارات الصحيفة التي بدت منتقدةً للدولة، أو كانت تتناول موضوعاتٍ مسكوت عنها. وأضافت أنَّهم عندما كانوا يشعرون بالحقد على وجه الخصوص، كانوا ينتظرون ويستولون على النسخ بعد طباعتها بالفعل وتكبُّد نفقات الطباعة.

وبحسب يسرا، في عام 2015، أُغلقت الصحيفة من قبل جهاز الأمن الوطني نفسه الذي يهددها الآن. وأشارت إلى أنَّه قبل ذلك بأربعة أعوام، اضطرت مطابع جريدتهم الخاصة إلى التوقف بعد أن تلقت مطابع الحكومة الدعم بكثافة، بغرض إبعاد رجال الأعمال عن فتح مؤسسات إعلامية خاصة.

وفي سياق الحملة التي تشنها الحكومة السودانية ضد الصحفيين، أشارت الكاتبة إلى أنَّ الصحفية شمائل النور كان عليها المثول أمام المحكمة يوم الثلاثاء 5 فبراير (شباط)، لتُقاضى بتهمة انتهاك قانون المعلومات بكتابتها مقال حول الاحتجاجات على صفحتها على موقع فيسبوك.

«بي بي سي»: أحداث كبرى يحملها عام 2019 لـ«القارة السمراء»

وبحسب يسرا، امتدت حملة القمع إلى العالم الرقمي منذ بداية المظاهرات، إذ قيدت الحكومة الدخول عبر الإنترنت إلى منصات التواصل الاجتماعي الشهيرة مثل فيسبوك، وواتس آب، وتويتر منذ 20 ديسمبر (كانون الأول).

لكنَّ استخدام الشبكات الافتراضية الخاصة كان يعني أنَّ الشبكات الاجتماعية السودانية نشطة ومغمورة بمقاطع فيديو مصورة للمتظاهرين السلميين الملطخين بالدماء نتيجة إصابتهم بالأعيرة النارية، وكذلك غرف الطوارئ بالمستشفيات التي تعرضت للهجوم وإطلاق الغاز المسيل للدموع.

وفي ختام مقالها، شددت الصحفية يسرا الباقر على أنَّ ما يهم الحكومة السودانية في هذه اللحظة من الأزمة هي ظواهر الأمور، بينما يحاول النظام الحفاظ على العلاقات الإقليمية ومواصلة المحادثات الثنائية مع الولايات المتحدة لاستبعاد السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ومن ثم يسعى لوأد الحركة الشعبية المتنامية بأي وسيلة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد