استولى الجيش السوداني على السلطة متوقعًا ألا يواجه مقاومة في الداخل أو الخارج. وإن هي إِلَّا أَمَانِيَّ، حسب ما جاء في تحليل للأكاديمية ريبيكا هاميلتون نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية.

تبدأ الأستاذة المشاركة في كلية واشنطن للقانون بالجامعة الأمريكية تحليلها بالإشارة إلى استيلاء الجيش السوداني يوم الاثنين على السلطة من الحكومة الانتقالية في السودان؛ ففي إعلان الانقلاب عبر التلفزيون الحكومي حلَّ الجنرال عبد الفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة في السودان، اتفاق تقاسم السلطة بين المدنيين والعسكريين المعمول به منذ أن أطاح الشعب السوداني عام 2019 دكتاتورية عمر البشير التي دامت 30 عامًا.

مزاعم وأكاذيب

وتلفت الكاتبة إلى أن البرهان زعَمَ أن الإجراء العسكري كان ضروريًّا لتجنب نشوب حرب أهلية، وأن الجيش يخطط لنقل البلاد إلى انتخابات ديمقراطية في يوليو (تموز) 2023. وكما يعلم المجتمع المدني السوداني جيدًا، فكل هذه المزاعم ليست سوى أكاذيب، بحسب تعبير الكاتبة. ويتوقف مستقبل السودان والمنطقة وأمل الحركات الديمقراطية في جميع أنحاء العالم – جزئيًّا – على قدرة مَنْ هم خارج السودان على رفض الرواية الزائفة التي يروِّج لها البرهان.

Embed from Getty Images

وأشارت الكاتبة إلى أنها أجرت مقابلة مع البرهان في القصر الرئاسي السوداني أثناء إعدادها مقالًا لمجلة «فورين بوليسي» عام 2019، وكان البرهان يتحدث بطريقة تنضح بالعقلانية، ويحب أن يرى نفسه خادمًا للشعب، ويود أن يصور انتزاعه السلطة باعتبارها بديلًا مستساغًا للديمقراطية أو، على أقل تقدير، درءًا للفوضى في بلد صعب المراس.

مقامرة البرهان

وأوضحت الكاتبة أن مقامرة البرهان تتلخص في أن الدول القوية، وبدافع من المصلحة الذاتية أو اللامبالاة أو التعب، سوف ترضخ للأمر الواقع. ولكنه ربما يستخف بشغف الشارع السوداني ومرونته وأولئك الذين يتضامنون مع تطلعاته الديمقراطية.

وتحظى الحركة الديمقراطية التي يقودها الشباب بثقة الشعب السوداني ودعمه، في حين يفتقر البرهان إلى هذا الدعم. وكان الشباب يُجهزون المتاريس الأسبوع الماضي استعدادًا للاحتجاج الجماهيري في أحياء الخرطوم اليوم السبت. وأطلقت مليشيات قوات الدعم السريع، وضباط الجيش، وحتى شرطة المرور النار على هؤلاء الشباب، وهاجمتهم بالهراوات، وأطلقت عليهم الغاز المسيل للدموع، وفكَّكت حواجزهم. لكن في غضون ساعة من هدم تلك الحواجز أعاد نشطاء المجتمع المدني تثبيتها مرةً أخرى. وحتى في خضم التعتيم الذي تفرضه السلطات من خلال قطع الإنترنت، وجد الشباب طرقًا لتوثيق هذا العنف، وبثه للعالم.

النضال من أجل الديمقراطية

ونوَّهت الكاتبة إلى أن سعي الشعب السوداني إلى الديمقراطية يمتد لعقود من الزمان، مشيرةً إلى أن الطريقة التي حكم بها البريطانيون السودان خلَّفت مشكلات مزمنة تتعلق بالحكم، والتي عمِلت لصالح رجال سودانيين أقوياء منذ ذلك الحين. ومع ذلك واصل كل جيل سوداني جديد النضال من أجل الديمقراطية.

Embed from Getty Images

وفي الأشهر التي أعقبت إطاحة البشير، كان المجتمع المدني السوداني مبتهجًا، لكن لم يشك أحد في فداحة التحدي الذي سيواجهه السودانيون؛ فقد أدَّى عهد البشير إلى إضفاء الطابع المؤسسي على الفساد، وتطبيع عنف الدولة ضد المدنيين، وترسيخ جهاز استخبارات داخلي وحشي كان يعذب المعارضين تعذيبًا ممنهجًا. واحتج السودانيون لتشكيل حكومة مدنية، وبدلًا عن ذلك حصلوا على ترتيب لتقاسم السلطة بين المدنيين والعسكريين. وكان هذا الترتيب ثاني أفضل نتيجة بالقدر الذي يمكن أن يسمح به ميزان القوى، مع عدم ارتياح المجتمع المدني السوداني أو الجيش للنتيجة.

وكان اتفاق تقاسم السلطة يعني أن على القادة المدنيين العمل من أجل الانتقال الديمقراطي وهم مُقَيَّدو الأيدي. ومع ذلك استمروا في العمل وفق الاتفاق. وفيما يخص المتظاهرين السودانيين، بما في ذلك أولئك الذين فقدوا أسرهم وأصدقاءَهم في النضال من أجل إطاحة البشير، كان الإصلاح بطيئًا للغاية، وكانت المساءلة بعيدة المنال، سواء عن الفساد أو الفظائع السابقة. غير أن الوتيرة كانت سريعة للغاية فيما يخص المتورطين في جرائم سابقة. وتوقع كثيرون أن تكون أحداث هذا الأسبوع قد وقعت قبل ذلك بكثير.

أسس مقامرة البرهان

وتضيف الكاتبة أن معظم المثقفين سيُراهنون ضد الديمقراطية في هذه المرحلة، وآية ذلك أن البرهان عمل جاهدًا بالفعل على تسويق نفسه للقادة في مصر، والسعودية، والإمارات، باعتباره زعيمًا غير أيديولوجي سوف يحافظ على تقييد حمى الإسلاميين الإقليمية، ويطوِّق المواطنين بقبضة من حديد. وفيما يتعلق بدول الخليج العربي فإن مثل هذه الفوائد جذابة إلى الحد الذي يجعلها تدعم الاقتصاد السوداني المتداعي من أجل تأمين الصفقة. ووضعت تأكيدات الدول الخليجية – إلى جانب الدعم الروسي المتدفق بالفعل إلى قطاع الأمن السوداني، من خلال مجموعة فاجنر شبه العسكرية – الأساس لمقامرة البرهان.

اقتصاد

منذ 4 أسابيع
«هم من صنعوا الأزمة».. لماذا قد تتفاقم أزمة الاقتصاد السوداني بعد الانقلاب؟

في ظل هذه الخلفية، يتضاءل النفوذ الأمريكي عما كان يمكن أن يكون عليه لولا ذلك. وإدراكًا منها لهشاشة الانتقال، عملت الولايات المتحدة مع الحلفاء الأوروبيين لتقديم حوافز دبلوماسية ومالية لدعم الحكم المدني. وبعد رفع السودان من قوائم العقوبات ووعده بمساعدات مالية كبيرة، حَمَل جيفري فيلتمان، المبعوث الأمريكي الخاص إلى القرن الأفريقي، تهديدًا حقيقيًّا معه عندما سافر إلى الخرطوم الأسبوع الماضي. وعندما حذر فيلتمان البرهان من التدخل في العملية الانتقالية، كان البرهان يعلم جيدًا أن التراجع في هذه المكافآت المرغوبة كان احتمالًا حقيقيًّا. ومن الواضح أن هذا التهديد لم يكن كافيًا.

دور المجتمع الدولي

ومع ذلك – وحسب ما تتابع الكاتبة – يتعين على الولايات المتحدة أن تواصل مسيرتها في دعم إرادة الشعب السوداني. وكان قرار إدارة بايدن يوم الاثنين بتعليق 700 مليون دولار من المساعدات للسودان بداية جيدة. وترى الكاتبة أنه يجب أن يَتْبَع ذلك فرض عقوبات تستهدف البرهان ونائبه، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، قائد ميليشيات الدعم السريع سيئة السمعة. ولكن هناك حاجة إلى دعم أوسع نطاقًا.

Embed from Getty Images

وتلفت الكاتبة إلى أن تواصل إدارة بايدن مع دول الخليج، والضغط عليها من أجل عدم تمكين الانقلاب، أمر بالغ الأهمية. ولحسن الحظ، فإن الاتحاد الإفريقي قد صعَّد موقفه بالفعل، معلِّقًا على الفور «مشاركة جمهورية السودان في كل أنشطة الاتحاد الإفريقي إلى حين الاستعادة الفعالة للسلطة الانتقالية التي يقودها المدنيون». وفي يوم الأربعاء ألقى البنك الدولي بثقله المالي لصالح الديمقراطية من خلال وقف عملياته في البلاد.

وترى الكاتبة أنه يجب تعزيز هذه الجهود من خلال الرسائل الدولية المتَّسقة لرفض شرعية حكومة البرهان الجديدة. ولم يسفر اجتماع مغلق لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يوم الثلاثاء عن نتائج بعد، لكن هذه هي اللحظة المناسبة للدول الديمقراطية في المجلس لكي تناضل بشدة في مواجهة الجهود الروسية الرامية لتعزيز البرهان. والنتيجة الأسوأ هنا، وهي الأكثر ترجيحًا أيضًا، أن مجلس الأمن، وانطلاقًا من عدم قدرته على حشد الإرادة السياسية اللازمة، سوف يستقر على المطالبة بضبط النفس والحوار. وقد يرحب القادة العسكريون السودانيون، الذين يخاطرون بحدوث انشقاق في صفوفهم إذا أمروا بارتكاب أعمال عنف جماعية ضد المحتجين أن يظل الجيش مسيطرًا على أصول السودان، وأن يستمر في التهرب من المساءلة عن الفظائع العديدة التي ارتكبها في الماضي.

بيد أن هذه ليست نتيجة يحتمل أن يقبلها الشعب السوداني؛ ذلك أن السودانيين يفتخرون عن حق بالإشارة إلى أن البشير كان الديكتاتور الثالث الذي أطاحوه. وخلال العامين الماضيين، نَمَت ثقتهم وقدراتهم التنظيمية – بحسب الكاتبة. وحين نزولهم إلى الاحتجاج السلمي اليوم، فهم بذلك يعلنون أن نضالهم مستمر من أجل الديمقراطية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد